أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / هكذا تنقرض الشعوب

هكذا تنقرض الشعوب

يقول المثل العربي: “جنت على نفسها براقش”. وفي الحديث الدارج نقول “من تحت إيدو” أي ما معناه بسبب تصرف غير مقبول لشخص ما .

ما دعاني لكتابة هذه الأسطر القليلة، هو ما تشهده الساحة “القومية؟” ذات التسمية القطارية “الكلدانية-السريانية-الآشورية”، هذه الأيام، من سجالات واتهامات بين أطراف عديدة بسبب جعجع الأبراج الأربعة المقرّر إنشاؤها في بلدة عينكاوة العريقة، وبسبب التصريحات والتأويلات والمواقف المتباينة لما يسمى بتجمع التنظيميات القومية، حول هذا المشروع المشبوه. فقد نسي أو تناسى البعض، أن هذا المشروع قد أخذ طريقه المشروع والقانوني لدى سلطات الإقليم في عمليات البيع والشراء المتعارف عليها في السوق في هذه البلدة ووفق الأصول المتبعة بلديًا، وأن كل الجهات قد أخذت نصيبها من عميلة البيع والشراء والوساطة. وأن الوقت قد استنفذ تمامًا وأن “الفأس وقع بالرأس”، وابتلع أهالي هذه البلدة الطيبة الطعم الذي لقموا به بتطويرها وعصرنتها. وهذه كانت النتيجة.

عينكاوة الجميلة، هذه المدينة كانت عندي وما تزال وستبقى من البلدات العزيزات، كما هي الحال على قلوب كل العراقيين الأصلاء والمسيحيين منهم بصورة خاصة، سواء من كانوا في بلدان الاغتراب أو من الرابضين الصابرين المجالدين في الداخل، من الذين لم يؤثروا ترف الحياة المرفهة التي سعى إليها الكثيرون بكل الوسائل لبلوغ بلدان المهاجر التي يختالون فيها وبها على من بقي صامدًا في أرض الآباء والأجداد . هذه البلدة الجميلة تركها بعض أهلها، فيما آخرون باعوها برخص التراب للغرباء بحجة التطوير والعصرنة رسمية فعلها حين استيلائها على آلاف الدونمات لغرض إقامة مطار مدينة أربيل على أراضيها العذراء. فبعضٌ من العتب إذن، يقع على من باعها بطريقته الخاصة وبعض منه يقع أيضًا على من غادرها بغير رجعة ليستقر في بلدان الاغتراب، غير نادم على تضحيته بملكه وداره وأرضه. على أية حالٍ، لكل امرئ ظروفه وأسبابه وغاياته، لن أدخل في تفاصيلها وثناياها كي لا أجرح فلانًا وعلاّنًا، ممّن راهن بكل ما لديه كي يخسر أهله وأرضه وتراثه ليروح “يتسكع”، عذرًا لينشد أرض الأحلام وما ستدره عليه وعلى أجياله من مغانم وامتيازات ومفاخر لها بداية وليس لها نهاية!. عينكاوة، مثلها مثل ألقوش وقرقوش وبرطلة وكرمليس وتلكيف وتلسقف وباقوفا وباطنيايا وغيرها من البلدات والقرى المسيحية المتميزة بتراثها وعاداتها، ستبقى شوكة في عيون الغرباء والمدسوسين، يرنون إليها ويحلمون بتدنيسها وغزوها إن أمكنهم ذلك، من أجل محو تاريخها المسيحي الناصع، والذي يذكرنا اليوم نمامًا، بما آلت إليه ممالك المناذرة وقصورها وحواضرها الشهيرة في الحيرة والكوفة والنجف، أيام النعمان بن المنذر، آخر ملوكها، حيث يتم هذه الأيام، اكتشاف آثار الكنائس والأديرة التي زينت أرض العراق سحابة قرون من حكم المسيحية في أجزاء كبيرة من العراق والمنطقة حتى قدوم الغزو الإسلامي الذي كسح ما كان قدامه ولم يرحم أحدًا.

هؤلاء الذين يتباكون اليوم على ما يسمّى بإرهاصات التغيير الديمغرافي وأسبابه ونتائجه، ألم يدر في خلدهم كيف آلت الأمور إلى هذه النتائج ولماذا؟ أم إنهم تعودوا على إلقاء الكلام جزافًا، و”حيّا الله كيفما يسقط فليسقط”، كما يقول الحديث الدارج! طبيعي جدًا أن تتغير الحياة وتتطور والشعوب وتنقلب المناطق في عالمٍ سريع التقلبات والتقليعات والطموحات. ولكن الذي يصمد ويصابر ويجالد برغم كل هذه الصواعق والتبدلات والإرهاصات، هو الرابح، إن هو حافظ على أصالته والتزم داره وأهله وبلدته ولم يهجرها برغم كل ما يحيق به، حتى لو كان ممّا قد نغّص حياته وأحاقت بها الأخطار التي لم تنقطع ولن تتوقف عبر التاريخ. تلكم هي شريعة الحياة وقوانينها، حتى لو كانت ظالمة وفاقدة الشرعية والإنسانية. لقد أصبح البقاء في أرض الآباء والأجداد استثناءً هذه الأيام، فيما أصبحت الهجرة قاعدة للعديدين ممّن ركبتهم موجة الأحلام الوردية التي يتصورون قدرتها على نقلهم إلى هوس الجنان الخالدة في بلدان الاغتراب. ألم يسأل العديد ممن بلغ أقاصي بلدان الاغتراب، كيف يقضي حياته، إمّا منزويًا بين جدران مسكنه إن كان عاطلاً يستجدي ما تتعطف به حكومات ذلك البلد الذي استقبله ليستغله وفق سياسة حكامه، أو وسط فورة العمل التي لا ترفق به ولا ترحم حاله بحيث لا تسمح له حتى بلقاء أحبائه وفلذات أكباده إلاّ فيما ندر وفي مناسبات متباعدة استثنائية.

خلاصة الكلام، أن العديد من الذين يبكون أو يتباكون اليوم، على الهموم القديمة الجديدة التي تُتهم بها جهات كثيرة، مقصدُها إحداث تغييرات ديمغرافية في بنية المناطق المسيحية، بصورة خاصة، كانوا هم جزءًا من هذه الأسباب بقصد أو بغير قصد، ومعهم من غادر الأرض وترك الديار واستقرّ في بلاد الغال وآثر بهرجة بلاد العم سام وعمومته على أرضه وأهله ووطنه. قالوا ويقولون، أن ضيق الحياة بكل أسبابها خلال ما مرّ به الوطن منذ ثمانينات القرن الماضي ولاسيّما بعد أحداث الغزو الأميركي الظالم، قد فكّ عقال الكثير من المجتمعات العراقية، أفرادًا وعائلات، كي تقرر مصيرها وتبيع ممتلكاتها بأي ثمن ولأيّ كان، وتغادر مناطقها لتبدأ حياة جديدة في بلدان المجهول، حيث وصل أناسٌ أقصى قرى بعض البلدان التي نأى مواطنوها الأصليون قصدها، بسبب بعدها أو قساوة أجوائها. وأنا أقول، كفانا تحجّجًا ولومًا لبعضنا البعض واتهامًا لجهات مجهولة ذات أجندات وسياسات مشبوهة تريد النيل من بنيتنا ومجتمعاتنا. وبدل ذلك، فلنجالد ونتحصن ونثبت في أرض الإيمان والأجداد، بقدر تجّذرنا التاريخي الأسطوري الذي نتبجح به دومًا، دون أن نحرص عليه في تفاصيل حياتنا اليومية، أو دون أن ندعمه بأفعال وخطوات، هي الأجدر بالالتفاف حولها وترصينها بالثبات في هذه الأرض و”عدم إلقاء جواهرنا قدام الخنازير لئلاّ ترجع فتدوسها بأرجلها وتعود فنمزقنا”، كما يقول متى الإنجيلي. هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نوجهه لبعضنا البعض ومنه نتخذ العبر والدروس والحكم، في ضوء ما جرى ويجري في بيع الأملاك والمساكن والأراضي للغرباء من خارج مناطقنا وعقيدتنا وديننا من أجل حفنة من الأوراق المالية التي أخذت كل هواجسنا وملكت إيماننا بلا هوادة.

لويس إقليمس

بغداد، في 17 أيار 2012

عن Yousif

شاهد أيضاً

درب الصليب في بلدنا العراق

درب الصليب في بلدنا العراق التفاصيل   اسم الكتاب درب الصليب في العراق تأليف الاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *