الرئيسية / المقالات / موعظة الأحد الثاني من الدنح: في البدء كان الكلمة

موعظة الأحد الثاني من الدنح: في البدء كان الكلمة

البطريرك لويس روفائيل ساكو


القراءات
الأولى: من سفر العدد (10: 29 – 35) تروي خبر رحيل بني إسرائيل في برية سيناء ومرافقة تابوت العهد والسحابة.
والثانية: من الرسالة إلى العبرانيين (3: 1 – 7) وكاتبها عبراني بولسي النزعة، يعلن أن المسيح وحده هو الكاهن الأعظم.
والثالثة: من إنجيل يوحنا (1: 1 – 18) تعلن أن المسيح هو كلمة الله إلى جميع الناس.

الكلمة ليست مجرد واسطةٍ للاتصال بهذا أو ذاك من الناس، ولا فكرة نظرية كما عند الفلاسفة اليونان “لوغوس-“logos، بل الكلمةُ إحْساسٌ وفكرٌ وثقافةٌ، وأوَّلُ ما تُوصِلُ هو الشخص نفسه. الكلمة هي فكره- جوهره، تصفه وتعرفه، لأنَّ بالكلمة يعبر الأنسان عن ذاته! وهذا ما كشفه الإنجيلي يوحنا في مستهل إنجيله من أن "في البدء كان الكلمة والكلمة هو الله وبه كان كل شيء" (1/1-2)، ومثلما أن كلمة الله هي الله، هكذا المسيح كلمة الله هو واحد مع الله: "الكلمة صار جسداً فسكن بيننا فرأينا مجده.." (يوحنا 1/14). المسيح اذاً هو الكلمة المنطوقة التي بها يكلمنا الله، وكلمته نور وحياة، ونعمة وحق.
أشخاص قليلون يُدركون عمق هذه الحقيقة! أشخاصٌ قليلون يدركون أن الكلمة شيء مقدس، ولها قيمة عظمى، ولها قوّة مؤثرة في حوادث التاريخ والعلاقات، وإذا قيلت، انتهى كلُّ شيء، وصارت واقعًا (جسدًا) والتزامًا.
عندما تكون كلماتنا نبيلة تصبّ فيمن هو "الكلمة المطلقة" وتُحْفَظُ كما تُحْفَظُ الحياة، وَتُصانُ كما يُصانُ الشرف! لذلك يوصي يسوع قائلاً: "فلْيَكُنْ كلامُكم: نعم نعم، ولا لا. فما زادَ على ذلك كانَ مِنَ الشِّرِّير” (5/37). ان سوء استخدام الكلمة (اللسان) يفرز ضحايا أكثر من ضحايا السيف (أمثال 12/18، ابن سيراخ 28/17)، لكن عندما تكون كلماتنا صادقة، طيّبة ودافئة تصير بمثابة معين الحكمة (أمثال 18/4). فالكلمة تتطلب احترام المعايير الموضوعية والأخلاقية حتى لا تتحول إلى الفوضى، إلى الظلمة بحسب عبارات الإنجيل نفسه!
إن الذين يصغون إلى الكلمة ويقبلونها ويتتلمذون لها ويسلكون في نورها بحب وفرح يصبحون بدورهم كلمة. والكلمة رسالة يجب تبليغها إلى الناس ليتخذوا موقفًا منها كمثل الزارع والزرع والأرض (متى فصل 13)، المسيحي هو في خدمة الكلمة حتى إذا تطلبت منه التضحية بحياته.
"ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى4/4). الكلمة تفتح أمامَنا افقأ جديدة من العلاقة، علاقة حميمية قوية ودائمة تستحثنا على التجاوب معها بسخاء، وتقوي فينا الرجاء في أحلك الأوقات، وتقودنا إلى الصلاة. الكلمة عندما تتغلغل فينا وتخاطب أعماقنا تحدث فينا تغييراً جذرياً. الكلمة– يسوع صورة جديدة لله المحبة والرحمة والغفران والحنان. فتدبير الخلاص هو تاريخ طويل للحوار – العلاقة بين الله والأنسان.. الله يخاطب والإنسان يجيب.. (عبرانيين 1/1).

 

شاهد أيضاً

الاحد الخامس “الغني ولعازر” الدنيا دوارة، الغني تعيس والفقير سعيد

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر إشعيا (28 : 14 – 22) تنقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*