الرئيسية / المقالات / بلبلة جديدة من أرض شنعار إلى سهل نينوى

بلبلة جديدة من أرض شنعار إلى سهل نينوى

نبيـــل جميـــل سليمـــان

–    تمهيد:
 إلى أيام الطوفان: "كانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة" (تك 11: 1). أما عند برج بابل فأن الله بدَّد البشرية وفرَّقها ليس لأنها أتحدت على فعل الخير، ولكن لأنها تكبرت وأرادت الأعتماد على ذاتها دون الله، عندما فقدت الثقة في الوعد الألهي بأنه لن يكون "طوفان" آخر بعد. فما حدث في بلبلة الألسن هو شفقة من الرب على الإنسان الذي ظنَّ أنَّ في كبريائه يمكنه أن يتحدى الله. وهذه "البلبلة" هي ليست سياسة "فرق تسد" بل سياسة "فرق تنقذ"، أعتمدها الرب في خطته من أجل خلاص الإنسان، فهو لم يفرق أناسًا متحابين يصنعون الخير بل يؤذون بعضهم البعض، وهو لم يفرق الألسن ليستفيد هو شيئًا، إنما فرق الألسن تأديبًا لهم، وأيضاً لئلا ينهار البناء عليهم فيقتلهم.


–    برج بابل وتشتت البشر:
 لقد كان هذا إعلانًا جماعيًا من الإنسان على رفض السير في الطريق مع الله (تَحَدَي القدرة الإلهية).. أي أنهم يجتمعون على إرادة واحدة لأنهم مجموعة واحدة (أي ارتباط الإنسان بالإنسان بمعزل عن الله). فلابد أن يفترقوا حتى لا يساق الباقون في إرادة الشر (دون معرفة وأختيار حقيقي). أما الرب فقد أبطل مشورتهم ليعلّمهم أنه ليس بمقدور أحد تَحَدَي القدرة الإلهية. ولأنه لا يريد أن يفنيهم حسب وعده… لذلك فرقهم إلى شعوب ومجموعات وقبائل، حتى لا ينتشر الشر إلى العالم كله، وجعل لكل مجموعة لغة غير الأخرى، وهكذا صار "الإنسان" متفرقًا بفعل الشر الذي أختاره. فعندما بلبل الله ألسنة البشر كان ذلك حماية لهم من شر أنفسهم وسقوطهم في الكبرياء أو سقوط البرج عليهم. أرادوا أن يبنوا بابل أي "باب إيل – باب الله"، فصارت المدينة لا مدخلاً إلى الألوهة التي توحّد بين البشر بل بداية بلبلة شتّتت البشر في كل مكان. وكان في هذه البلبلة أيضًا خير للناس الذين أنتشروا في أرجاء الأرض، فأستغلوا خيرات الأرض عوضًا عن تكدسهم في مكان واحد، يتزاحمون فيه على موارد الحياة، مما يسبب خصام وشجار وقتال ودمار وهلاك. وظنوا أنهم قادرون على الخلاص بأنفسهم (الخلاص من تأديبات الله)، لا الخلاص من خطاياهم. فالله ليس بمنتقمٍ، ولن تؤذيه شرور البشر، حتى إن وجهت لمقاومة الإيمان به. إنه إله عادل، وفي عدله يفيض حبًا ولطفًا وحنانًا. تأديبات الله لشعب بابل في ذلك الحين كانت مملوءة بالمراحم الإلهية. لذا فأن هذا التوزيع الجديد لإقامة الشعوب كان لصالحهم، لأنهم تعدوا حدودهم وأمتلأوا طمعًا. فكما إن أجتماع الأبرار معًا يزيدهم صلاحًا، فإن أجتماع الأشرار معًا يزيدهم شرًا.


–    بالروح نطقوا بألسنة جديدة:
 فتفريقهم كان لنفعهم، وتوزيع ألسنتهم كان موهبة من الله. فلو لم تُبلبل لغاتهم بالمراحم، لما تركوا الأرض التي أحبوها، ولم تنشأ القبائل والأمم والشعوب (فلكل واحدٍ معارفه وبلده عزيز عليه، وهناك كانوا يُخنقون بمحبة بابل). ولم تتشكل لكل شعبٍ ثقافته التي يعتز بها، لذا أصبح العالم غنيًا بالثقافات المتنوعة. بيد إن الله الآب وزع اللغات بين البشر، وهذه اللغات هي نفسها التي وهبها الروح القدس للرسل، تلاميذ الرب يسوع. فقبل صعود الرب يسوع وأثناء ارتفاعه جمعهم ونفخ فيهم ليقبلوا منه الروح. ألبسهم قوة الروح قبل أن يصعد، وبعد صعوده أرسل لهم كل السلاح، الذي به يجابهون العالم. فكما صليب الآلام بددهم قبل أيام، فها هو صعوده يجمعهم إلى العلية في أرض اليهودية. من هنا أعطى برهانًا بأنه يملك لكي يعطي، فأعطى عندما صعد، وعلّم بأن الآب متفق معه. فالتلاميذ أجتمعوا في "علية-الأبن" أو "بابل-الأبن" منتظرين تلك الموهبة كما كان قد وعد بإرسالها. فحَلّ الروح القدس عليهم في شكل ألسنة نارية، لا ليحترقوا بها، بل يستنيرون بلهيبها. وفي الحال شعروا أنهم أصبحوا أقوياء، أقوياء جسدًا وروحًا وحكمة. أستنارت عقولهم، ووضحت لهم حقائق الأمور. علموا أن الروح القدس حلّ فيهم، وأصبح لهم المعلم والمرشد. الضعفاء البسطاء، أصبحوا أقوياء وحكماء. الصيادون غدوا معلمين وعلماء. وبدأوا ينطقون بكل الألسنة. إنه لقول عجيب عندما كانت ألسنتهم تُوزع في "علية – بابل – الأبن" كما (وُزعت) في برج بابل، بل غلبت بابل. فهناك تبلبلت ألسنتهم بـ "القصاص"، أما فيكِ توزعت الألسنة بـ "المحبة".

 

–    سهل نينوى: بلبلة جديدة وأمتحان لإنسانيتنا ومحبتنا..!

 وهنا يتبادر إلى الأذهان، التساؤل الآتي: هل الله أم البشر أراد أن تكون اللغات واحدة !؟
سفر التكوين يتحدث عن تنوع الشعوب، مما يعني تعدد الألسن أي بلبلة الألسن. فكأني بالكاتب الملهم يتحسر لأن البشرية تتحدث عن لغة واحدة، وتعيش إيديولوجيا واحدة، حيث الفرد يذوب في الجماعة فيخسر شخصيته وغناه، حيث المجموعات الصغيرة تُسحق فتتكون هذه الإمبراطوريات الواسعة. هكذا تزول خاصيات كل شعب، فلا يبقى سوى لغة واحدة، سوى كلمة واحدة تفرض على الناس. وهذه الكلمة هي كلمة الأقوى، الذي يمسك السلطة بيده.
 وهذا ما حدث ويحدث اليوم في شرقنا العربي من أن الأقوياء يستعبدون الضعفاء والأغلبية تحكم الأقلية والمكونات الأصيلة. بل يطردوننا من بيوتنا وأرضنا. ولكن يد الله القديرة تدافع عن شعبه المؤمن، وتنجّيه من كل شر، وتخزي جميع أعدائه.
 أنه أمتحان لإنسانيتنا ومحبتنا.. هل نجحنا في الأمتحان، أم سننجح..!؟
الأمتحان صعب، والأسئلة صعبة وقاسية، بل وتحتاج إلى أجوبة صحيحة. بل إلى تصحيح كل مسارات حياتنا، ولعل من أبرز هذه الأسئلة: ماذا نجني من هذه الكوارث كلها، ومن طبيعة الشرور التي زرعها ويزرعها الإنسان..!؟
 مثل هذه التساؤلات تحتاج إلى وقفة تأمل حقيقية، ليعيد الرجاء إلى شعب أحسّ باليأس في أوقات صعبة، والأمل بأن تاريخ الخلاص لا تتوقّف مسيرتُه مهما قويت يد البشر. فما زالت بابل حاضرة في أيامنا، وأن الجواب على بابل هو "العنصرة". والعنصرة حاضرة في تاريخنا حينما يجتمع الناس من أجل مشروع المحبة في العالم، والتفاهم بين الشعوب والأفراد، فلا يكون عبد ولا حرّ.. بل يكون الجميع واحداً في يسوع المسيح.


نبيـــل جميـــل سليمـــان
كندا – فانكوفر
22-8-2016

 

شاهد أيضاً

اللِّقاء الرَّابع سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب

اللِّقاء الرَّابع سرُّ المعموديَّة: الانتماء إلى عائلة الله الآب المقدِّمة نلتقي في الأسرار الكنسيَّة اللهَ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *