الرئيسية / المقالات / تذكار ليتورجي كاثوليكي احتفاءً بالكرسي الرسولي للقديس بطرس

تذكار ليتورجي كاثوليكي احتفاءً بالكرسي الرسولي للقديس بطرس

 (أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني كنيستني، وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات وأبواب الجحيم لن تقوى عليها- متى 16: 18)

الاب نويل فرمان السناطي


تخصص الكنائس الكاثوليكية يوما محددا للاحتفاء بكرسي بطرس الرسول، وصادف ذلك في هذه السنة يوم الاربعاء الماضي 22 شباط 2017. تقول الكتب الكنسية الطقسية بهذا الصدد: الاحتفال الليتورجي لهذا اليوم هو استذكار لاستقرار الرسول بطرس في روما، نحو سنة 60 للميلاد، ليجعل بذلك من "روما الكنيسة الأولى"، على حدّ قول القديس ايريناوس (مواليد آسيا الوسطى بين الاعوام 120-140)؛ وكنيسة روما تعدّ ايضا |الرائدة في المحبة" بحسب قول القديس الشهيد اغناطيوس الانطاكي المتوفى سنة 107م. ومنذئذ يعدّ البابا أسقف روما، "مركز الوحدة في كنيسة المسيح" الذي خاطب سمعان بن يونا، فدعاه كيفا الصخرة وقال: أَنْتَ بُطْرُسُ (الصخرة باليوناني Πέτρος) وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا (متى16: 18).

خاطرة تأملية للبابا القديس لاون العاشر
قال قال مار لاون الكبير في تأمله بهذا الشأن: يا رب، تأتيني أيام، اودّ فيها ان اعلن عن مجمع عام ليتغيّر كل شيء في الكنيسة: فليس ثمة شيء يمشي بنحو جيّد، لكني أقول في الأقل على طريقتي الذاتية، أي أن هذا الأمر تنظيري البشري فحسب، وهو ليس بالتالي مطابقا لطريقتك في العمل يا رب.
والحال، ليس ثمة عظمة عند القديس بطرس هي التي أعطت السلطان لكلماته. بل إنها كلمتك التي منحت السلطة لضعيف مثل بطرس. وهذا ينطبق على واقع الحال لهذا اليوم. فهب لي يا رب أن أؤمن بنعمتك، واعطني ايمانا متواضعا لأرى نعمتك في حالة العمل لدى رعاتنا. ويخاطب البابا لاون الكبير القديس بطرس في تأمله قائلا:
ها انك الآن بلا خوف أمام روما سيدة العالم، بينما كنت أنت الذي بالأمس ارتجف أمام عاملة في بيت كبير الكهنة. أجل إن ما يكتسب الغلبة هو قوة الحب.

أكثر من كرسي يحمل اسم بطرس
وإذ ارتبطت اسماء عدد من الكنائس بأسماء الرسل، فإن كرسي مار بطرس اطلق على كنيسة اخرى هي كنيسة انطاكيا للسريان، اعتمادا على كون القديس بطرس أول مؤسس لهذه الكنيسة، قبل أن يبشر روما ويصلب فيها. وتعترف كنيسة انطاكيا بروما كرسيا لمار بطرس، وهو اعتراف يضفون عليه حالة من الكرم تجاه كنيسة روما، إذ قال القديس يوحنا فم الذهب في هذا الصدد، ما نقلته عنه موسوعة بطريركية انطاكيا: لأن امتياز مدينتنا على كل المدن قائم على اتخاذها من الأصل هامة الرسل معلماً، لأنه كان يجب أن يكون أول الرعاة في الرسل راعياً للمدينة التي دُعي فيها المسيحيون أولاً بهذا الاسم الشريف، ولكننا إذا اتخذناه معلماً لم نحتفظ به حتى النهاية بل تخلينا عنه لأجل مملكة روما، لكن إذا شئت فقل إننا احتفظنا به دائماً، أجل أننا لم نمتلك جسد بطرس وإنما امتلكنا إيمان بطرس، فامتلكناهُ نفسه.

كنيسة روما جامعة مع سائر الكنائس الرسولية
وكما اننا ككاثوليك، نتحدّث عن روما ككنيسة جامعة، لكنها ايضا تجتمع بصفة الجامعة مع المنضمين معها الى الكرسي الرسولي البابوي. مع العلم أن مفردة كاثوليكية وهي تعني جامعة، زحفت كتسمية مرتبطة بالكنيسة الرومانية (نسبة الى المدينة الخالدة روما) بينما معناها كجامعة ينطبق على كنائسنا الرسولية الأرثوذكسية الأخرى، فهي تنفتح في بشرى الانجيل الى أفق البشرية جمعاء، بصرف النظر عن اللغة والقومية والتراث. وبذلك تجتمع كنيسة روما بصفة الجامعة مع سائر الكنائس الرسولية القانونية غير الكاثوليكية. والا لصارت هذه كنائس قومية منغلقة عن الانفتاح برسالة الانجيل الى العالم اجمع.
وهذه الكنائس الرسولية بمجامعها السينهادوسية، ضمن حركتها نحو الوحدة المسكونية، لها أن تنظر إلى معطيات من يكون ضمن الكنائس الرسولية الجامعة ومن يعدّ فيها خليفة لبطرس هامة الرسل، الذي يأخذ مكانة خادم خدام الرب بالمحبة.
ومن المفرح أن نجد أن الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية وكنيسة روما، تنتهج خطوات الوحدة بنحو شبه ندّي إذ يفيد الطرفان من خبرات وحدوية سابقة، غنية وقد مرّت بمخاضات صعبة…

مواقف شجاعة تجاه روما
هذا ما يمكن أن يفهم من الحقوق التي سعت الكنائس المنضمة الى روما، ان تنتزعها من دوائر الفاتيكان كلما مالت الى البيروقراطية، لتنتزع الكنائس الشرقية الكاثوليكية حقوقها بمراس وصلابة ومطاولة. هذا ما دفع الى مقارنة البطريرك خالد الذكر مار يوسف أودو في مواقفه الشجاعة مع روما، مع مواقف حازمة نسبت الى البطريرك الاسبق مار بولس الثاني شيخو، وما جرى في السنوات الاخيرة من حركات مكوكية كانت أشبه بحركات لوي الذراع، مع دوائر في روما وقف منها البطريرك ساكو موقف المحاسب علنا لتلك. ولما كان يُحسب تقليديا، أن الاتحاد بروما خط أحمر مع روما، فإن الرسائل الجريئة المسربة هنا وهناك والتي أوصلت الى روما، كان مفادها التحذير بأن ليس ثمة اختلاف مذهبي بين الكنائس الملتحقة بروما وبين كنائسها الشقيقة غير الكاثوليكية.
كل هذا التعامل، دعا الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية في مسيرتها المسكونية، تنظر الى التعامل مع روما باستقلالية مطمئِنة، مما يقلل أكثر فأكثر من هواجس التأثير السياسي القومي على الزعامات الكنيسة غير الكاثوليكية.

الكنائس الرسولية والتنظيرات السياسية القومية
فأحيانا تأتي تنظيرات قومية للزعماء السياسيين باتجاه التقوقع القومي واللغوي والتراثي وهي بذلك وبحسن نية المصلحة القومية الضيقة، مع شيء من مفارقة التناقض… تتوخى جعل هذه الكنائس غير الكاثوليكية كانتونات محدودة الانفتاح على رسالة الانجيل الشاملة والمسكونية. وغالبا ما يلاحظ أن الرؤساء الدينيين يتركون للمنظرين السياسيين عنان التصريح وصولا إلى تأليه رموزهم الاثرية، وعندما سئلوا في هذا الشأن، فكانت اجابتهم أنهم بسكوتهم ينطلقون من حرية المنبر وفردية القناة الاعلامية، فيتركون لهم التصريح بما يشاؤون، وإلا قالوا لهم إن لم: غن لم تعجبكم قناتي، فتحولوا الى متابعة الأخرى! وهكذا تمضي الكنائس غير الكاثوليكية بأحبارها الحكماء الأبرار في خطها ككنيسة (قاثوليقي) جامعة، بدون ان تشغل بالها او تصرف الوقت في المماحكات الجانبية. ولهذه الرئاسات الكنسية، بحرصها على ديمومة رسالتها الانجيلية وبقاء كنيستها في عالم اليوم، لا بد وأنها تتطلع إلى الوقت المناسب لكيما تشق قدما نهجها المسكوني، وعندئذ سيكون للزعامات القومية خياراتها المتنوعة سواء لينخرطوا في سلك الاكليروس ويدرسوا اللاهوت في روما أي أي مكان آخر أو قد تكون ثمة خيراتها الستراتيجية، بأن تختار ما بين الايمان واللا ايمان، أو الارتماء في أحضان الآلهة الميثولوجية، ضمن ما تتيحه حقوق العالم المعاصر من حرية تعبير ومعتقد أو معتقد.
وإذ تكتب مثل هذه الافكار، فليس كموقف تجاه تنظيرات الساسة القومية، فهي تمضي في نهجي سواء بصمت أو بافصاح، بل لعموم المعنيين من القراء لكيما تنفرز الرؤية بين التنظيرات الدينية للساسة القوميين، وبين العقيدة الثابتة الاصيلة المتجذرة التي هيهات أن يعافها الزمن.

الأواني المستطرقة بين الكنائس الشقيقة
يحزّ في النفس، أن الكنائس الكاثوليكية في العالم، إذا قورنت بكنائسنا المشرقية الرسولية، فإنها تبقى تفتقد نفحة من روحنا المشرقية وقراءتنا البيبلية بنصوصها الاصلية وبأطرها الانثروبولوجية. وعليه من المعتقد أن مختلف الكنائس الرسولية غير الكاثوليكية، كمثل كنيسة انطاكية الأرثوذكسية وغيرها، عندما تحقق الوحدة مع كنيسة روما الكاثوليكية، لم يعد في ذلك ضير أن تحدث الوحدة بنحو مستقل عن شقيقتها كنيسة انطاكيا الكاثوليكية الملتحقة بالوحدة في ظروف تاريخية سابقة، فمياه الأواني المستطرقة، لا بدّ أن تختلط مع بعضها وأغلب الظن أن مياه الكنيسة الشقيقة الملتحقة قبلها ستصب في عمق مياه الكنيسة الأم وأكثر، لا صغرا بها بل بمحبة انجيلية. وهكذا، فإن خطواتنا الوحدوية تجاه كنيسة المسيح في الغرب، في عصر الاتصالات السريعة والتواصل الفوري، تعتبر عند الكثيرين مبادرة رحمة مع كنائس العالم الرسولية للإغناء المميز والمتفرّد، مثلما تشكل مسيرة الوحدة في أساسها استجابة لنداء الرب: أن يكونوا واحدا.
وبعد، قد يكون هناك رأي بشأن أن تكون الكنيسة الكاثوليكية في روما، كمقر للكرسي الرسولي لما تراه هي وتراه أيضا البطريركيات المنضوية معها، انه كرسي بطرس هامة الرسل. ذلك أن الذي يتبوأ هذا الكرسي، قد يكون من أصل ارجنتيني او بولوني أو أشوري أو كلداني او غير ذلك. على أن الحبر الأعلى الذي يتبوّأ كرسي روما، في حين كان في حقب تاريخية سابقة، قبل المراجعة الذاتية في المجمع الفاتيكاني الثاني، بمثابة الرأس الأعلى لرؤساء الكنائس البطريركية، فإنه يحتلّ حاليا مكانة رمزية يشار إليها بعبارة (خادم خدام الرب بالمحبة) والدليل على ذلك، هو أنه ليس في روما للتفرع للرئاسة العليا، بل هو بالأحرى راعي كرسي أبرشية روما.
هذا ما استجدّ الحديث عنه في ضوء التذكار الليتورجي الكاثوليكي احتفاءً بالكرسي الرسولي للقديس بطرس، ولولاه لما استجدّ مثل هذا الحديث.

 

 

شاهد أيضاً

منتصف المسيرة نحو القيامة.. أين أصبحنا؟ وماذا أنجزنا؟

بيروت – الأب الدكتور نجيب بعقليني وصل المؤمن الصائم إلى منتصف المسيرة من الصّوم الكبير …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*