الرئيسية / المقالات / تأمل في الصوم الاربعيني على ضوء الكتاب المقدس

تأمل في الصوم الاربعيني على ضوء الكتاب المقدس

المطران رمزي كرمو

 

يذكر لنا القديس متى البشير في انجيله المقدس الفصل الرابع بأن الروح القدس قاد يسوع الى البرية حيث صام اربعين يوما واربعين ليلة وأخيرا جاع. انتهز المجرب الفرصة  وجربه ثلاث مرات  وخرج يسوع منها منتصرا لأنه رفض ما قدمه له الأبليس من لذة زائلة وثروة باطلة وسلطة زمنية خداعة متمسكا بكلام الله الحي رافضا ان يكون ميسحا سياسيا لكي يبقى امينا على رسالته المسيحانية ويعيشها بروح    الخدمة والتضحية والتواضع . انه الخادم المتألم وحمل الله المذبوح من أجل خلاص العالم . انتصار يسوع على تجارب الشيطان الثلاث في بداية حياته العلنية يشير بصورة رمزية الى انتصاره على اخر تجربة صادفها في نهاية حياته الارضية اي الموت . ( يا ابتاه ان امكن فلتعبر مني هذه الكأس لكن لا ارادتي بل ارادتك).

 

بالنسبة ليسوع زمن الصوم كان زمنا مميزا اذ  اختبر فيه قوة وفاعلية كلام الله في حياته . غذاءه الاساسي

والحقيقي خلال تلك الفترة كان الكلمة التي تخرج من فم الله. ( ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله). يسوع لا ينفي ضرورة الخبز المادي لحياتنا الجسدية بل يريد ان يقول بأن هذا الخبز لا يكفي لأنعاش وديمومة حياتنا الروحية والمسيحية . هذه الحقيقة الايمانية يكشفها لنا في أنجيل يوحنا الفصل السادس حيث يقول ( انا هو الخبز الحي النازل من السماء من يأكل من هذا الخبز يحيا الى الابد والخبز الذي سأعطيه هو جسدي ابذله ليحيا العالم). نعم ان يسوع هو كلمة الله المتجسد.( والكلمة صار جسدا وسكن بيننا)." يوحنا 1/14" .

رواية صوم يسوع وتجاربه حسب انجيل متى تهدف الى أن تقدمه لنا كأسرائيل الجديد الذي خرج ظافرا من التجارب في البرية خلافا لما جرى لأسرائيل القديم الذي فقد ثقته بالله وتذمر عليه اثر التجارب التي صادفها اثناء تنقله في برية سيناء. ( راجع سفر الخروج  الفصل 16 و 17). اما ان يكون ذهاب يسوع الى البرية للصوم والصلاة بتدبير الهي فهذا يعني ان الصوم الحقيقي والصلاة النابعة من القلب هما من عمل الروح القدس في حياة الانسان .

الكنيسة المقدسة التي هي ام ومعلمة تدعونا نحن المسيحيين ان نستعد بالصوم والصلاة للأحتفال بعيدنا الكبيراي عيد الفصح المجيد والذي نتذكر ونحتفل فيه بالام وموت وقيامة ربنا والهنا يسوع المسيح   . ( لأن هذا الجنس من الشيطان لا يخرج الا بالصوم والصلاة). " متى 17/2" . لكن من المؤسف جدا ان يكون المفهوم الشائع للصوم لدى الكثير من المؤمنين هو فقط الانقطاع عن تناول بعض المأكولات والامتناع عن أكل بعض الوجبات متناسين ان الصوم الذي يريده الله منا هو الانقطاع والامتناع عن عمل الخطيئة أي عن كل عمل نخالف فيه وصية المحبة التي تختزل كل الوصايا والتي من دونها لا يفيدنا شيئا الالتزام ببقية الوصايا. بهذا الخصوص يقول بولس رسول الامم: ( فالان تبقى هذه الامور الثلاث . الايمان والرجاء والمحبة ولكن اعظمها المحبة ). ( راجع الفصل 13 من الرسالة الاولى الى اهل قورنتس). ان  سابوع الصوم الاربعيني هو زمن نضوج الايمان والخصوبة الروحية . اي انه زمن اختبار حضور الله في حياتنا اليومية من خلال الاستماع الى كلامه والعمل بموجبه كما فعل ربنا والهنا يسوع المسيح اثناء فترة صيامه في البرية .

اليوم نحن ايضا نجابه التجارب الثلاث التي جابهها يسوع وهي تجربة التعلق المفرط بالثروات المادية الزائلة والانجراف وراء الشهوات الجسدية والدنيوية الباطلة والتشبث بالسلطة للتسلط على الاخرين عوض خدمتهم بروح التضحية والشهادة . ونحن ما غالبا نسقط في هذه التجارب وتكون سببا في ان نفقد نشاطنا الروحي وفرحنا الانجيلي ونعيش في نوع من الضياع والكآبة . يقول يسوع في عظته الكبرى على الجبل حسب انجيل متى:( طوبى للفقراء بالروح فأن لهم ملكوت السماوات ’ طوبى لاطهار القلوب فأنهم يشاهدون الله وطوبى للودعاء فأنهم يرثون الارض) " الفصل 5 الاية 3و4 و8" .

ان الصلوات الطقسية التي اعتدنا اقامتها اثناء الصوم الاربعيني تؤكد بصورة خاصة على اهمية التوبة اي انها تذكرنا بخطايانا وحاجتنا الماسة الى رحمة الله ومغفرته . ان الدعوة الى التوبة لقد نادى بها يسوع منذ بداية كرازته العلنية اذ قال له المجد:( توبوا قد اقترب ملكوت السماوات). " متى الفصل 4 الاية 17). التوبة حسب الانجيل هي ان نسعى لتخصيص مساحة اكبر لله في حياتنا اي ان نحرر قلبنا من الاصنام الحديثة التي سيطرت عليه وحرمته من سعادة العيش مع الله منذ هذه الحياة. ان التوبة الحقيقية التي بأستطاعتها ان تحررنا من عبودية اوثان هذا العالم هي ثمرة عمل الروح القدس في حياتنا . في رسالته الى اهل روما  يقول بولس الرسول: ( ان الذين ينقادون لروح الله يكونون ابناء الله حقا. لم تتلقوا روح العبودية لتعودوا الى الخوف بل روح تبن به ننادي: ابا’ يا ابت. وهذا الروح نفسه يشهد مع ارواحنا بأننا أبناء الله) "8/14-16" . و في رسالته الى اهل غلاطية يقول: ( اسلكوا سبيل الروح فلا تقضوا شهوة الجسد. لأن الجسد يشتهي ما يخالف الروح والروح يشتهي ما يخالف الجسد ….. اما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف وكرم الاخلاق والايمان والوداعة والعفاف. وهذه الاشياء ما من شريعة تتعرض لها. أن الذين هم للمسيح يسوع صلبوا الجسد وما فيه من اهواء وشهوات) " 5/16-17 و 22-24".

 

لنطلب بكل تواضع وايمان من الروح القدس الذي حل علينا يوم معموذيتنا وجعل من اجسادنا هياكل مقدسة له ان يعمق فينا خلال هذا الصوم المبارك العطش الى كلام الله الحي لكي نقول مع المزمر ( كما يشتاق الأيل الى المياه  عطشت نفسي الى الله ). " مزمور 42". وكذلك لنصل الى امنا العذراء مريم , أيقونة الكنيسة المقدسة ’ لترافقنا بصلاتها المستجابة اثناء هذا الزمن الليتورجي المليئ بالخيرات الروحية والنعم السماوية كي نتبع يسوع ابنها الحبيب الى صليب الجلجلة لنشترك بالامه وموته ونقوم معه وقد انتصرنا على عدونا الاخير اي الموت الابدي.

ارجو من كافة الذين يقرأون هذه الاسطر ان يصلوا من اجلي لكي اعيش ما تبقى لي من الحياة الزمنية والارضية بالرجاء والايمان والمحبة والشهادة حتى النهاية.  مع الشكر والاتحاد بالصلاة ومتمنيا للجميع صوما مباركا.


المطران رمزي كرمو

طهران  22/2/2017

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*