الرئيسية / المقالات / العادات والتقاليد عند مسيحيي العراق

العادات والتقاليد عند مسيحيي العراق

السيد هادي حسن عليوي


يرتبط مسيحيو العراق عرقياً بالأمم والشعوب الذين بنو الحضارات الأولى في وادي الرافدين كالآشوريين والكلدان وغيرهم، فهم مؤسسون اصلاء للهوية العراقية في عمقها التاريخي والحضاري..
إن الإرث الثقافي الذي حافظ عليه مسيحيو العراق خاصة، بدءاً باللغة السريانية والحرف الآرامي اللذين يمتد عمرهما الى أكثر من إلفي سنة.. مروراً بطقوس الزواج والميلاد والأعياد والعادات والأزياء وغيرها.. تتميز بخصوصيتها وارتباطها بطقوس وعادات الآشوريين والكلدان والسريان الأوائل من جهة.. ومن جهة أخرى تمثل وجها مشرقاً من وجوه الهوية الثقافية والوطنية العراقية الموسومة بالغنى والتنوع المثيرين للإعجاب..

الثالوث المقدس :
منذ قرون والكنائس تفتح قداساتها ومناسباتها بعبارة موحدة تقول (بسم الأب والابن والروح القدس.. الإله الواحد آمين).. أي أن الثلاثة هم تجل للواحد الأحد.. وتفسر المصادر المسيحية : إن الثالوث المقدس شبيه الى حد كبير بالصفات عند المسلمين.. وان كلمة الابن لا تؤول حرفياً بل تقبل المجاز.. مثلها مثل يد الله في القرآن (يد الله فوق أيديهم).. ووجه الله التي وردت في عدة آيات (فثم وجه الله).. أو (ويبقى وجه ربك) و(تريدون وجه الله).. وغيرها من الكلمات التي يدل ظاهرها على التجسيم والتشبيه.. على حد تعبير المصادر المسيحية..

الأديرة :
تبدو الأديرة بمتنزهاتها وأجراسها وموسيقاها الدينية.. واحتفالاتها بالأعياد المستمرة طوال العام.. محلات مضيئة تخفف الآم الطواعين والأوبئة والمجاعات والحروب والغزوات.. فالأديرة إحدى بيوت الله.. التي كانت ومازالت تعزف فيها الموسيقى.. وتنشد فيها الأناشيد مستوحاة من الرحمة اللا محدودة التي تختلط مع حفيف الأشجار وخرير مساقط المياه.. فيجد عابر السبيل وضال الطريق والمرضى لمسة اليد الرحيمة.. والابتسامة البريئة لراهبات الأديرة.. احد الملاذات الآمنة التي يعج بها العراق..

التقاليد والعادات والأعراف الشعبية :
يشترك المسيحيون مع غيرهم من أبناء العراق في كثير من الأعراف والتقاليد.. فمثلاً المشاركة في الأفراح والتعازي.. وغير ذلك من المشتركات.. بالمقابل هناك تمايزات في هذه الطقوس والمراسيم..

الأعياد :
يحتفل المسيحيون بالأعياد المريمية نسبة الى مريم العذراء.. وهي غير الأعياد الرئيسة المعروفة مثل: الميلاد.. رأس السنة.. والفصح أو القيامة.. والشعانين (التسبيح) بعد صوم الأربعين.. وغيرها.. وتختص كل كنيسة بعيد منها.. ولهذه الأعياد علاقة بحياة مريم العذراء.. وما فيها من أفراح وأحزان.. ولها علاقة أيضاً بحياة الناس.. فعيد حافظة الزروع.. يعد من أقدم الأعياد المسيحية.. ويحل منتصف أيار.. موسم نضج الزورع.. ولهذا العيد صلة بدور الآلهة عشتار في الزراعة واخضرار الأرض.. وعادة يحتفل في هذا العيد في القرى المسيحية دون المدن.. ويحتفل الأرمن الكاثوليك ببغداد بعيد سيدة الورود.. وفكرة سيدة الورود تتلخص بتقديم أعمال التقوى والفضيلة لمريم العذراء المرموز إليها بالورود..
ويحتفل الآباء الكرمليون في 16 تموز من كل عام بعيد سيدة الكرمل.. والكرمل جبل في فلسطين.. فهناك شكلّ الآباء الزهاد ما عرف برهبنة الكرمليين نحو العام 1150م.. وفي كنيسة انتقال العذراء ببغداد يحتفل في 15 آب من كل عام.. وفي كنيسة السريان الكاثوليك تحتفل بسيدة النجاة.. وتحتفل الكنائس في 8 أيلول بولادة العذراء.. وفي 14 منه يحتفل بأم الأحزان.. الذي يصادف عيد الصليب.. وأم الأحزان هي مريم العذراء.. وتحتفل كنيسة بارك السعدون بعيد أم المعونة (العذراء)..

حالات الوفاة والزواج :
ويبدو إن عادات وتقاليد المسيحيين في حالات الوفاة لا تختلف أيضاً من حيث الجوهر عن العراقيين عامة فهناك فترة حداد، والمشاركة في التشييع، وفي احزان ذوي الفقيد، والاجتماع في بيت المتوفي او اي مكان اخر يحدد لتقديم التعازي، ومرافقة الجثمان الى المقبرة، ولف الميت بكفن من الخام الابيض.
وفي حالات الزواج هناك توزيع الحلوى على الحاضرين والغناء والزغاريد ونثر النقود وتقديم الهدايا العينية والرقص والدبكات.. التي لا تختلف كثيراً بين مكونات المجتمع العراقي التي اغلبها تجتمع على تشابك الأيدي مع بعضها لتأكيد التضامن والمحبة والوحدة.. واعتماد اغلب العراقيين على الطبل والناي أو (الزورنا).. وإقامة الولائم بالمناسبة..
ومن ابرز طقوس الزواج إدخال الخطيبين في دورة تعليمية داخل الكنيسة مدة شهر على الأقل.. الغرض منها إعدادهما إعدادا نفسيا وتعليمهما القيم الاجتماعية والأخلاقية.. وتبادل الاحترام بينهما لتكون حياتهما مليئة بالمحبة والإخلاص وبذل النفس..
ويبدأ الزوج بعقد القران أمام الكاهن الذي يبدأ بترتيل (مارشال الزواج) من قبل الحضور.. عند دخول العروسين.. ثم يعلن الكاهن صلاة البراخ وهي صلاة العرس.. وتتم مراسيم العقد من قبل الكاهن، وبعد الصلاة على الخاتمين (العروسين) يبدأ الكاهن بظفر الأكاليل.. وترديد: (الله الذي كلل السماء بالنجوم والأرض بالازدهار يكللكما بالأكاليل الزمنية.. ويؤهلكما للأكاليل الأبدية.. ويحفظ حياتكما ويملأها خيراً.. ويجعل آمنه وسلامه بينكما ويغنيكما بفيض نعمه ويملأ قلبيكما فرحاً وشفاهكما حمداً.. فتؤديان المجد لله ربنا الى الأبد.. ويرسم الصليب: الأب.. الابن.. الروح القدس.. ثم يقرأ الكاهن من رسالة يونس الرسول الى أهل افسس.. ثم يدعو للعروسين ويتمنى لهما: إليك أيها الرب الإله.. يا جامع القلوب.. وموحد النفوس.. ومقدس الزواج.. نرفع صلواتنا ثم يدعو لهما بالإخلاص.. والتفاني وبالأولاد الصالحين… ويتوسل الى الرب أن يثبت العروسين في الإيمان.. والمحبة.. وتشددهما بنور الإنجيل.. ليكونا زوجين ووالدين يمارسان الفضائل والخير ويبلغا سعادة القديسين في ملكوت السماوي ربنا آمين..
ثم تتلى صلاة الختام وصلاة تسليم الواحد للآخر.. ويقدم القربان.. وهو قداس يحضر فيه: الخبز.. وشراب العنب.. وبعد الصلوات على الخبز والشراب.. يصبح الخبز جسد المسيح.. والشراب دم المسيح.. ويتناوله المؤمن..
وبهذا تتم مراسيم الزواج في الكنيسة.. لتبدأ الحفلة في المكان المحدد من قبل العروسين أو عائلتيهما..

 

عالم الأزياء عند المسيحيين
أما في عالم الأزياء فأن المسيحيين يتميزون بأزياء فلكورية جميلة تختلف من منطقة.. أو قرية من مناطق تواجدهم عن الأخرى.. وتعكس طبيعتها وروح الحياة للسكان فيها.. غالبا ما تكون بدلات النساء طويلة وذات أكمام طويلة تصل الى المعصمين.. وتكون غنية بالزخارف.. ويتم ارتداء الشال الموشح بالشرابيب فوق البدلة.. وإذا ابتعدنا عن التفاصيل الدقيقة التي تتعلق بما يوضع على الرأس.. وعدد القطع التي يتكون منها الزي.. فأن العراقيين اليوم على العموم يشتركون بطبيعة اللبس التقليدي الذي اعتمده الأجداد الأوائل.. وهي مشتركات لا يختلف فيها العراقيون كثيراً.. أما الرجل فأن الزي التاريخي لا يختلف كثيرا عما كان يلبسه العراقيون اليوم فالدشداشة المستخدمة والشال أو (العباءة) يمكن ملاحظتها في زي السومريين والاكديين والاشوريين.. فعلى سبيل المثال لا الحصر تظهر رسوم الملك سرجون الثاني (720-750ق.م).. بوقفة رسمية يرتدي زياً مكوناً من بدله طويلة.. ذات شرابيب من الأسفل ومزخرفة بزهرة البيبون (دشداشة مزخرفة).. وفوق البدلة يرتدي الملك شالاً يغطي الكتف.. ومعظم الجسم (العباءة).. وهذا هو الزي الدارج بين أبناء العراق.. خاصة أبناء العشائر وفي الريف..
يذكر إن المسيحيين العراقيين في سهل نينوى (مركز تواجدهم الرئيس) يرتدون الزي التقليدي المستخدم في الجنوب العراقي.. وهو (الصاية) والعقال والكوفية.. وهو اللباس المنتشر في مناطق برطلة وكرمليس وقره قوش (بخديدا).. وهذا يعني إن أبناء العراق يشتركون في كثير من العادات والتقاليد والفلكلور والموسيقى والزي وغيرها.. وهي مشتركات وطنية ورثناها جيلاً بعد جيل..

 

عن Yousif

شاهد أيضاً

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان!

الرابع من الصيف: نيران ودخان نتيجة تمرد وعصيان! الأب ريبوار عوديش باسه قراءات الأحد الرابع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *