الرئيسية / المقابلات / أسرار الكنيسة: المعنى والتأوين 

أسرار الكنيسة: المعنى والتأوين 

إعلام البطريركية

تقوم البطريركية بنشر بعض ما كتبه المرحوم الأب يوحنان جولاغ (والذي لا يزال مخطوطاً) بمناسبة مرور عشر سنوات على إنتقاله الى حضن الآب. معظم هذه الكتابات تدور حول طقوس الكنيسة واسرارها. والتي كان يدرِّسها في الدورة اللاهوتية في الموصل لسنين عديدة.

 شكر وتقدير للسيدة شذى نونا التي بذلت مجهوداً كبيراً في نشر معظم أعماله لتكون في متناول يد محبيه.

الاسرار موضوع ايمان، حددتها الكنيسة عقيدةً، ومارستها. تنشئ المسيحيين وتؤسس الكنيسة بكونها متضمنة حياة يسوع المسيح وموته وقيامته. تتدفق مع الدم والماء من جنبه المطعون على الصليب. يؤكد المجمع الفاتيكاني الثاني "إن غاية الأسرار هي تقديس البشر وبنيان جسد المسيح وتأدية العبادة لله … وهي علامات، ولها دور تعليمي، تفترض الإيمان، وتغذيه أيضاً بالكلمات والأشياء، وتعبّر عنه، لهذا سميت أسرار الإيمان (الدستور في الليتورجيا المقدسة رقم 59 …).

الاحتفال بها يهيئ المؤمنين تهيئة أفضل لقبول نِعم الله قبولاً مستمراً، ولتأدية العبادة له بصورة صحيحة، ولممارسة المحبة – فمن المهم جداً أن يفهم المؤمنون علامات الأسرار، وأن يُقبِلوا عليها بتواتر، لأنها وُضعَت لتغذي الحياة المسيحية.

لقد دخلت على مر العصور تغييرات على طقوس الأسرار، عناصر تمنع، حالياً، أن نرى بجلاء طبيعتها وغايتها… لذا أقرَّ المجمع ان تُدخل عليها بعض التعديلات لكي تلائم حاجات عصرنا … ومن هذه التعديلات: إعطاء محل أوسع للغة البلاد، يُعاد النظر في رتبة العماذ، والتثبيت، والتوبة، ومسحة المرضى، والرسامات الكهنوتية… وطقس القداس (رقم 47 – 58). والغاية من هذه التعديلات هي جعل كل سر أكثر بلاغة وأكثر دلالة، صقلُ الصدأ، إحياء ايمان الممارسين، تفجير الأسرار في صميم حياة الناس. 

ما هو السر؟
لقد استعملت الكنيسة هذه الكلمة بمعانٍ عديدة، فهي تعني حقائق الإيمان، والعبادة المسيحية المتنوعة: بمعنى سر التجسد والفداء، أو كلام الكتاب المقدس والأحداث والحركات المقدسة، والطقوس المسيحية والرموز الدينية … هذه الأمور كلها كانت تدعى "أسراراً" – مقدسات – وفي القرن الثاني عشر إحتفظوا بهذه الكلمة للدلالة على هذه "السبع علامات المقدسة الكبرى التي أسسها السيد المسيح لكي تعطي النعمة وتمنحها".

الإنسان يلتقي بالله عبر علامات وطقوس ورموز. هي ينبوع الخلاص الذي يحمله الينا يسوع المسيح، وهو واقع العهد الذي يعيشه الله معنا فيه ، من خلال هذه الاسرار- العلامات. فالمسيح سرُّ الآب، والكنيسة سرّ المسيح، هذان هما السرّان للِّقاء بالله عبر إحتفالنا بالعماذ والأوخارستيا والمصالحة…

عندما نحب شخصاً، لا يمكننا الا أن نعبّر له عن حبنا، اي أن نعطيه علامة – (مز 16: 8 – 14) والعلامة الأولى هي كلمة "أحبك". لكن الكلام وحده لا يكفي، لأن الحب ليس فكرة مجردة، لكن يجب ان يكون منظوراً وملموساً، بحاجة الى دلائل، الى طقوس كالسلام والتماسك بالايدي، وهذه طقوس طبيعية، وثقافية أيضاً، لذا يمكنها ان تأتي بصور متنوعة، حسب عادات الشعوب والمجتمع… فالأسرار هي علامات فاعلة، طقوس فعالة، طقوس حب الله لنا…

الطقس عمل رمزي يعطي معنى للحياة وقيمة. ولكي لا يصبح الطقس شيئاً آلياً من مخلفات عصر مضى، على الطقس ان ينطبق على الثقافة والمجتمع الذي يمارسه – وهكذا يكون صالحاً، وقد لا يحتاج الى شرح، بل ينبغي ممارسته كما يجب وهو يعمل عمله، فلا يجوز أن يستمر طقس ما  "لم يعد يعني شيئاً للناس" لذا يجب إعادة النظرفيه – والمطلوب ليس نبذ المعطيات الدينية الاساسية، بل ان نعيش طقوساً "تعني لنا شيئاً" طقوساً "تحكي" اي تحمل معنى للذين يعيشونها.

والحياة الطقسية، دينية كانت أم زمنية، قديمة أو حديثة، كثيراً ما تستعمل عناصر مادية:  كالسماء والارض والماء والنار والنور والخبز والملح والخمر – أو سلوكاً بشرياً كالسير بزياح، أو وضعاً جسمياً كالركوع، أو أعمالاً كإيقاد شمعة أو تغطيس في الماء أو كسر خبز أو دهن بالزيت، أو وضع الأيدي … وهذه العناصر والحركات والسلوك تحمل معاني عديدة ومتناقضة – فالماء مثلاً قد يروي العطش أو يُغرق، وكذلك النار قد تنير أو تحرق … ففي كل طقس، هي الكلمة التي ترفع الإلتباس وتُعطي المعنى المقصود إذ تشرح الرمز.

الكلمة صورة السر، لكل سر جملة تعبّر عن معناه وتقول ما يحققه الله في السر: "عمذوهم …" "هذا هو جسدي…" – انها كلمة الايمان، كلمة الله، وكل كلمة الهية هي عمل الهي في المؤمن – "قال الله ليكن نور فكان نور .." واشعيا يشبهها بالمطر الذي يسقي الأرض ويُنمّي "كذلك تكون كلمتي التي تخرج من فمي …" (اشعيا 55: 10 – 11). بقدرة هذه الكلمة عمل المسيح في الإنجيل "قم وأمشي" "طاببيثا قومي" – هذه الكلمة تطلب منّا إيماناً كإيمان قائد المائة: "قل كلمة واحدة فيبرأ فتاي" (متى 5:8…). هذه هي الكلمة في الأسرار الكنسية – وهذه الكلمة ليست عبارة لغوية لكنها شخص يسوع القادر والفاعل

كل سر يحتفل به الكاهن يمنح نعمة خاصة لمن يأخذها مستحقاً نيلها، مهما كان الكاهن قديساً أم لا – فالمهم هو الاستعداد الجيد لدى متَقَبّل السر.

الله يلتقينا بيسوع المسيح من خلال علامات تحتويها طقوس ورموز واعياد، والكنيسة تعمل ما فعله يسوع، أو كما عمل الاولون بوحي منه (التواتر)، ولها سلطة لتكييف صيغ هذه الطقوس

سبعة هي  الاسرارالتي حددتها الكنيسة في القرن الثاني عشر:: المعموذية والميرون – التثبيت – التوبة-القربان الاقدس – مسحة المرضى – الكهنوت – وسر الزواج.  وهي التي ترافق اهم مراحل حياة الانسان الفردية والجماعية، فهي ينابيع تتدفق فينا للحياة الابدية (يو 14:4).

ان الحياة المسيحية الحقة قائمة على الايمان العامل في المحبة (غلا 5:6) فهل هذا الايمان بحاجة الى طقوس الاسرار؟ نعم لان الوحي الالهي يعلمنا ان تصميم الله لنا هو ان يتبنانا ويُشرِكنا في حياته الالهية – وهذه العملية نسميها الخلاص.

والله يتعامل معنا كما خلقنا أي في أجسادنا – والانسان يسوع هو حضور الله الفادي بجسده. ووسائلنا الوحيدة للّقاء وللعلاقة معه هي أجسادنا. وهكذا بالمسيح نملك السر الجسدي للِّقاء بالله – لأن المسيح هو وسيط نعمة الخلاص بصفته إنساناً، في بشريته، وطبقاً لبشريته، وفي جسده القائم من الموت.

 يمر الانسان الى الحياة – و يلتقي المخلص كلاً منا شخصياً خلال طقوس واسرار – إذ هكذا التقاه حسيّاً الرسل والتلاميذ الأولون بعد قيامته، وعلينا ان نجده حيث يقول لنا، أي في جماعته، في كنيسته، فهي سر المسيح كما ان المسيح هو سر الآب – ولا يمكن لأحد أن يلتقيه خارج خاصته التي أسسها عند قوله: "ها أنا معكم طول الأيام، حتى انتهاء العالم" (متى 28: 20).

الإيمان هو أن نثق بالمسيح حين يدعونا الى لقائه في مواضع وأوضاع عديدة، منها:
–    التجمع في كنيسته للاحتفال به:"حيث اجتمع إثنان او ثلاثة بإسمى أكون بينهم"
–    في الكتاب المقدس الذي نعلنه وفي الكلمة التي بشر بها "من سمع منكم سمع مني …"
–    وبنوع خاص في سر العماذ: "إذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمذوهم باسم الآب … "
–    في سر القربان الأقدس: "خذوا كلوا، خذوا إشربوا … إصنعوا هذا لذكري …"
–    في سر المصالحة والإصلاح الأخوي في الجماعة "مهما حللتم على الأرض يكون محلولاً في السماء" (متى 18: 18) "خذوا الروح القدس، من غفرتم خطاياهم تُغفر لهم" (يو 20: 22 – 23).
–    في سر المحبة العاملة لجسد المسيح في أخيه )متى 25). 

في كل هذه الممارسات وغيرها يرى  المؤمن المسيحي الرب يسوع حاضرا حقيقيا. هذا الايمان هو ايمان بحب الله الفادي وبحياة الانسان الالهية والابدية، والا فلا ايمان.

 
 

شاهد أيضاً

مواطن اسمه “سرمد باليوس”

 بقلم: ماجد عزيزة أنا على يقين بأن أخي العزيز وأبتي الغالي الأب سرمد باليوس راعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*