أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / الكهنوت العلماني/ الابرشي والتكريس الرهباني، بين وصيتين: للاب عبد السلام وللشهيد مار فرج

الكهنوت العلماني/ الابرشي والتكريس الرهباني، بين وصيتين: للاب عبد السلام وللشهيد مار فرج

بقلم الأب نويل فرمان السناطي
 
لم تزال شاخصة في الذاكرة، عبارة من وصية الاب الراحل عبدالسلام حلوة الدومنيكي تقول: ليس لي شيء أملكه حتى نفسي ليست ملكا لي. وقد لخصت هذه العبارة نذر الفقر الرهباني، الذي عاشه الاب (المهندس) عبد السلام، حتى نقل لي أحد إخوته في الرهبانية، في بدء مرحلة تأسيس اجهزة التبريد الايركونديشن، أنه كان يتحرج من باب الفقر الرهباني ان ينعم به، فيما الكثيرون غيره محرومون منه.

أما الوصية الثانية فمن السهولة في الانترنيت أن نجدهامتسفيضة بخط يد الممطران  الشهيد مار فرج رحو، الذي نأمل أن يتمخض السينودس الكلداني عن خطوات عملية لرفع قضية تطويبه، مع عدد آخر من شهداء الكنيسة الكلدانية، من رهبان وراهبات، في مطلع القرن العشرين، واواخر القرن 19. وجاء في وصية الشهيد العظيم: … إلى إخوتي وأخواتي وأولادهم: إني لا أملك شيئا. وكل خير أملكه على الارض فهو ليس لي. لا تطالبوا بشيء فأنا لا أملك شيئا. أنا بذاتي كنت ملكا للرب وبيعته. فلا يمكنني أن أعطيكم ما لا أملك. فليس عندكم شيء لأنني لا أملك أي شيء.

وأذ كانت آلام ودماء مار فرج، وحدها كافية لتوثق قضية تطويبه، فإن هذه الوثيقة التي كتبها أمام احتمال الموت الطبيعي، كانت برأيي ستكون مادة رئيسة في ملف تطويبه لو وجد انه توفي بعد عمر طويل بعطر الفضيلة. لكننا شعب، ليس له آلية تطويب من يرحلون برائحة القداسة، فكيف بالذين دماؤهم طريقهم الى القداسة، وذلك على خلاف لبنان الذي يبدع في هذا المضمار، لأسباب من المقارنة المحيّرة قد تحتاج الى دراسة. أما بخصوص شهدائنا منذ القرن التاسع عشر (الأنبا جبرائيل دنبو) نحن فما زلنا ننتظر سنين وعقودا وقرنا ونيف.

ومع ان المطران فرج رحو كان ينتمي الى الكهنوت الابرشي، فهو في اسقفيته، عاش سياق أولئك الاساقفة الأماجد من الذين وهبتهم الرهبانيات الى الكنيسة، ليعيشوا ضمن نفس نذر الفقر. فبماذا يا ترى نفسر مضمون وصية شيخ الشهداء؟

في الواقع كانت اسقفية مار فرج في مطلع 2001. أي في أعقاب وفاة مفاجئة لأحد الاساقفة في التسعينيات، وأثيرت بعض التساؤلات والمماحكات عمن يرثه. مما حدا بأحد قدامى الكهنة الكلدان (م. ز.) أن يقترح على المجمع الاسقفي، بأن يكتب الاسقف منذ رسامته ماذا يعود إليه من مال وممتلكات، بحيث ان ما يتكون لديه بعد اسقفيته هو ملك للكنيسة التي ترثه، هذه الكنيسة التي تجمعه معها زيجة روحية، موسومة بخاتم الاسقفية. وضمن المنوال عينه، ما زال الاساقفة الموارنة، والسريان الكاثوليك، حتى ممن كانوا كهنة ابرشيين، يحملون مع اسقفيتهم، قلنسوة الرهبانية، كإرث للمظاهر الاسقفية الموروثة من الاساقفة الذين درج في أجيال غابرة، على اختيارهم بين الرهبان. أما إن لم يكونوا على نهج التكريس الكلي، ماديا وروحيا لأبرشيتهم، عندئذ تفقد القلنسوة رمزيتها، وكان يمكنهم الاكتفاء بالقبعة الصغيرة الجنبدية كسائر الاساقفة الكاثوليك. أما الكنيسة الارثوذكسية الرسولية الشقيقة، فما زالت على تقليد طوباوي عريق، هو تقليد تصنيف الاكليروس بين كهنة علمانيين متزوجين، ورهبان ممن يرشحون الى الاسقفية، فتكون قلنسوة الرئاسة في مكانها ولا مجرد للزينة مع الحلة الاسقفية.

ويبدو ان التساؤلات التي أثيرت عائليا، في الاسقف المتوفى بحادث في التسعينيات، كانت ضمن أجواء عدم التمييز بين التكريس التلقائي للاسقف الى كنيسته، روحا وجسدا وأموالا، وأن حاله حال الرهبان في الدير أو الكهنة منهم ممن يوافق الدير على انتدابهم لخدمة الخورنات المحلية.

وفي موضوع الرهبان، أو الرهبان الكهنة، فمن المستبعد، على سبيل المثال لا الحصر، ان أهالي راهب ممن وهبتهم الرهبانية، ضمن غيرهم من الرهبان، للخدمة كراعي في إحدى الخورنات، من المستبعد أنهم لا يعدّون ابن اسرتهم الراهب، مثل الاب االمرحوم قرياقوس ميخائيل، قد انفك من نذوره الرهبانية، ليتحوّل من مرتبة الكاهن الراهب الى مرتبة الكاهن الابرشي، ومن المستبعد أن يُعدّ ما وجد بعده من أموال وممتلكات مشاعا إلى غير رهبانيته. ولم نسمع انه عين مدبرا بطريركيا، فموقع البطريركية لم يعلن ذلك!

وضمن هذا الاعتبار، فإن الاب الراهب قرياقوس، كان من الطبيعي ان يكون كما سمعنا برعاية رهبانيته، ولمكانة هذه الرهبانية الكلدانية المجيدة لدى البطريركية الموقرة، علمنا أن البطريركية، من باب الانتماء والخدمة الكنسية، تقاسمت مع الرهبانية نفقات علاجه واقامته في المستشفى.

الموضوع إذن قد حسم في مستوى الكاهن الراهب عندما يخدم خورنة ابرشية أو بطريركية، أو الاسقف المكرس لابرشيته، على غرار وصية المطران الشهيد مار بولص فرج، التي نعتقد ونأمل ان تكون قد كتبت ليس من باب الفرادة الشخصية بروحانية خاصة به، بل وفق سياق نرجو أن يكون مقرا من المجمع الاسقفي.
لكن الموضوع لم يزل مبهما على مستوى الكاهن الابرشي، والذي أصلا يوصف في الطقس اللاتيني بالكاهن العلماني  Prêtre séculier

فمنذ السبعينيات، تم تخصيص راتب للكاهن، وتوفير المستلزمات الخاصة به وبسكنه وبطعامه، وبتنقلاته بحيث تكون الحسنات من القداديس وغيرها من الخدمات للكنيسة وليس لجيبه. وضمن هذا المجال، يتعين للخدمة المتفرغة في خورنة محددة، وإذا خدم خدمة خارجية أخرى، يتقاضي عنها حسنة رمزية وليس راتبا تراكميا، وهذا ما تتبعه الابرشية في كندا، وفيما بينها وما بين الابرشيات الاخرى، في حالة الخدمة المشتركة لبعض الكهنة لكل من الابرشية اللاتينية والابرشية الشرقية. ولكن هذا السياق يبدو أنه غير متبع بشكل اداري دقيق في الكثير الكناس الشرقية، وعندئذ يكون الثراء الفاحش للكاهن مثار تشكك، أو موضوع مساءلة موجهة إليه: من أين لك كل هذا؟

لذا تشكل حالة الكاهن الابرشي، عندما يتهافت على الخورنات الكبرى، فيتلقى الاكراميات من سخاء المؤمنين في سياق ورثوه من زمن لم يكن للكاهن راتب محدد، تشكل هذه الحالة معضلة ملفتة للنظر.

إما فيما يخص أسقف الأبرشية، فإذا لم تكن  المسألة محسومة، منذ نهاية التسعينيات على ضوء وصية الشهيد مار فرج، فعندئذ تكون المعضلة معضلتين، مما يعكس صورة تشكيكية على الخدمة الكهنوتية والاسقفية، كأنها خدمة في سبيل اعلى ما يمكن من الاثراء، وعند اجتماع المعضلتين معا وبنحو منفلت في مجتمعاتنا الرأسمالية، عندئذ قد تطلق عليهما صفة مشتركة واحدة هي صفة: المصيبة.

عن Ekhlass

شاهد أيضاً

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 26

سلسلة جثالقة – بطاركة كنيسة المشرق – الحلقة 26 الكاردينال لويس روفائيل ساكو ايشوعياب الرابع بن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *