الرئيسية / المقالات / فلسفة الصوم، نظرة تأريخية وتأملات روحية

فلسفة الصوم، نظرة تأريخية وتأملات روحية

 منصور سناطي
 
 الصوم يعني الإمساك والانضباط للجسد والنفس، والله أوصى آدم أن لا يأكل من شجرة الحياة، وإن أكل فموتا ً يموت، وهو الأمر الأول بالصوم، (التكوين 2:17،3،4،5).
 والصوم هو عبادة بين الأنسان والخالق، ويعني أن تكون سيداً على أهوائك وشهواتك، وإذلالاً للنفس المؤدي إلى التواضع والتنقية، وكما يحتاج الجسد إلى التنظيف، كذلك النفس تحتاج إلى التنقية، بالصوم والصلاة والإبتعاد عن الشرور، مقروناً بإلإحسان المؤدي إلى اليقظة. الصوم هو إخصاءاً لرغبات الجسد وشهواته، وترويضاً للنفس من الشرور والتخيلات المنحرفة.
 ويقال للصوم جناحان هما الصلأة والإحسان، لا يطير إلا بهما، وهو كالشمس التي تزيل غشاوة الضباب عن النفس تدريجيا ً، وهو سلاح فعال لمحاربة الشيطان، وهو نور للنفس ويقظة للعقل، وهو الجهاد ضد الشهوات وكبح لجماح الغرائز.
 وصام موسى أربعين يوماً على الجبل قبل تسلّم الوصايا فصار معايناً الله (خروج 18:24، 28:34).  وصام سيدنا المسيح أربعين يوماً، فحارب شهوة الجسد، وإنتصر على إغراءات  الشيطان، (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله).
 وفي القرون الأولى، كان الصوم إنقطاع كامل عن الأكل نهاري الجمعة والسبت العظيم. وفي القرن الثالث، جاء في مخطوطة ذيذافي، إمتد الصوم لكل الأسبوع العظيم، وفيه: إنقطاع عن اللحم والبياض حتى الغروب.  وفي القرن الرابع كانوا يصومون في أورشليم أربعين يوماً، كما أوردته إمرأة أثريا والقديس كيرلس الأورشليمي.
 وهناك مخطوطة (400) سنة م من قوانين الرسل: الصوم أربعين يوماً من الصباح حتى التاسعة مساءً وإنقطاع عن اللحم والبياض، وتضيف المخطوطة: إن كانت صحتكم تسمح لكم.
 وليست في الكنيسة قوانين واضحة محددة وثابتة للصوم، فأصبح تقليداً، والذي بات فيما بعد كقانون، والآن هي إرشادات وليست أوامر قاطعة.
 وفي مجمع ترلو (692) م أصدر قانوناً برقم 56 يتكلم عن اللحم والبياض، ويقول الصوم إلزامي. وفي القرن الثامن والتاسع، أصبح الصوم الأربعيني المقدس في الكنيسة اليونانية رسمياً، دون تمييز الأديار عن الرعايا.
 ويقر علم الإنسان (الأنتروبولوجي)، بأن جمجمة الإنسان القديم كانت صغيرة لكونه  نباتياً، والذي يصوم يصبح دمه خفيفاً، ويصبح لديه فقر دم، ولكن تتنشط الروح ويصفى العقل والفكر.  والصوم لا يعني التمسك بالقشور وترك الجوهر، والصوم هو: الإبتعاد الطوعي عن كل ما لا يحسن في عينيّ الله، كالكذب والسرقة والقذف والشهوات والأنانية والكراهية، وعدم التعامل مع الناس بتأفف وغضب بحجة الصوم، وكأن الناس مدانين لنا أو نعمل فيهم معروفاً ولا نقود سياراتنا بسرعة ونتجاوز على الآخرين، والصوم هو إطعام للجياع وإكساء للعراة، فنمرّن أنفسنا عن الإستغناء عن هواية أو طعام أو شراب أو عادة محببة، وبذلك تسمو نفوسنا وتتعزز قدراتنا الإنضباطية على أجسادنا ونفوسنا وأفكارنا، مع تحياتي للجميع بالصيام المتنور والفهم التام المتيقّن بإدراك فلسفة الصوم، ولماذا نصوم؟

 

 

شاهد أيضاً

والحقُّ يُحَرِّرُكم

الشماس د. كوركيس مردو فقالَ يسوعُ لليهودِ الذين آمنوا به: إنْ ثَبَتُّم في كلامي كنتم …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*