الرئيسية / المقالات / بُغض الرُسُـل من أجل اسم يسوع

بُغض الرُسُـل من أجل اسم يسوع

الشماس د. كوركيس مردو

وتكونون مكروهين لدى الجميع من أجل اسمي. ولكن مَنْ يثبُت الى النهاية، هو الذي يخلُص (متَّى 10: 22). متَّى 24: 13 – مرقس 13: 13 .
بهذه الأقوال يُعلُمنا المسيح الربُّ بأنّ المؤمنن به والحاملين إسمَه، سيلقونَ المُقاومة والإضطهاد من كُلِّ الناس وفي شتَّى بقاع الأرض، ليس من شعبٍ واحدٍ ولا في عَصرٍ واحدٍ، بل سيتعرَّضون للبغض المُوَلِّد للأَذى من قبل الناس الأكثر شَرّاً على امتداد العصور واختلاف الشعوب،، لأنَّ مباديءَ المسيحية هي في الضِدِّ من فساد القلب البشري الطبيعي، وقد تَمَّ بالفعل كُلَّ ما أشار إليه المسيح منذ القرن المسيحي الأول وحتى القرن الواحد والعِشرين الذي نعيش فيه اليوم وليس هناك بصيصُ أمل لوضع نهاية له، ما دمنا نُنادي باسم المسيح ونشهد أنَّه إلهنا وملكنا والوسيط الوحيد لنا (يوحنا15: 18-19). فيا لقساوة قلب الإنسان الذي لا يطيق الصبرعلى المختلفين معه عقائدياً، فإنَّه يسعى لإلزام الآخرين بما يعتقِد، وبقدر ما كانت عقيدتُه خالية من الحقِّ، بقدر ذلك يكون غيظه من رافضيها أشَدَّ وأقسى، ويُحاول اضطهادهم إذا أمكنَه ذلك وبدون ترَدُّد، وهذا ما يُعانيه مسيحيو اليوم أصحاب العقيدة الحقَّة، فإنَّهم ليسوا بمنجىً من هذا الإعتداء الشيطاني، ولكنَّ نعمة إلهنا الغنية والقوية هي التي تُقوّي فينا الرجاء والتواضع.
مَنْ يثبُت الى النهاية هو الذي يخلُص: يدُلُّ قول الربِّ هذا، بأنَّه مهما حاول أعداءُ المسيحية لن يستطيعوا القضاء على جميع مُعتنقيها ولا بُدَّ من النجاة في النهاية. والمقصود بالثبات هنا، هو احتمال الضيق والإضطهاد الى جانب الإحتفاظ بالإيمان قلبياً وبقوَّة، والإعتراف به علناً! أما النهاية فتُشير الى خراب اورشليم (متَّى10: 23) أو نهاية الحياة او مجيء المسيح الثاني. والخلاص هو النجاة من الموت كنجاة المسيحيين في خراب اورشليم (متَّى24: 15-18). او إنَّه الخلاص الأبدي بموتِه قتلاً من أجل المسيح.
غدا بنو اسرائيل أمَّة متمِرِّدة تسير بخطوات سريعة نحو الدينونة التي أنبأ المسيح بها مُسبَقاً وكذلك تنبّأ الأنبياءُ عنها، وقد جرى ذلك بتعرُّض اورشليم للخراب وسكانها للهلاك والمتزمِّتين اليهود للتشتيت في نواحي الأرض على يَدَي القائد الروماني طيتوس عام 70م. والذين قَرَّرَ الربُّ يسوع تخليصهم من تلك الدينونة، كان يضُمُّهم الى جماعة المؤمِنين به بفرزه إياهم عن الآخرين < وكان الرَبُّ كُلَّ يومٍ يضمُّ الى الجماعة اولئك الذين ينالون الخلاص (أعمال2: 47). وبخراب اورشليم وتشتُّت اليهود بين مُختلف الأمم توقَّف الإضطهاد، وبحسب بعض النبوآت سيعودون الى أرضهم < إذ آخُذُكُم من بين الأمَم وأجمَعُكم من كُلِّ البلدان وأُحضِرُكم الى أرضكم > (حزقيال36: 24). وستعود الحالة آنذاك أي بعد اختطاف الكنيسة مثلما كانت قبل خراب اورشليم. حيث سيكون للمسيح يسوع مُحِبّون من بينهم نظير تلاميذه ( رؤيا6: 9-11 و 12: 17 و20: 4) يتعرَّضون لإضطهادٍ شديد من اليهود إخوتهم، يتحَتَّم عليهم الصبر والثبات الى حين ظهور المسيح من السماء لخلاصهم < يسخر منكم إخوتكم الذين يكرهونكم وينبذونكم لأنَّكم تخافون اسمي قائلين: ليتمَجَّد الربُّ حتى نشهد فرحكم، ولكنَّهم لا يعرفون أنَّهم هم الذين يخزون > (إشعيا66: 5).
فإذا اضطهدوكم وطردوكم في مدينةٍ ما ، فاهربوا الى غيرها، فإني الحَقَّ أقول لكم: لَن تفرغوا من مُدِن اسرائيل الى أن يأتي ابن الإنسان (متَّى10: 23). متَّى2: 13 و 12: 15 و 16: 28 – أعمال9: 25 و 14: 6).
لم يأمر يسوع تلاميذه بهذا الكلام إلا لتذكيرهم بقولِهِ لهم أن يكونوا حكماء كالحيّات عندما تشتدُّ عليهم الضيقات، فيحترزوا من الخطر بعدم تعريض أنفسهم له بدون ضرورة، وأن يبتعِدوا عن مصدر الموت بغير فائدة، بل عليهم الإعتزاز بحياتهم لكي يبذلوها في خِدمتِه في الأيام القادمة. وقد أوصى المسيح تلاميذه والمُبشِّرين بشخوصهم مُباحاً لهم استخدام الحِكمة في سبيل إنقاذ حياتِهم متى استطاعوا إليه سبيلاً، ولكنْ بدون الإضرار بالحق المطلوب منهم! أما الهربُ من الإضطهاد لغاية إنقاذ الجسد وراحتِه فيُعتبر جبناً وإثماً، وأما الحفاظ على الحياة لإستخدامِها في خِدمة كنيسة المسيح فهو واجبٌ مسيحيٌّ مطلوب، ولنا مثلٌ بما يعني هذا الكلام بما فعله يسوع انظر (لوقا4: 27-30 و يوحنا8: 59 و 10: 39). وبما فعله الرُسُـل على غِرار سيِّدهم (أعمال8: 1-4 و 11: 19).
لن تفرغوا من مُدن اسرائيل: لا شكَّ أنَّ مدن اسرائيل كانت كثيرة بحسب قول الرب، وكانت كثرتُها كافية ليُكَمِّلوا تبشيرسكّانِها بمعزل عن الإضطهاد، ولن ينتهوا من تعليمهم حتى يزول الخطر ويؤسس ابن البشر ملكوته. فهذه الأقوال كانت إشارة الى حالة رُسُلِه والمؤمِنين باسمه وهم ينقلون بشارة الملكوت في وسط اسرائيل في مدنِهم بكُلِّ صَبر ومُعاناة. وقد رأى البعضُ في مجيء ابن الإنسان بأنَّه إشارة الى إتمامِهم خِدمة إرساليتهم، بينما ينظر إليها البعض الآخر بأنها إشارة الى قدوم المسيح للإنتقام وإهلاك اورشليم وإلغاء الطقوس الموسوية، وتمَّ ذلك بعد ثلاثين عاماً من كلام المسيح الرب، وهو الرأي الأصح. وفضلاً عن مجيء المسيح متواضعاً، إلا أنَّ الأنبياء قد تنبَّأوا بمجيئه الأخير بالقوَّة والمجد < وشاهدتُ ايضاً في رؤَى الليل وإذا بمثل ابن الإنسان مُقبلاً على سحابٍ حتى بلغَ الأزليَّ فقرَّبوه مِنه. فأنعمَ عليه بسُلطان وملكوتٍ لتتعَبَّدَ له كُلُّ الشعوب والأمم من كُلِّ لسان. سُلطانُه سلطانٌ أبديٌّ لا يفنى، ومُلكُه لا ينقرض (دانيال7: 13-14) وقد اعتُبِرَ قدومه لخراب اورشليم رمزياً الى ذلك المجيء العظيم!.
وربَّما يتصوَّر القرّاء الأعِزاء بأنَّ كلام المسيح الربّ التالي < فإنّي الحقَّ أقول لكم: لن تُنهوا التجوال في مدن اسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان >، هو مُوَجَّه لسامعيه وقتذاك فقط، كلا، لأنَّ شبيهاً لهذا الكلام قد شمل حالة جميع المُعترفين باسمِه قبل خراب اورشليم، ولم يكن وقفاً على الرُسُـل الإثني عشر وحدهم. وعلى هذا الأساس فإنَّ هذا الكلام يسري ايضاً على المؤمنين بالمسيح من بني اسرائيل نظير الرُسُـل، والذين سيواجهون في المستقبل ظروفاً صعبة مُماثلة وعلى مَرِّ الزمن حتى الوقت الذي حَدَّدَه لمجيئه من السماء كابن الإنسان. إذاً كان الربُّ يُشير الى وضع المعترفين باسمِه في الوسط الإسرائيلي شهادة لهم على ما يحتملونه من صبر وعناء، وإنَّ عدم إشارته الى المدة التي تفصل بين خراب اورشليم واختطاف الكنيسة، ليس مستَغرباً، فهو الأسلوب الذي درج عليه الأنبياء عند حديثهم عن رفض اسرائيل للمسيح، وهو مقارنة للحالة المتوقعة لهم وقت عودته الثانية، وهي حقيقة يعرفها مُفسِّرو النبوّات.
لا تخافـوا
ليس التلميذُ أرفعَ من مُعَلِّمِه، ولا العبدُ أرفعَ من سيِّده. يكفي التلميذَ أن يكون مِثل مُعلِّمِه والعبدُ مثل سَيِّده. إنْ كانوا قد لَقَّبوا رَبَّ البيت بِبَعل زبول فكم بالأحرى يُلقِّبون أهلَ بَيتِه! ( متَّى10: 24 – 25). متَّى12: 24، مرقس3: 22، لوقا6: 40 و 11: 15 – يوحنا13: 16 و 8: 28 – 52 .
يبدو أن كلام المسيح أعلاه هو مثلٌ، وقد استخدمَه مراراً يُذَكِّر تلاميذه به لِئلا يسهون عنه (يوحنا13: 16 و15: 20) وكأني به يقول لهم: لا يأخذكم العجبُ مِمّا أقوله لكم، لأنَّني بذلك أُعلِمُكم بما سيحدث لكم قبل حدوثِه، حتى متى حدث تؤمنون أنّي أنا هو، إذ ستتعرَّضون للإضطهاد، لأنَّهم قد اضطهدوني قبلكم. وقد احتوى هذا الكلام تشجيعاً وتعزية لهم في زمن غيابه عنهم ومجابهتِهم لأعدائه الأقوياء، كونهم سيكونون شركاء له في ضيقات ومشقات لا تفوق ما احتمله هو من أجلهم. لَـقَّـبَ الفريسيون يسوع ببعلزبول المُسمَّى به رئيس الشياطين ( متَّى12: 24 و لوقا11: 15) . وكان العقرونيون يُسمون إلهَهم بهذا الإسم بلفظتِه الأصلية "بعلزبوب" (الملوك الثاني1: 2) ويعني إله الذباب، والمغزى من هذه التسمية كان لإعتقادهم بأنَّه يقيهم من وفرة الذباب، إلا أنَّ اليهود أطلقوا هذا الإسم على رئيس الشياطين، مُبَدِّلين حرف الباء باللام إهانة له. ولَـقَّبوا يسوع به ليُهينوه ايضاً. وفي هاتَين الآيتَين يُشير يسوع الى عمق علاقتِه الثلاثية بتلاميذه: أ – علاقة التلميذ بمُعلِّمه (متَّى5: 1 و23: 7 ولوقا6: 20) ب – علاقة العبد بسيِّده (يوحنا13: 13) ت – علاقة رَبِّ البيت بأهل بيتِه (متَّى26: 26 – 29 و لوقا24: 30). والخلاصة أنَّ يسوع أراد إفهام تلاميذه بأنَّ التلميذ ليس بأفضل من مُعلِّمه ما دام تحت إرشادِه وإن كان بإمكانه التفوُّقَ عليه، ألم يتفوَّق بولس على غمالائيل مُعلِّمِه، وصموئيل على عيلي؟ وكم من عبيدٍ تفوَّقوا على أسيادهم.
لا تخافوا الذين يقتلون الجسد، ولكنَّهم يعجزون عن قتل النفس، بل بالأحرى خافوا القادِرَ أن يُهلِك النفس والجسد كِليهما في جهنَّم (متَّى 10: 28).
التشجيع الأول
في هذه الاية يذكر يسوع بعضَ الحقائق مُشجَّعاً تلاميذه ومُعزِّياً إياهم وقت افتراقِه عنهم، بأن لا يخافوا أعداءَهم رغم قوَّتِهم، وقد منحهم ذات الموقع الذي كان هوعليه، موضحاً لهم المَثَل الواقعي "ما من تلميذٍ أسمى من مُعلِّمِه، وما من خادمٍ أسمى من سيِّدِه، فحسبُ التلميذِ أن يصيرَ كمُعَلّمِه والخادِم كسيِّدِه". كان يسوع هو رَبَّ البيت والفريسيون والكتبة الرؤساء اليهود قد لَقَّبوه بـ"ببَعلَ زبول" فهل مِن عجَبٍ إذا اضطهدوا أهلَ بيتِه؟ وهذا ما يجعلنا أن نلاحظ بأنَّ أقوال الربَّ يسوع تدُلُّ على كونِه سيُرفض. صحيح أنَّ للناس سلطاناً على أجسادهم ما داموا على قيد الحياة، أما الله فله سلطان على النفس والجسد معاً والى الأبد، ولذلك فعقابه أشد ولا نهاية له. ويسوع بقوله هذا كان يُحذِر المؤمنين لئلاَّ يخافوا من قتلة الجسد، فإنَّ فعلهم يقتصر على ذلك أما النفس فلا سلطان لهم عليها.

 

 

شاهد أيضاً

الجزء الثاني: لقاء يسوع واتباعه

الجزء الثاني: لقاء يسوع واتباعه الشماس سمير يوسف كاكوز يسوع التقى الكثير من عامة الناس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*