الرئيسية / المقالات / الشمّاسيَّة الإنجيليَّة في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثاني

الشمّاسيَّة الإنجيليَّة في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثاني

الاب سالم ساكا

مهامّ الشمّاس الإنجيليّ

1- مشاركة الأساقفة والكهنة في إقامة الليترجيا الإلهيَّة:
    خادمُ سرِّ الافخارستيا المألوف هو الأسقف والكاهن وليس الشمّاس الإنجيلي الذي، وإن قبل وضع اليد وربطت خدمته بالمذبح نوعاً ما، لكنّه لا يستطيع القيام بهذا إلاّ في بعض مظاهر الاحتفال به ومن باب معاونة الأسقف أو الكاهن، والسبب هو لأنَّ رتبة الشمّاسية لم تُخلَق أساساً من أجل الكهنوت، بل من أجلِ الخدمة الفعليَّة والظاهرة "للأساقفة والكهنة دون سواهم سلطان الاحتفال بالقدّاس الإلهي" (القانون/699 –البند1)؛ "الشمامسة الإنجيليّون بموجب خدمتهم مع الأساقفة والكهنة وفقاً لمراسيم الكتب الطقسيّة، يشتركون في الاحتفال بالقداس الإلهي بطريقةٍ أوثق" (-البند2).
هذا ما أكَّد عليه المجمع الفاتيكاني الثاني قائلاً: "وقد عضدتهم النعمة السرّية، يخدمون شعب الله بالشركة مع الأسقف وجماعة الكهنة وذلك في القيام بالطقوس، وبالكرازة ونشر المحبَّة" (المج فا/2، "نور الأمم"، العدد/29). من جهةٍ أخرى يوضّح نفس المجمع الفاتيكاني الثاني بعض الأدوار أو المهامّ التي يمكن أنْ يقومَ بها الشمّاس الإنجيلي ويترك للسلطاتِ المحليَّة المختصّة إتّخاذ التدابير بشأنها، ومنها منح سرِّ المعمودية وحفظ القربان وتوزيعه والمساعدة في مباركة الزواج باسم الكنيسة ومنح المسحة الأخيرة للمنازعين، وقراءة الكتاب المقدَّس على المؤمنين وتعليم الشعب ووعظه ورئاسة عبادة المؤمنين وصلاتهم وخدمة أشباه الأسرار وترؤّس صلوات الجناز والدفن. إنَّ السلطات الكنسيَّة المختصّة لم تجزْ للشمّاس الإنجيلي القيام بكلِّ هذه الأمور إلاّ إذا كان ذلك مقرَّرا من الشرع الخاصّ بها وفي ضوء تقاليدها وحاجاتها. ففي سرِّ الافخارستيا، أعني في الاحتفال بالقدّاس الإلهي لا يحقّ للشمّاس الإنجيلي في جميع الكنائس الشرقية واللاتينية، إلاّ القيام ببعض المشاركة الجزئية خصوصاً في ليترجية الكلمة وما بعد رتبة التقديس ودعوة الروح القدس. أمّا الوعظ وتوزيع الإفخارستيا فتختلف بين كنيسةٍ وأخرى.

 

2- توزيع القربان الأقدس:
في الحالات المألوفة وكمبدأ عامّ، الكاهن هو الذي يقوم بتوزيعِ الافخارستيا. أمّا الشمّاس الانجيلي أو المؤمن العلماني سواء كان رجلاً أم إمرأة، إنَّهم وحسب الشرع، يستطيعون ذلك إذا أجاز لهم الشرع الخاصّ "القربان الأقدس يوزّعه الكاهن، أو الشمّاس الإنجيلي أيضاً إذا ورد ذلك في الشرع الخاصّ بكنيسة متمتّعة بحكم ذاتي"؛ "في إستطاعة سينودس أساقفة الكنيسة البطريركيّة أو مجلس الرؤساء الكنسيين أنْ يسنّوا قواعد ملائمة، يتسنّى بموجبها للمؤمنين الآخرين أيضاً أن يوزّعوا القربان الأقدس" (القانون/709 –البند1 و2).
يحافظ القانون نوعاً ما على تقاليد الكنائس الشرقية التي جعلت من الكاهن، المحتفل بالافخارستيا الإلهيَّة، موزّعاً لها لسائرِ المؤمنين، بمن فيهم الشمامسة الانجيليين وأصحاب الدرجات الصغرى والعلمانيين، لكن يبقى على الشرع الخاصّ أنْ ينظِّم ويُسمّي الخدّام غير الإعتياديين، أي لحاجات الضرورة القصوى.

 

3- خدمة كلمة الله:
    دون شكّ، دور الأسقف أساسي في إيبارشيته يمتدّ إلى خدمة الكنيسة جمعاء. ينطلق هذا الدور من ملء نعمة سرِّ الكهنوت الذي يحملها الأسقف. وبملء سرِّ هذه الدرجة الأسقفية يتعلَّق الكهنة والشمامسة في ممارسة سلطانهم: "أولئك هم أيضاً قد كُرِّسوا كهنة العهد الجديد الحقيقيين، ليكونوا مساعدين فطنين للسلك الأسقفي، وهؤلاء وقد رُسموا للخدمة، فإنَّهم يخدمون شعب الله بالإتّحاد مع الأسقف ومجلسه"؛ وقد حرص المجمع الفاتيكاني الثاني على "… تشجيع الأساقفة في إستعمال الوسائل الحديثة التي تُسهِّل الكرازة والتنشئة في التعليم المسيحي وعرض العقيدة في المدارس، بواسطة المحاضرات والاجتماعات المتنوّعة ونشرها علنية" (المج فا/2 "قرار في مهمة الأساقفة الراعوية"، العدد/13). ينطبق بالأحرى هذا الدور أيضاً على الكهنة والشمامسة الإنجيليين، إذ وهم مساعدو الأسقف، عليهم أن يُتمِّموا وظيفة التعليم والتقديس والتدبير… على الكهنة أن يتعاونوا مع الرعاة الآخرين ومع الكهنة الذين يمارسون مهمّة راعوية على أرض ولايتهم (المج فا/2 "قرار في مهمة الأساقفة الراعوية"، العدد/30)… وتستمرّ أيضاً دعوة الشمامسة الإنجيليين في القيام بالمهمّات الموكولة إليهم من الأسقف أو كاهن الرعيَّة ومنها خدمة شعب الله، في خدمة الكلمة والأعباء المماثلة باتِّحادهم مع الأسقف والجسم الكهنوتي (المج فا/2، "نور الأمم"، العدد/29). إنَّ مشاركة العلمانيين في وظيفة المسيح النبويَّة، في الشهادة للإيمان ونعمة الكلمة، تتألَّق فوق كلّ شيء في حياة الإيمان والمحبة. كما أنَّهم يشتركون بالتبشير، إذ يعلنون بشارة المسيح بشهادة حياتهم وبخدمة الكلمة، بحيث تكتسب هذه الخدمة فاعليَّتها نظراً لتأديتها بأصالة في قلب أوضاع العالم العادية (المج فا/2، "نور الأمم"، العدد/35). وهذا فعلاً ما أكَّدت عليه مجموعة قوانين الكنائس الشرقية في القوانين التالية: "إن الأساقفة والكهنة والشمامسة الإنجيليين، كلٌّ حسب درجة رتبته المقدَّسة، مهمّتهم الأولى ممارسة خدمة كلمة الله وفقا للشرع؛ أمّا سائر المؤمنين فعليهم أن يسارعوا إلى المشاركة في هذه الخدمة، كلٌّ حسب جدارته ووضعه وما فُوِّض إليه" (القانون/608)؛ "من حقّ الأساقفة أن يعظوا بكلمة الله في أيّ مكان من العالم، ما لم يرفض ذلك الأسقف الإيبارشي بصراحة في حالة خاصّة"؛ "للكهنة صلاحيّة الوعظ في المكان الذي أُرسِلوا أو دُعوا إليه على وجه مشروع"؛ "للشمامسة الإنجيليّين أيضًا صلاحيَّة الوعظ نفسها، ما لم يقرّر الشرع الخاصّ غير ذلك"؛ "في ظروف غير عاديّة لا سيّما للتعويض من قلّة الإكليروس، للأسقف أنْ ينتدبَ سائر المؤمنين أيضًا للوعظ، حتى في الكنيسة، مع سرَيان القانون 614 البند4" (القانون/610)؛ "من أُسنِدت إليه رعاية النفوس، له بحكم الوظيفة صلاحيَّة الوعظ وبوسعه أيضاً أنْ يدعوَ لوعظ المعهودين لرعايته ايَّ كاهن أو شمّاس إنجيلي، مع سريان القانون/610 -البند3، ما لم يكونا ممنوعَين عن ذلك على وجهٍ شرعي" (القانون/611)؛ "في المؤسّسات الرهبانية أو جمعيّات الحياة المشتركة الإكليريكيّة على غِرار الرهبان، من حقّ حبري أو بطريركي، يعود الإشراف على الوعظ إلى الرؤساء الكبار"؛ "وبوسع جميع الرؤساء حتّى المحلّيين، من أيّ مؤسّسة حياة مكرّسة، أن يدعوا لوعظ أعضائها أيّ كاهن، أو شمّاس انجيلي، مع سريان القانون 610 البند 3، ما لم يكونا ممنوعَين عن ذلك على وجه شرعي" (القانون/612).

 

4- العظة في القداس:
    تستمدّ العظة موقعها من تعليم الكنيسة عبر الأجيال، إنْ مِنْ صميم الكتب المقدَّسة، في عهديها القديم والجديد، أو من التقاليد المقدَّسة، وبخاصّة العائدة منها إلى تراث أية كنيسة ذاتية الحقّ. حديثاً، ذكَّر تعليم الكنيسة الكاثوليكية في أكثر من مجال، إلزامية هذه العظة خلال الاحتفال بالقداس الإلهي (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، العدد/1100 و1154). وهذا ما سبق وأكَّد عليه المجمع الفاتيكاني الثاني إذ جاء فيه: "أمّا خدمة الكلمة، أعني الكرازة الراعوية والتعليم وكلّ إرشاد مسيحي، فهو ما يجب أن تحتلّ فيه العظة الطقسية محلاً ممتازاً، فتتغذّى هي أيضاً من كلمة الكتاب المقدّس نفسها الغذاء السليم وتتجدَّد بالقوى المقدّسة" (المج فا/2، "الوحي الإلهي"، العدد/24).
إنَّ العظة محفوظة للأسقف الإيبارشي، لكن هناك أسباب تُبرِّر تكليف الراعي الكاهن أو الشمّاس الإنجيلي بالعظة الطقسية. لكن علينا أنْ نعرفَ أنَّ لا هذه الأسباب ولا سواها، يمكنها أن تُبرِّر تكليف المؤمن العلماني بأنْ يتدخَّل بأيِّ كلام أو إرشاد خلال الإحتفال الليترجي وبخاصة الذبيحة الإلهية "بالنسبة إلى العظة التي تُشرح بها على مدار السنة الطقسيَّة سرائر الإيمان ومبادئ الحياة المسيحيّة، على ضوء الكتاب المقدَّس، يُرجى ويُحبَّذ أنْ تكونَ جزءاً لا يتجزّأ من الطقوس"؛ "يجب على الرعاة ومديري الكنائس أن يُعنَوا بأن تُلقى العظة في القدّاس الإلهي، في أيّام الآحاد والأعياد الإلزامية على الأقلّ، ولا تـُهمل إلاّ لسببٍ هامّ"؛ "لا يجوز للراعي أنْ يؤدّيَ بواسطة غيره على وجه مألوف واجب وعظ الشعب الموكول إلى عنايته الرعوية، إلاّ لسببٍ صوابيّ يعتمده الرئيس الكنسي المحلّي"؛ "العظة محفوظة للكاهن، أو للشمّاس الإنجيلي أيضاً وفقا للشرع الخاصّ" (القانون/614).

 

5- مساعدة الرعاة في تلقين التعليم المسيحي:
    دون شكّ أنَّ واجب تلقين التعليم المسيحي يقع بالدرجة الأولى على كاهن الرعيَّة لأبناء رعيَّته شيوخاً كانوا أم شبّان، صغاراً أم كباراً، وعلى إختلاف حاجاتهم وحالاتهم (القانون/289 –البند1، القانون/624 –البند1). إنَّ هذا الإلزام مرتبط بالتربية الدينيَّة المرافقة والمتنامية والفاعلة (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، العدد/2688). لكن هذا الإلزام والواجب يقتضي لتحقيقه ما يُسمّى بـــ "التعبئة العامّة" أو العمل المشترك من قبل معاوني كاهن الرعيّة، من نوابه الكهنة والشمامسة الإنجيليين، الذين لهم يعود جميعاً، في إطار الحكمة وقوة التمييز من كاهن الرعيّة ومعاونيه، أن يختاروا من المؤمنين العلمانيين القادرين على تقديم العون والمساعدة المناسبين في دعم التعليم المسيحي مع مراعاة دور المؤمن المسيحي العلماني في تحقيق هذا الدعم "الكهنة والشمامسة الإنجيليون الملحقون بالرعيّة يجب عليهم تقديم مساعدتهم للرعاة…" (-البند2)؛ "أمّا المؤمنون الآخرون المكوَّنون كما يجب، فليسارعوا إلى تقديم مساعدتهم في إلقاء التعليم المسيحي" (-البند3).

يتبع….

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*