الرئيسية / المقالات / الايمان، ليس في الاجوبة الجاهزة

الايمان، ليس في الاجوبة الجاهزة

 
الصحافي ظافر نوح
نجح الإنسان أن يعرف تقريبًا كل شيء عن أمور الحياة، على الرغم من أنها كبيرة ومتشعبة، فاستطاع أن يعطي أجوبة سريعة، وأصبحت المعرفة في متناول يد الجميع، بحيث صارت أقرب إلى "مطاعم الأكل السريع" في كلّ مكان. مع هذا لم ينجح الإنسان في حل أبسط مشاكل العلاقة والحب والصداقة والعمل، وعليه يبدو أن القيم أصبحت على المحك، وباتت مهدّدة أكثر من أي وقت مضى.
إنّ محاولة إيجاد مخرج من هذا المأزق العالمي هو قديم جدًا، إذ تذكر الكتب قصصًا وحوادث تحاول ذلك، لكن من يقرأها يتساءل: هل أختلف الايمان في زماننا؟ وهل كانت الناس في الماضي أفضل من أبناء جيلنا؟ وما هو دور الإيمان في كل هذا؟
لقد أنجبت المسيحية، خلال قرون مضت رجالا ونساء كانوا بمثابة أدلة حيّة وحقيقية على الإيمان والقيم. وعلى الرغم من تنوّع البيئة والفكر والاختلاط بين الحضارات والأزمنة، بحسب طبيعة الثقافة والفنون، فقد قسّم الزمن الى انواع منها إلى مدرسي (كلاسيكي) ورومانسي وواقعي… واليوم جاءت العولمة بكل جديد، فإنسان القرن 21 إنسان انترنت وحاسوب وإلكترون واتصالات سريعة. وآلات تخدمه عن بعد… وفي الحقيقة يمكن القول إنّ كل شي قد اختلف، حتى التفكير، وأصبحت صفة إنسان اليوم بحثًا عن السهل وعن أجوبة جاهزة. لكن تبقى الرغبة في معرفة معنى وجودنا هو أصعب من ذي قبل، لأن الكل يتسارع ويتهالك نحو المستقبل بطريق سهل وخفيف، ولا أحد يعرف إلى أين نذهب؟
 إن الإيمان بالقيم لقاء يعكس ما حاول الخالق إعطاءه للإنسان، وذلك يتطلب منه جوابًا. لذا وضع الله في داخل كل انسان عطشا إليه، وأذنا داخلية تسمع النداء في أعماقه، الله حاضر في قلب الإنسان الذي يبحث. ونحن إذن مثل التلاميذ، نتعلم من حب الله للبشر، فندخل الى مدرسة معلمنا فيها هو المسيح. ونسير في طريق الله، ونقرأ العلامات في ضوء الكتب المقدسة والروحانية، وهذا كله ممكن بالإيمان فقط، وفي ضوء خبرة الكنيسة والرسل والشهداء والتقليد الحي إلى جانب خبرتنا الشخصية. الإيمان إذن علاقة ثقة قبل أن تكون معرفة، والإنجيل مليء بمن قبلوا الإصغاء إلى الرب، فعملوا واجبهم كتلاميذ، قسم منهم كان راسبًا ثمّ نجح، كالمجدلية وزكا، لان ترجموا الإيمان إلى حبّ كبير وشاركوا به الآخرين.
تغذية الإيمان ونضوجه
 إن الناضج في الإيمان هو من يعرف مكانته الإجتماعية، فيقف إمام الله بضعفه وحاجته إلى الخلاص. المؤمن لا يكتفي بما تدركه حواسه، لكن يؤمن بقدرة الله الذي يحوّل كل شيء إلى علامة، التي يرفعنا بها إلى حقائق لا نعرفها، لكنها مدفونة في داخلنا. فيهتم أولا بتقوية قبول مشيئة الله، وهذا نعمة، ثم يقبل الموت والمرض والفقر، أي يقبل بالتغيير والتجدد وأشكال الانتقال في كل المكان والزمان.
إذن هل يمكن اليوم أن نلتقي أشخاصًا كالذين نقرأ عنهم في الكتاب المقدس؟ وهل ممكن ان تحدث معجزات اليوم أيضًا؟ وكيف يمكن أن يقبل الإنسان أخيه الانسان المختلف؟ وكيف ينمو وينضج الإيمان في داخلنا؟
لعل المسألة تكمن في التغذية، فكل حيّ يتغذى ليبقى، والإيمان في الإنسان حيّ إذا ما غذّاه كلام الله، والتغذية هي عن طريق (الإصغاء)، فالإيمان يتغذّى دائمًا بالإصغاء (إسمع يا إسرائيل… تثنية 6/4)، والمسيح قال: "من كان له أذنان فليسمع!" (متى 11/15)، والمؤمن إذن تلميذ يحسن الإصغاء إلى الرب، ليعطيه نظرة جديدة على الحيـاة، الإيمان (فعل إنساني) حي، ليس جامدًا أو ساكنًا، يستقي من كلّ ما لدينا: من أنوار العقل ورغبة القلب، والحقيقة يكشفها الله لنا بوسائل كثيرة، فقد تكون زنبقة الحقل أو حبة الخردل كافية لذلك!
هكذا، حتّى البراهين لن تعود جوابًا عن حقيقة الأمر، وإنما لدى المؤمن جواب عن الحياة، إذ للحياة معنى لا يمكن فرضه من الخارج، إنما هو ثمرة عقل وإرادة، أي من رغبة عميقة. فإن كان إنسان اليوم ضائعًا ومقيدًا، وذلك لأنه لم يعد يسمع لأحد، فسادت الحرفية، وفقد الجوهر، وهذا لا يُسترجَع إلا إذا قبلنا القيم التي يدعو الإيمان إليها فينعم الإنسان بثماره ويعرف حقيقة زمانه وكيف يكون وإلى أين يذهب. بعد انا أصبحت صفة الانسان اليوم هي الضياع وسط عالم كبير ومضطرب، باحثا عن ذاته.

 

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*