الرئيسية / المقالات / قُل الحقَّ ولا تَخَف

قُل الحقَّ ولا تَخَف

الشماس د. كوركيس مردو
 

فلا تخافوهم: لأنَّه ما مِن مكتوم لن يُكشَف، ولا خَفيٍّ لن يُعلـَن (متَّى10: 26 و لوقا8: 17 و12: 2).

ذَكَّر يسوع رُسَله بهذا القول عِدة مَرَّاتٍ ولعدَّة أسباب لنزع الخوف عنهم، ومُعلناً لهم، أنَّ انتصار الأعداء لن يستمِرَّ طويلاً، وسيكون شبيهاً بكسوف الشمس او خسوف القمر لحين فيعقبه انبثاق النور، فلن يستطيع هؤلاء الأشرار رغم كُلِّ نمائمِهم واعتراضاتهم الكاذبة حَجْبَ الحَقِّ أمداً طويلاً، فمالك والحَقِّ لن يفقدوا البراءة والإحترام مهما كثُر الإتهام ضِدَّهم وتصاعد الهوان عليهم، فمُشاركتهم ليسوع بعاره وهوانِه هي التي ستؤهِّلُهم للإشتراك في انتصاره المجيد، ويسوع بقولِه أعلاه يُبَّشِّر الأبرار ويُنذِر الأشرار.
التشجيع الثاني
لا تخافوهم إذاً! والذي أقوله لكم في الخفاء، قولوه في وضح النهار. والذي تسمعونَه همساً في آذانِكُم، نادوا به على السطوح (متَّى10: 26-27).
لم يُرِد يسوع أن يُظهِرَ تعاليمَه بنفسِه علناً لِئلاَّ يقولوا له إنَّك تشهد لنفسِكَ، لذلك أباح بها سرّاً وقال لتلاميذه أن يُنادوا بها جهاراً وأمام الملوك والحُكّام. وإذا لقيتم مقاومة من أركان العالَم ستُصبح تلك المقاومة وسيلة فعالة لإنتشار الحَقِّ، فالتعاليم ليست كنزا تحتفظون به لأنفسكم لتتمتَّعوا به وحدكم، بل إنَّها نور يجب أن يُنشَر ليُبدِّد الظلام الخُلقي المتسربل به العالَم.


ليس مِن رَيبٍ بأنَّ الإضطهاد يُؤثِّرُ فينا بقوَّة لأنَّه يُحرِّك في داخلنا المخاوف وهذا ما يسعى إليه الإبليس، وإزاء ذلك علينا أن لا نخاف ونُصِرَّ على البقاء راسخين في الربِّ يسوع. فإذا انتابَنا الخوف يعني فتحَنا باباً للشيطان ليفرض سطوته علينا، أما إذا أظهرنا شجاعة في أثناء الإضطهاد فإنَّ قوة الشيطان تضمَحِلُّ تماماً أمام صلابة ايماننا، فيخسر المعركة التي شنَّها علينا. وهذا ما أوضحه يسوع < ما من مستور إلاَّ وسيُكشف وما من مكتوم إلا وسيُعلن > ويقصد بذلك كَيدَ الأعداء المُضطهِدين وتآمُرَهم ضِدَّ الله والشعب المؤمن به، مؤكِّداً بأنَّ ذلك معروف لدى الله، وسيكشفه لهم إذا اقتضى الأمر مِن أجل سلامتهم. وهناك الكثير من الشهادات بهذا الصدد في سفر أعمال الرُّسُل < ولما أزمع الوثنيون واليهودُ ورؤساؤهم أن يشتموهما أي "بولس وبرنابا" ويرجموهما، شعرا بذاك فلجآ الى مدينتَين من ليقونية وهما لسترة ودربة وما جاورهما (أعمال14: 5-6) < ولما طلع الصباح، دَبَّرَ اليهودُ مؤامرة فحرَّموا على أنفسهم الطعامَ والشرابَ أو يقتلوا بولس. وكان الذين دبَّروا هذه المؤامرة أكثر من أربعين. فجاؤوا الى عظماء الكهنة والشيوخ وقالوا: "حَرَّمنا على أنفسِنا أشدَّ التحريم أو نقتل بولس، فاعرضوا انتم والمجلسُ على قائد الألف أن يُحضِرَه أمامكم بحجَّة أنَّكم تُريدون الإمعان في الفحص عن أمره، أما نحن فإنَّنا مُستعِدون لإغتيالِه قبل أن يصِلَ إليكم" وبلغ خبرُ الكمين الى ابن أختِ بولس، فمضى ودخل القلعة وأطلع بولس على الأمر. فدعا بولس أحد قادة المِائَة وقال له: "إذهب بهذا الفتى الى قائد الألف، فإنَّ عنده ما يُريدُ إطلاعَه عليه" فسار به الى قائد الألف وقال له: "دعاني بولس السجين وسألني أن آتيكَ بهذا الفتى، لأنَّ عنده ما يقوله لك" فأمسكه قائدُ الألف بيده وانفرد به وسأله: "ما عندكَ فتُطلعني عليه؟" قال: "اتَّفق اليهودُ على أن يسألوك أن تُحضِرَ بولس غداً أمام المجلس بحُجَّة الإمعان في الفحص عن أمره. فلا تثِق بهم، لأنَّ أكثرَ من أربعين رجُلاً منهم يكمنون له، وحرَّموا على أنفسهم الطعامَ والشرابَ أو يغتالوه. وهم الآن مستَعِدّون ينتظرون مُوافقتَك" فصرف قائدُ الألف الشابَ، وأوصاه قال: "لا تُخبِر أحداً بأنَّك كشفتَ لي الأمر". ثمَّ دعا قائدَين من قوَّاد المِائَة وقال لهما: "أعِدّا للذهاب الى قيصرية في الساعة التاسعة من الليل مِائَتيٍّ وسبعين فارساً، ومِاتَين من الأعوان، وليؤتَ ايضاً بدوابٍّ تَحمِلُ بولس لإيصاله سالماً الى الحاكم فيليكس" وكتبَ إليه برسالةٍ هذا مضمونُها: "مِن قلوديوس ليسياس الى الحاكم المُكَرَّم فيليكس، سلام. إنَّ اليهود قبضوا على هذا الرجل وهَمّوا أن يقتلوه، فأدركتُهم بالجنود وأنقذته، لأنّي عَلِمتُ أنَّه روماني… (أعمال23: 12-27). < وسيظهر ذلك كُلَّه، كما أُعلِنُ في بشارتي، يوم يدين الله بيسوع المسيح ما خفيَ مِن أعمال الناس > (روما2: 16).

من المُحتمَل أن يُعلنَ الحقُّ على الأرض إقرارا بصُدق أصحابه، ولكنَّه سيُعلن بكامل الوضوح لدى مجيء الربِّ العظيم كما يقول رسول الأمم بولس < فلا تَدينوا أحداً قبل الأوان، قبل أن يأتي الربُّ، فهو الذي يُنير خفايا الظلمات، ويَكشِفُ عن نيات القلوب، وعندئذٍ ينالُ كُلُّ واحدٍ من الله ما يعود عليه من الثناء > (1قورنتوس4: 5) وإنَّ كُلَّ حَقٍّ مستور وأيَّ عملٍ مبرور حُجبا بشهادة زور، أو أيَّ كبتٍ لشهادة لا بدَّ مِن تأديتها، فلا بُدَّ أن يأتي زمن سيُرفع فيه ستار الشك والكذب عن وجه الحقيقة < لأنَّكم قد مُتُّم وحياتُكم مُحتجبة من المسيح في الله. فإذا ظهر المسيح الذي هو حياتُكم، تظهرون انتم ايضاً عندئذٍ معه في المجد > (قولوسي3: 4). < أيها الأحباء نحن منذ الآن أبناء الله وما أُظهِرَ بعدُ ما سنصير إليه. نحن نعلمُ أنَّنا نُصبحُ عند ظهوره أشباهَه لأنَّنا سنَراهُ كما هو > (1يوحنا3: 2) وقال صاحب المزامير < يُظهِر بَراءَتَك كالنور، وحقَّكَ ظاهراً كشمس الظهيرة > (مزمور37: 6). إنَّ مُقاومي الحق يستخدمون الوسائل التي يظنون أنَّهم بها تتحقَّق رغباتُهم، وإذا انتابَنا الخوف يُنسينا أنَّ الله هو الديّان (مزمور75: 7).
أما يُباعُ عصفوران بفلس ومع ذلك لا يسقط واحدٌ منهما بدون عِلم أبيكم. أما أنتم فشعر رؤوسكم نفسه معدود بأجمعه. لا تخافوا، أنتم أثمن من العصافير جميعاً. مَن شَهِدَ لي أمام الناس، أشهد له أمام أبي الذي في السماوات. ومن أنكرني أمام الناس، أُنكِرُه أمام أبي الذي في السموات (متَّى10: 29-33).
أساس عدم خوف الإنسان هو اكتشافه بأنَّ الله هو أبٌ مُحبٌّ يرعاه ويهتمُّ به وبالخليقة مِن أجله. وهذا الإهتمام يمتدُّ على مدى الحياة. وعلى الإنسان الثقة في محبة الله الى جانب خشية غضبه. فقد ذكر يسوع بأنَّ أعداء المؤمنين تقتصر على إيذاء أجسادِهم، والأجساد تلك يحرسها الله.

أراد يسوع بمَثل العصفورَين أن يُخبرنا بانَّ حتى مخلوقات الله الضئيلة القيمة هو حارسها، ولا يسقط واحد منها الى الأرض بغير عِلمِه، فإذا كان يعتني بها بكُلِّ هذه العناية، فكم بالأحرى أن يعتني بمَن سمَّ يسوع اللهَ أباهم! وهل هناك مُقارنة بين محبة الأب الأرضي وبين محبة الآب السماوي؟ كلاَّ، حيث يقول أنتم أثمن من العصافير جميعاً، حيث إنَّ شعر رؤوسكم نفسه معدودٌ بأجمعِه. وهذا دليل على علم الله الكامل بالإنسان وعنايته الكاملة به، حتى أنَّه يعتني بأمور الإنسان تلك التي يعتقد أنَّها لا تستحق العناية، لكنها عند الله لها شأن، فإذا كان شعر رأس الإنسان معدوداً، فبالتأكيد أنَّ دموعه وتنهداته وأوجاعَه مُحصاة كذلك.

أراد يسوع أن يشهد له تلاميذه وكُلُّ مؤمن به أمام الناس بدون خوفٍ، مُقِرين بأنَّه المسيح السيد والمعلم قولاً وفعلاً بدون اعتقاد او شكٍّ، ولا يقبل المسيحُ خِدمة أيٍّ كان ما لم تكن جهاراً مُهمِلاً كُلَّ ما لا يليق بهذا الإقرار واتباعه له، وعدم التأثر بالخوف من الناس، فتعاملُ الله معهم مستقبلاً سيتوقَّف على أمانتهم حاضراً. وما يفعله يسوع لهؤلاء بدوره هو الإعتراف بهم أمام أبيه الأزلي في السماء كما اكَّد ذلك في الآية 32. وبِشأن الإنكار ردَّدَ القول في الآية 33 وقد يتم إنكار المسيح في القول وربَّما بالفعل حيث يُمارس المسيحيُّ ما يُسيءُ الى دعوتِه، كسكوته حين ينبغي أن يتكلَّم. عند ذاك لا يتردَّد يسوع عن إنكاره أمام أبيه الأزلي، فيتعرَّض لمُختلف أنواع الشقاء، وناكر المسيح لا يسعه أن يرفع قضيتَه الى الآب، فالمرفوض من الرحمة لا يستحق عفو العدالة.
 

لا السلام بل السيف
قد يعتقد البعض بأنَّ قول يسوع " لا تظنوا أني جئتُ لأحمل السلام الى الأرض، ما جئتُ لأحمِل سلاماً بلا سيفاً" هو مناقض لمجيئه مِن اجل إحلال السلام على الأرض ولقوله سلامي أعطيكم. كلاّ، ليس هناك تناقض بل تحذير بأنَّ صراعاً سينشب بين الأبناء وآبائهم أي بين الرافض للمسيح والمؤمن به. أما التفريق بين الإبنة وأمِّها والكنة وحماتها، فتدلان بأنَّ الإبنة والكنة شبههما الرب يسوع بالكنيسة والأم والحماة بالمجمع، فلا بُدَّ من الحرب بينهما، إذ شتّان ما بين الكنيسة والمجمع فالكنيسة هي عروس المسيح المؤمنة به، والمجمع اليهودي هو الجاحد له. أما أهل البيت فهم بنو اسرائيل الذين جعلوا من أنفسهم أعداءً للمسيح حيث رفضوه وطاردوا رُسله وتلاميذه الذين من صُلبِهم.

ثمَّ إنَّ قيام العالَم بالتصدّي للتلاميذ وناشري البشارة السارة لم يكن مستغرَباً حدوثُه ولم يجر صدفةً، وإنَّما كان نتيجة مُلِحَّة وضرورية لإنتشار الحق، وكان لا بُدَّ لهم أن يتوقعوها. وقول يسوع: " لا تظنوا أنّي جئتُ لأحمل سلاماً الى الأرض بل سيفاً" ويعني بذلك بأنَّ العالَم لا ينتظر راحة وسلاماً في زمن يتطلَّب فيه التعب والكفاح، ولا يتوقَّع ثمار البشارة السارة كاملة في باديءِ انتشارها. ولكنَّ يسوع لُقِّبَ برئيس السلام! إذاً أليس من حقِّ تلاميذه أن يتوقعوا السلام للعالم من مجيئه؟ وليس من بُدٍّ أن تكون النتيجة كذلك، حيث الإنجيل أخبر بالسلام بين السماء والأرض (إشعيا9: 5-11 – لوقا2: 14) وبشَّر بسلام الضمير، وبالسلام بين الناس، إنَّها نتائج المناداة بالإنجيل الحقيقية التي لا مناص منها في النهاية. ولكنَّ النتائج الراهنة هي الحروب والعداوات والإضطرابات بين الأقارب بسبب عصيان البشر على الله وابتعادهم عن الحق.

السيف الذي أشار إليه يسوع هو كناية عن الحرب، التي عادة تسبق السلام، وها هي قائمة في المملكة المتمردة على ملكها الشرعي. أتى يسوع لمُحاربة الشيطان وكافة مساوئه < تسلَّحوا بسلاح الله لتستطيعوا مُقاومة مكائد إبليس، فليس صراعنا مع اللحم والدم، بل مع أصحاب الرئاسة والسلطان وولاة هذا العالم، عالم الظلمات والأرواح الخبيثة في السموات > (أفسس6: 11-12) < وجاهد في الإيمان جهاداً حسناً وفُز بالحياة الأبدية التي دُعيت إليها وشهِدتَ لها شهادة حسنة بمحضر من شهودٍ كثيرين > (1طيمثاوس6: 12) إنَّ السلام الذي رنَّمه الملائكة ليلة ميلاد المسيح لم يكن سلاماً بين المسيح وأشرار العالم، بل سلاماً بين الله ومُختاريه. والسيف الذي أشار إليه المسيح هو سيفه على الشيطان وسيف المُضطهِدين من أعداء المسيح ضِدَّه وضِدَّ المؤمنين به. والسيف هذا لا يبرح الأرض طالما الصراع قائم بين الحقِّ والباطل.
 

محبة المسيح وحمل الصليب
" مَن أحبَّ أباه أو أمَّه اكثر مِمّا يُحِبُّني فليس أهلاً لي. ومَن أحبَّ إبنَه أو إبنتَه أكثرمِمّا يُحبني، فليس أهلاً لي" تتحكَّم في الإنسان غريزتان طبيعيتان هما محبة الوالدين لأبنائهما ومحبة الأبناء لوالديهما وهذا الأمر ليس ممنوعاً وقد أوصى به الرب بشرط أن لا يفوق المحبة للمسيح، فمَن يُحبُّ المسيح كُلِّياً ويُبغض الإبليس اللعين ينال الحياة الأبدية، وعلى المرء المسيحي أن لا يُفرط في محبة الذات لأنها تُبعِده عن محبة الله الذي له تليق المحبة والإكرام أكثر من كُلِّ الخلائق!
" ومَن لم يَحمِل صليبَه ويتبعني، فليس أهلاً لي" يعني الربُّ يسوع بذلك أن يُجرِّد الإنسان نفسه عن محبة بارجة العالم وملذاته مُحتملاً كُلَّ الصعوبات والضيقات حُبّاً به، فحمل الصليب هو الصبر على الآلام والمشقات من أجل الفوز بالجزاء الموعود به من قبل الرب!
" مَن حفِظ حياتَه يفقدُها، ومَن فَقَدَ حياتَه في سبيلي يحفظها " يُحذِّر يسوع الإنسانَ من الإنغماس في لذائذ ومُغريات هذا العالم غير فاطم نفسَه منها، فجزاؤه يكون فقدانه لها في الحياة الأبدية!
" مَن قبلكم قبِلني أنا، ومَن قبلني قبِل الذي أرسلني " يقصد الربُّ يسوع أنَّهم بقبولهم لكم، يؤكدون محبتهم لي وللآب الذي أرسلني، أما إذا استهانوا بكم ولم يقبلوكم، فهو دليل على عدم تقيدهم بوصاياي وتعاليمي.
" مَن قبل نبياً لأنَّه نبيٌّ فأجرَ نبيٍّ ينال، ومَن قَبِلَ صديقاً لأنَّه صديقٌ فأجرَ صديق ينال " إنَّ الذي يقبل نبياً مُحترِما فيه صفة النبوَّة معلناً عن نية صافية غير مكترثٍ بالمجد والشهرة فينال عن ذلك أجراً حقيقياً وكذلك الأمر مع مَن يقبل صديقاً بصدقٍ وبنية حسنة لا غِشَّ فيها ينال أجراً حسناً.
" ومَن سقى أحد هؤلاء الصغار ولو كأس ماءٍ بارد لأنَّه تلميذ، فالحقَّ أقول لكم إنَّ أجرَه لن يضيع " أي إنَّ مَن يُحسن فعل الخير برغبةٍ حقيقية وإرادة صالحة لن يعدم الجزاء والمكافأة.


 

 

شاهد أيضاً

الأحد الأول من زمن الصيف: يسوع شاهد لشيء مختلف!

البطريرك لويس روفائيل ساكو الصيف زمن الراحة – العطلة، فالحصاد قد انتهى. وهذا الزمن الليترجي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*