أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / سر الافخارستيا

سر الافخارستيا


مقدمة
ان عنوان محاضرتنا هو “سر الافخارستيا”، وليس سر القربان المقدس. جيد ان نستعمل كلمة الافخارستيا عوض القربان المقدس، لان كل كلمة منهما لها مدلول خاص بها، والذي يعبّر عن ما نقصده، اي ذكرى عشاء الرب الفصحي، هو كلمة “الافخارستيا”.
سنقسّم المحاضرة الى ثلاث نقاط، لكي يسهل علينا تتبع الموضوع والتدرج في فهمه واستيعابه.

كلمة “افخارستيا”.
كلمة “افخارستيا” هي كلمة يونانية تعني حرفيا: الشكر، الامتنان، عرفان الجميل عند مَن قَبِلَ هدية او عطية ثمينة. اذا يفترض ان هناك فعل اولي قام به شخص ما، ثم الافخارستيا هي رد فعل لهذ الفعل الاولي. [مثال: اعطي قلم لاحدهم، وذلك اقلم كان شيئا غاليا جدا عندي]. انا عندما اعطي القلم فالمبادرة كانت منّي، اي انا كنت المتحرك اول تجاه ذلك الشخص الذي اعطيته اللم، وذلك الشخص قام بعمل افخارستيا لي، اي تحرك تجاهي. كان ساكناً لكنه تحرك تجاهي ليقوم هو ايضا بفعل جوابا على فعلي، جوابا على حركتي تجاهه.

اذاً كنتُ انا الاساس لفعل الافخارستيا، وبدوني لا وجود لهذ الفعل. لكن ايضا لا وجود له بدون حركة الشخص الثاني. لهذا الافخارستيا هي فعل ورد الفعل. تفترض كاساس لها جانبان وليس جانب واحد. اذا عندما اقول (انا اشكرك) فليس هذا فعلي وحدي بل الصحيح هو (انا اشكرك على اعطائك لي فلان شيء). اذا انا اجاوب فعلك عندما اشكرك.
عندما اشكر شخصا فانا اتذكر ماذا عمل لي لأشكره، اي اتذكر فعله او افعاله لي. هكذا في الكتاب المقدس الشكر هو عادة مصحوب بـ “التذكار”. عندما يشكر شعب اسرائيل الهه فهو يتذكر اعماله له لهذا يشكره: نحن نشكرك لانك خلقتنا، لانك خلصتنا من مصر، لانكحررتنا… ويأخذ هذا الشكر عادة شكل صلاة لأنه موجّه لله (اشكرك يا ابتاه لانك استجبت لي ..) يو 11.
الافخارستيا كـ “سرّ”.

اذا رجعنا الى معنى “السرّ” نلاحظ انه يعني حقيقة مقدّسة. فعندما نقول “سرّ” نقصد بذلك التعبير عن حقيقة مقدّسة وتحقيقها، اي جعل هذه الحقيقة واقعة حادثة في الزمن والتاريخ.
الافخارستيا هي “سرّ” من اسرار الكنيسة السبعة، وهي استذكار للعشاء الفصحي الاخير الذي عمله الرب يسوع مع تلاميذه، وفيه اعطى للمؤمنين به جسده ودمه تحت شكل الخبز الخمر. وعندما يحتفل المؤمنون بالافخارستيا فانهم يعيدون ذلك العشاء الاخير، فينوجد المسيح بينهم تحت شكلي الخبز والخمر.
الافخارستيا اذاً هي سرّ لان المسيح بها يحضر بحقيقته الكاملة. لهذا ليست استذكار فقط بل ذكرى، بمعنى تحقيق هذا الاستذكار. عندما نقول ذكرى، فاننا نقصد عادة بعض الاحداث التي نعرفها وموجودة في مخزن عقلنا، نستطيع ان نخرجها متى شئنا. لكن ما نقصده هنا بالذكرى ليس الفعل العقلي في احضار حدث، بل الحدث الماضي لكن الحيّ الآن، المعاش في الحاضر وبقوة.
الذكرى المقصودة هي ان تكون حقيقة معينة حيّة في الشخص بحيث يجعلها واقع انساني ويدخلها في تاريخه الحالي. ومن جهة هذا الشخص يصبح حيّا من خلالها. اذا هناك الحقيقة التي تتحقق في الشخص، وهناك الشخص الذي يحيا بواسطة الحقيقة.

لهذا في سرّ الافخارستيا وعندما يتناول المؤمنون هذا الجسد والدم فانهم يجعلون المسيح حيّا فيهم ويعلنون بفعلهم هذا ان عمل المسيح الخلاصي لا زال فعّالا، ويجعلوه فعّالا بتناولهم هذا الجسد والدم، لانهم به يصبحون جماعة واحدة، جسد احد هو جسد يسوع المسيح الذي بدأ عمل الخلاص، وجسده الحالي “الكنيسة” تُكمل عمله في العالم (روم 12: 1-9).
المسيح ابن الله القدوس يعطي جسده في الافخارستيا، لهذا من يأخذه ويتناوله يصبح مقدّسا لان المسيح يُقدّسه. ولهذا الافخارستيا هي سرّ حقيقي لانها تقدّس مَن يشترك بها بجعله مملوءً من المسيح، اي بجعله “مسكن” [مشكنا] المسيح، وبواسطته يعمل في العالم اليوم، الآن.
معنى “سرّ” الافخارستيا.
في سرّ الافخارستيا هناك اتجاهان او بعدان مهمان جداً، لا بل هما اساس هذا السر، وهما.

وجود (وجودية) المسيح وحضوره.
فعل عرفان وشكر له.
وجود المسيح وحضوره: في العشاء الاخير وبعد ان قدّس او جعل المسيح الخبز والخمر جسده ودمه قال (اصنعوا هذا لذكري) لو 22: 19. ما هو هذا الذي نصنع؟
انه طبعا تقديس الخبز والخمر، اي جعلهما جسد ودم المسيح. اذ حيثما اجتمع المؤمنون وأتمّوا واكملوا وعملوا مثل ذلك العشاء بكل ما يتطلبه، فهناك يحضر الرب، اي ينوجد المسيح الرب بحقيقته كلها تحت شكلي الخبز الخمر، فلا يعودان من بعد خبزا وخمرا بل جسد ودم المسيح.

في سرّ الافخارستيا ينوجد المسيح بكل ما عمل، اي ينوجد بكل حياته منذ ولادته حتى موته وقيامته وصعوده، بمعنى انه موجود بكل عمله الخلاصي الفدائي الذي لا زال الى الان فعّالا بواسطة وجوده في الافخارستيا.
اذا اول اتجاه او بُعد في هذا السرّ هو عمل المسيح، اي فعلٌ منه تجاهنا بحضوره بيننا. ولا يمكن ان يكون المسيح حاضرا بجسده ودمه بغير هذه الطريقة والشكل، لانه هو اراد ذلك عندما اسسه في العشاء الاخير. لماذا الخبز والخمر؟ لانهما يتحولان الى دم وجسد الانسان. حضور المسيح ليس بالكلمات والذكريات بل بالانسان الحيّ. المسيح يصبح حقيقة حيّة بالانسان المؤمن. والمؤمن بواسطة المسيح يحيا صورته الكاملة.
فعل عرفان وشكر له: البُعد الثاني الاساسي والمهم في هذا السرّ هو فعل او عمل المؤمنون. المؤمنون حينما يجتمعون ليعيدوا ذكرى ما عمله الرب في العشاء الاخير، فانهم يجعلون المسيح الرب حاضراً بينهم، اي انهم يعترفون حقاً ان الرب هو معهم بقربهم، موجود بشكل منظور فيما بينهم كطعام. وعندما يعترفون بهذا الوجود، ويتناولون هذا الطعام الابدي، فانهم يعطون بعملهم هذا جواب شكر على كل النِعم الالهية التي اعطاها الله لهم، والتي هي مجسدة في شخص يسوع المسيح.

اذاً الافخارستيا هي حركتان وفعلان: حركة من الله باعطاء المسيح للبشر، وحركة من المؤمنين كشكر لفعل وحركة الله.
هنا من المهم الاشارة الى شيء جوهري: ان حقيقة المسيح تصبح حيّة في “المؤمنين” وليس في المؤمن فقط. اي ان سرّ الافخارستيا ليس فعلا فرديا يقوم به شخص معين لنفسه، بل هو عمل الجماعة المؤمنة. في المسيحية الخلاص الفردي ليس موجودا وقائما بحد ذاته، ومنفصلا عن كل ما عداه. الخلاص هو جماعي. الانسان يخلص لانه من ضمن جماعة. وهذه الجماعة هي التي تعطي الخلاص له، بواسطة الافخاستيا. اي حينما تجعله يصبح الحقيقة الحيّة للمسيح في العالم. فيحيا هو ايضا كانسان كامل. هذا المؤمن الحيّ بالمسيح يكون ضمن الجماعة التي كلها تكوّن “جسد المسيح”.
الختام.
هناك نقطتان نختم بها الموضوع:

اولاً: الافخارستيا هي فعل من الله، وجواب من البشر. الله بالمسيح تحرك تجاهنا، عمل كل شيء منذ الخلقة والى مجيء المسيح من اجلنا، ولا زال يعمل ايضا بحضور المسيح بيننا. ونحن نجاوب على كل اعماله وافعاله هذه بقبولنا المسيح، بتناولنا اياه لنصبح معه جسد واحد، فنكمل نحن عمله الخلاصي، نواصل الرسالة الموكولة الينا. وبهذا تكون الافخارستيا فعلاً مركز الحياة المسيحية واساسها.

ثانياً: الافخارستيا هي سرّ، وكلمة السرّ تعني الحقيقة التي كلما اخذت منها تعرف انها اكبر بكثير مما تعرفه، وبنفس الوقت تجعلك تشتهي اكثر معرفة ما تعرفه. لهذا، الافخارستيا هي ما يجعلنا نتقرّب الى حقيقة الله وحقيقتنا، لكن تجعلنا دائما نشتهي ان ندرك ونتقرب اكثر وباستمرار. هذه الحقيقة التي أدركها في الافخارستيا هي التي تجعلني ليس فقط فردا بل جماعة: الحقيقة تجعل من الاشخاص جماعة (كنيسة)، لان الشخص يكتشف فيها بُعده الجماعي المخلوق عليه من الاصل، من الخلقة.

عن Yousif

شاهد أيضاً

On the Feast of St. Thomas, the Apostle, Patron of the Chaldean Church

On the Feast of St. Thomas, the Apostle, Patron of the Chaldean Church H.B. Patriarch …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *