الرئيسية / المقالات / موعظة الأحد الأول من الصوم الكبير: زمن يقودنا إلى الله

موعظة الأحد الأول من الصوم الكبير: زمن يقودنا إلى الله

+البطريرك لويس روفائيل ساكو

القراءات
الأولى: من سفر إشعيا (58: 1، 6– 9) تشرح معنى الصوم: الغفران والاقتسام والسعي لإزالة أوجه الفقر والظلم في المجتمع.
والثانية: من الرسالة إلى افسس (4: 17 -24) تدعو إلى نزع الإنسان العتيق فينا والتوشح بالإنسان الجديد بحسب يسوع المسيح.
والثالثة: من إنجيل متى (4: 1 – 12) تنقل خبر صوم المسيح وتجاربه. دعوة إلى الأمانة والثبات مهما كان الثمن مكلفاً.

زمن الصوم زمن غير اعتيادي، زمن خاص للنعمة والصلاة والتفكير ومراجعة الذات وبنائها، زمن يقودنا كأشخاص وككنيسة إلى الله. لذلك يعدّ الصوم زمن توبة ومصالحة مع الذات ومع الله ومع الأخرين، الكثير من الحزن ينتابنا بسبب الزعل والغيرة والحسد، والصوم زمن ممارسة المحبة بالدرجة الأولى..
يهدف الصوم في روحانيتنا المشرقية أساساً إلى تهيئة ذاتنا للفرح الآتي، لعيد القيامة بمعناها الشامل، لعيد الأعياد، أي أن نجعل حياتنا في شركة مع الله. هذا هو الوجه الحقيقي للصوم وروحانيته. ويشبه آباء الكنيسة الصوم الكبير بمسيرة الأربعين سنة التي قضاها الشعب المختار في الصحراء، للوصول إلى أرض الموعد، وارض ميعادنا هو المسيح الذي صام أربعين يوما وليلة، وللرقم أربعين رمزية الكمال والتمام!

 وفي الكنيسة الأولى كان في الصوم تتم تهيئة الموعوظين من أجل المعمودية ليلة سبت النور (وسمي بسبت النور لان المعمودية استنارة)، وبالرغم من أننا معمدون إلا أننا لا نزال نحتاج إلى العودة إلى جذور إيماننا وصفاء معموديتنا من خلال التوبة التي تعد معمودية ثانية!

 أتمنى أن يكون تركيزنا في هذا الصوم على الكتاب المقدس: قراءة يوميّة تأمليّة: شخصية وعائلية. فيها نصغي إلى صوت الله ليقودنا: "كلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي" (مزمور 118-105). كما أتمنى أن يخصص كلّ واحد مِنَّا وقتاً كافياً للانفتاح على الأخرين في خدمة المحبة: المهجرين، المحتاجين: المرضى، الوحدانيين، الحاصلين في الضيق. خدمتنا لهم اقوى تعبير لمحبتنا للمسيح الفائق الصلاح: " كل ما تفعلونه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتموه" (متى 25/40). كل عمل خير يصب في قلب الله ويمنحنا السلام والفرح. لنستمع إلى النبي اشعيا: ""أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟ أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟ حينَئِذٍ يَبزُغُ كالفَجرِ نورُكَ ويَندَبُ جُرحُكَ سَريعاً ويَسيرُ بِرُّكَ أَمامَكَ ومَجدُ الرَّبِّ يَجمعُ شَملَكَ. حينَئِذٍ تَدْعو فيَستَجيبُ الرَّبّ"(اشعيا 58/6-9)
إنجيل هذا الأحد الأول من الصوم يشير إلى صوم يسوع وتجاربه مقارنة بتجربة آدم وحواء، يسوع يجيب بكلمات الله ولم يسقط في التجربة، بينما ادم وحواء سقطا وكان سقوطهما عظيما..
 المسيحي يؤسس وجوده على أجوبة يسوع الثلاثة التي تعلن التحرير الكامل الذي يأتي به الإنجيل في قطاعات الحياة الأساسية جاعلا إياها موضوع هداية دائمة: قطاع الملكية، قطاع الحياة العاطفية، قطاع السلطة.
إن ثمن الأمانة باهض، وان الحب يُبرهن بأفعال وليس بالكلام، والحبُّ قادرٌ على التغيير.
الصوم، أي الانقطاع عن مصدر الحياة المادية. هو فعل إيمان وتواضع لكي تصبح كلمة الله خبز الحياة.
وكما أن يسوع لا يستسلم لممارسة مسيحانية كاذبة عن طريق قدرة سحرية إلى الاستمتاع بكل لذة وسلطان، بل يجسد في ذاته كلمة الله وإرادته، هكذا المسيحي المؤمن مدعو للسير على خطاه.
لنستفد اذاً، من هذا الزمن المخصص للتوبة، ولنتخذ خطوات عملية تقربنا من الله ومن بعضنا البعض، فيغدو صومنا فرص نعمة وبركة ومصالحة وتجدد لكل واحد منا ولكنيستنا ولبلدنا، ولنصلِّ كي ينعم الرب علينا بالأمان والاستقرار.

 

 

 

شاهد أيضاً

الفضائل الأدبية: العدل

  المطران مار باسيليوس يلدو     احدى الفضائل المهمة في حياة الانسان هي ان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*