الرئيسية / المقالات / اضطِهاد الرُسُـل المُنتظر

اضطِهاد الرُسُـل المُنتظر

الشماس د. كوركيس مردو


ها أنا أُرسِلُكُم مثل الخِراف بين الذئاب، فكونوا كالحيّات حاذقين وكالحَمام مُسالِمين. (متَّى 10: 16) (روما16: 19 و 1قورنتوس14: 20 و 5: 15).
لقد أنبأ يسوع تلاميذه بأنَّ أبناء العالَمَ سيُعادونهم، لأنَّهم قد عادوه قبلهم، وهذه العداوة ليست مُستغربة فهي طبيعية كعداوة الذئاب والغنم، وما تشبيهُهُ لتلاميذِه بالخراف إلا إعلاناً منه لضعفِهم ولتقارب العلاقة بينه وبينهم لكونه راعيهم الحقيقي، ولذلك شبَّهَ ابناء العالَم بالذئاب لأنَّهم سيستخدمون ضِدَّهم الإضطهاد بأبشع صوره، ويعلم أن إرسال الخراف بين الذئاب ليس هيِّناً، إذ بالتأكيد سيتعرَّضون للخطف والإفتراس، وعلى مثال الذئاب سيكون أعداء الرُسُـل والمؤمنين، لأنَّ قلوبُهم ستكون مُترعة بالخبث والجفاء، ولكنَّ انتصارهم بالنجاة من الذئاب الخاطفة هو البرهان الساطع على آلوهية إرساليتهم، وكان ينبغي أن تتوفَّر في أصحاب هذا الإنتصار والنجاة من أنياب الذئاب مواصفات خاصة. فالرب شبَّهَهُم بأربعة تشابيه، فشبَّهَ الأعداء بالذئاب، وشبَّهَ الرُسُـل بالخراف والحيّات والحمام، كما كان النبي إشعيا قبل ذلك قد شبَّهَ المسيح نفسَه بنعجةٍ صامتة (إشعيا53: 7).
كونوا حكماء كالحيات وبسطاء كالحَمام: لكي يتجنَّب الرُسُـل الأخطار، نصحهم الربَّ أنْ يتحلّوا بالحكمة التي تشتهِر بها الحيات في احترازها من الخطر، وليس بالخبث والإحتيال (تكوين3: 1) وفي جوابه لمكر الكتبة والفريسيين والصدّوقيين أظهر حكمة الحيات (متَّى22: 15-46) وبالوداعة التي يتصِف بها الحمام الذي لا يؤذي، وقد اختار الروح القدس هيئته وانحدر نازلاً على رأس يسوع بعد عماذه وصعوده من الماء (متَّى3: 16) وأظهر ذات الوداعة أثناء مُحاكمتِه (متَّى26: 63-64). يقول العلماء بخصائص الحيوانات، بأنَّ للحية صفات أربع: عندما تتعرَّض للخطر تعرض جسدها للضرب مُحاولة حماية رأسها، فيُريدنا ربُّنا الإقتداء بالحية للحفاظ على ايمانِنا الذي يُمثِّل الرأس بالنسبة لنا، وإن تعرَّضت أجسادنا للعذاب والتنكيل. والحية في شيخوختها يثقل جِلدُها وتعمى عيناها، فتلجأ الى الصوم أربعين يوماً ليضعف جسدها، ثمَّ تدخل جُحراً ضيِّقاً، فيزحمُها ضيقُه وهو ما يُساعِدها لتنزع جلدها الثقيل، فتتقوّى ويتجدَّد شبابُها ويعود بصرُها، وبهذا يدعونا الربُّ للدخول من الباب الضيِّق أي أن نقاوم التجارب وننزع عنا الثياب العتيقة المتمثلة بالخطايا، ونرتدي الجديدة لنكون مقبولين من خالقنا. ولدى إقدام الحية على شُرب الماء تحسر سُمَّها من التسرب، وهكذا ينبغي على الكارزين بالبشارة أن لا يحقدوا على مُضطهديهم، لأنَّ التائقين الى شُرب ماء الحياة (تعاليم الخلاص) يتحتَّم عليهم نبذ الشهوات الجسدية المُمَثلة بالسم. وإذا أبصرت الحية إنساناً عرياناً، تخافه وتهرب منه، وبالعكس فإنَّها تهجم عليه إذا رأته مُرتدياً، ومن ذلك نفهم بأنَّ الإنسان ما دام مُثقلاً بالأفكار الشريرة، يرى الشيطان في اقتناصِه وإغرائه يُسراً، ولكن في حالة تَعَرّيه عنها، يصعَبُ عليه الإنتصار عليه فيلوذ بالهرب. أما الحمام فمشهور بوداعتِه، فإذا تعرَّضت فِراخُه للقتل، لا يغتاظ ولا يغضب ولا يترك موضِعَه، ولذلك أراد المسيح الربُّ أن نتشَبَّهَ به، فنبتعِـد عن الإضرار بمُبغضينا وعدم الحِقدِ على مُضطهِدينا، فهو الطريق الأمثل لجذبهم الى طريق الصلاح واعتماد الإيمان لنيل الخلاص.
إحذروا من الناس! فإنَّهم سيُسلِّمونَكم الى المجالس، ويجلدونكم في مجامِعِهم (متَّى10: 17). متَّى24:: 9 ومرقس13: 9 و لوقا12: 11 و21: 12. حذَّر يسوع رُسُله من تسليم ذواتهم للمضايقات والشدائد مُنبئاً إياهم بأنَّهم سيُلاقون الويلات وأنواع العذابات من اليهود بسبب نشر تعاليمه الخلاصية بقولِه: ستُصادفون أُناساً يُشبهون ذئاباً مُفترسة، فاحذروهم واعملوا جُهدكم لِئَلاَّ تقعوا في أيديهم! فيُسلِّمونكم الى مجالسهم لتُحاكموا وتُدانوا بسبب ايمانكم بي. وهذه المجالس الصغرى كانت مُقامة في كُلِّ مدينة وقرية من البلاد وكُلُّها تخضع لمجلس اورشليم الأكبر المؤلَّف من 70عضوا، وكُلّ ما تقدَّمَ ذِكرُه قد جرى للرُسُـل فعلاً (أعمال4: 5-22 و 5: 40 و 22: 19 و 26: 11). وقد وردت عقوبة الجلد في الشريعة الموسوية (تثنية25: 23) والقانون حَدَّدَ عدد الجلدات بأربعين جلدة، وخَفَّضها اليهود الى 39 خشية الوقوع في الخطأ جاعلين السوط مُثلَّثاً وضرباتُه حُدِّدَت بـ 13ضربة. وبهذا العدَد جُلِدَ بولس الرسول خمس مرّات (1قورنتوس11: 24). في القانون الروماني لم يُحَدَّد عددُ الجلدات. أما المجالس والمجامع اليهودية كان يُنظَر إليها بمثابة محاكم دينية، وهي التي أخذت على عاتِقِها اضطهاد تلاميذ المسيح في القرون المسيحية الأولى المعروفة بالمُظلمة. والمُفارقة الغريبة التي طبَّقَها رجال الدين اليهود هو تحويل وظيفتهم التي تقضي تعليمَهم الرحمة للغير، لكنَّهم أظهروا بأنَّهم كانوا قاصرين في تعلُّمِهم للرحمة.
وتُساقون للمثول أمام الحُكّام والملوك مِن أجلي، فيكون ذلك شهادة لي لدى اليهود والأمم على السواء (متَّى10: 18). أعمال12: 1و 24: 10 و 25: 7، 23). مِنْ أهمِّ وأجَلِّ واجبات المؤمِن المسيحي الحقيقي، أن يشهَدَ للمسيح بسيرتِه قبل أقوالِه، وبخاصةٍ أثناء الإضطهاد والحضور بين أعداءٍ مُجَدِّفين أو مُلحِدين. والوُلاة الذين هم الحكّام في الإمبراطورية الرومانية الوثنية والمملكة الفارسية المجوسية والخلافة الإسلامية الأموية والعباسية والعثمانية. فقد حدث أنَّ بولس رسول الأمم وقف أمام الوالي فيلكس (أعمال 24) والوالي فِستوس (أعمال 25) وسرجيوس بولس حاكم قبرص (أعمال13: 7) وغاليون حاكم أخائية (أعمال18: 12) وفي القرون اللاحقة وقف الكثير من مُبشِّري الإنجيل أعني (البشرى السارة) أمام الولاة الوثنيين والمُسلمين. ومن الملوك الذين وقف أمامهم بولس الرسول الملك أغريباس (أعمال 26) وأمام القيصر نيرون (أعمال25: 12). وأضيف بأنَّ الولاة والملوك والحُكّام هم المسؤولون عن كُلِّ الأحكام السياسية. وكثيراً ما يقف أصحاب السلطة السياسية الى جانب أصحاب السلطة الدينية، وقد ساعد الحكام السياسيون حكام اليهود الدينيين في اضطهاهم لتلاميذ المسيح، وهو ما أوضحه المسيح الرب قبل حدوثِه، وكَرَّرَه بقولِه: وسوف يُنادَى ببشارة الملكوت هذه في العالَم كُلِّه، شهادة لي لدى الأمم جميعاً، وبعد ذلك تأتي النهاية (متَّى24: 14) وهذا برهان جلي بأنَّ المسيح عالِم بالمستقبل! والأمور التي جرت كانت شهادة لهم في حالة قبولهم لها، مثل ما قَبِلها سرجيوس بولس حاكم قبرص (أعمال13: 7). ولكنَّها ستكون شهادة ضِدَّهم في حالة عدم قبولهم لها، ويتمثَّل هذا بفيلكس (أعمال25: 25). ويروي لنا التاريخ بأنَّ الإضطهاد الذي أثير على متقبِّلي الشهادة بالمسيح، قد ضاعف قطر دائرتها موسِّعاً إياها جداً، فقتل الشهداء كان شهادة قوية للحق وتقويضاً للباطل.
فحين يُسَلِّمونكم، لا تهتمّوا كيف تتكلَّمون أو ماذا تقولون. فلستم أنتم المتكلِّمين، بل روح أبيكم هو الذي يتكلَّم فيكم (متَّى10: 19-20). خروج4: 12 – صموئيل الثاني23: 2 – إرميا1: 7 – مرقس13: 11-13 – لوقا12: 11 و 21: 14-15 – أعمال4: 8 و 6: 10 – 2طيمثاوس4: 17.
بعد أنْ أنبأَ يسوعُ رُسُـلَه بالأخطار التي ستُحدِق بهم، أردَفَ مُشجِّعاً إيّاهم وواعِداً بإلهام خاص سيُنجدهم حين يمثلون أمام المحاكم في الإجابة عن أنفسهم وعن بشارة الحق. وعليهم إدراك هذا الوعد والوثوق به إذ إنَّه سيُبعِـدُ عنهم اليأس، حيث سيكون بمقدورهم الدفاع عن الحق وعن انفسهم متى استُقدِموا أمام الملوك وإن كان للملوك مكانة تفوق مكانة الرُسُـل الذين ينظرون الى أنفسهم بأنَّهم بُسطاء في المعرفة وضعفاء. ولذلك عليهم أنْ لا يحمِلوا هَمّاً زائداً بهذا الصدد، فهو أشبه بما ورد في (متَّى6: 25-27) وليس لهم أن يُفكِّروا بماذا اوكيف يُجيبون ولا بصحة الأجوبة التي وعدهم بها، لأنَّ الروح القدس سيتَّخِذ من ألسنتهم آلات يتكلم من خلالها.
وسَمَّى الروحَ القدس "روحَ أبيكم" لأنَّه من الآب مُرسَلٌ لِمَن سمَّاهم ببنين للآب السماوي (متَّى5: 16). ونرى البشير يوحنا يذكر وَعدَ المسيح بالروح القدس بوضوح أكثر (يوحنا15: 26-27) وقد أتَمَّ هذا الوعد لبطرس ويوحنا لدى مثولهما أمام مجلس السبعين في اورشليم (أعمال4: 13) حيث تكلَّما بمنتهى الجرأة والحكمة فأفحما أعضاء المجلس الذين تعجَّبوا عند معرفتهم، بأنهما غير مُتعَلِّمَين، ومِن بُسطاء الشعب. لأنَّ الروح المتكلِّم بلسانهما لم يحجب شيئاً من الحق مُحوِّلاً جهلهما وعدم فصاحتهما الى عِلمٍ وبلاغة. وهكذا نرى أنَّ أجوبة الرُسُـل كُلَّها في سفر الأعمال ليست من عِندهم بل ايحاءً من الروح القدس. وإنَّ بولس لا مأخذ عليه عندما رَدَّ بحِدَّةٍ على رئيس الكهنة (أعمال23: 3). ولا بحكمته الشخصية تَخَلَّص مِن الصدّوقيين بتحديمه الخلافَ بينهم وبين الفريسيين بصدد القيامة (أعمال23: 6). إنَّ الروح القدس ألهم الرُسُـل بما كان ينبغي من الكلام في المحافل والمحاكم، كذلك ألهمهم بما دَوَّنوه شهادة لكُلِّ بشر في كُلِّ أوان. ولسنا بقادرين على التخمين بأنَّ الروح القدس اليوم يتكلَّم بأفواه المُبشِّرين العديمي الإهتمام بالدرس والإستعداد الواجب للوعظ، فهو ليس وعداً للكُسالى. كان مُقتصَراً على الرُسُـل والمُبَشِّرين الأوَّلين وفي اوقات خاصة، أي "متى أسلموكم" او "في تلك الساعة".
وسوف يُسلِـمُ الأخُ أخاه الى الموت، والأبُ ولَـدَه. ويَـتمرَّد الأولاد على والـديهم، ويَـقـتلونهم (متَّى10: 21). ميخا7: 6 – 36 – لوقا21: 16.
إننا نعلم جيداً بأنَّ البشير يوحنا قد أوضح في انجيله بُغض رؤساء الدين اليهود للمسيح أكثر مِن الإنجيليين الثلاثة الآخرين، ففي " الإصحاح 5 – 8) بدأوا يُقاومونه كلامياً مُتَّهمينَه بمخالفة الشريعة لقيامه بشفاء المرضى يوم السبت، وفي " الإصحاح 9 " هَدَّدوا بالقطع من المجمع كُلَّ مِن يعترف به، وراحوا يتصَيَّدونه لعلَّهم يجدون عليه مأخذاً ليُبرِّروا رجمَه، وجرت مُحاولات بهذا الشأن ولكنَّها لم تُجدِهم نفعاً ( الإصحاح العاشر) وفي حادثة إقامة لعازر من الموت، تشاوروا فيما بينهم لإهلاكِه، بل سعوا الى قتل لعازر أيضاً ليطمروا شهادة إحيائه التي كانت إثباتاً لقوة المسيح الإلهية! (الإصحاح 11). وكان كُلَّما ازداد ضياءُ النورأمام أعينِهم اشتدَّ بُغضُهم له (الإصحاح 12). وحين أشرق النور ساطعاً يوم الخمسين "العنصرة" كان الحدث شهادة لقيامة المسيح الرب بقوة علنية لا يرقى الشكُّ إليها، اشتدَّت حماقتُهم الى أبعد حَدٍّ (أعمال 6 و 7). كان الأخ يُسَلِّم أخاه: ليس بسبب الخيانة بل إجبارياً لرجال القضاء والسلطة، والأب يُسلم ولدَه: وبحسب الوعد الإلهي فإنَّ الآب السماوي يحتضن المُضطهَد من الأب الأرضي، ويتمرد الأولاد على والديهم ويقتُلونَهم: يعصونهم ويُقاومونهم حتى أنهم يُسلمونهم لرجال القضاء والسلطة نتيجة تعَصُّبهم الديني الذي ينزع الحُبَّ الطبيعي بين اقرب الناس الى بعضِهم، فيجعل من الرجال والنساء أشرس من وحوش البَر. أليست هذه النبُوَّة غريبة نوعاً ما، لأنها تُناقض طبيعة الأُبُوَّة والبُنُوَّة؟ ولكنَّها وللأسف تَمَّت فعلياً مَرّاتٍ لا تُحصى. < ستُطردون خارج المجامع، بل سيأتي وقتٌ يظنُّ فيه مَنْ يَقتُلكم أنَّه يؤَدي خِدمةً لله > (يوحنا16: 2). كان يسوعُ يعرفُ أنَّ هذا الإضطهاد سيُثار ضِدَّهم بعد صعوده وغيابه عنهم جسدياً، فأخبرهم به مُسبَقاً لِئَلاَّ يكون وقوعُه معثرةً لهم. حيث سيتذكَّرون ما أنذرهم به سيدُهم فيثبُتوا.


الشماس د. كوركيس مردو
في 15 / 10 / 2016

 

شاهد أيضاً

والحقُّ يُحَرِّرُكم

الشماس د. كوركيس مردو فقالَ يسوعُ لليهودِ الذين آمنوا به: إنْ ثَبَتُّم في كلامي كنتم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*