الرئيسية / اخر الاخبار / حول كلمات البابا فرنسيس في عزوبية الكهنة ومعيار “خلاص النفوس”

حول كلمات البابا فرنسيس في عزوبية الكهنة ومعيار “خلاص النفوس”

بقلم: أندريا تورنيلي، ترجمة: منير بيوك

في أول مقابلة له مع صحيفة ألمانية تم نشرها في "دي تسايت"، جدد البابا فرنسيس قوله أنه ليس لديه النية لتغيير النظام الكنسي الخاص بالعزوبية الكهنوتية المطبقة لقرون عديدة في الكنيسة اللاتينية الكاثوليكية. وأقر البابا أن "أزمة الدعوات الكهنوتية" تشكل مشكلة كبيرة"، و"سيكون على الكنيسة حلها". ولكن "العزوبية الطوعية ليست حلاً"، كما أنها لا تفتح أبواب المعاهد الإكليريكية للذين ليس لديهم دعوة حقيقية. إن السماح للكهنة أو كهنة المستقبل بالزواج لا يحل أزمة الدعوات. "لقد طلب الرب منا أن نصلي. وهذا ما نفتقده: الصلاة". هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به مع الشبان الذين يبحثون عن النصح". إنه عمل "صعب" لكنه "ضروري" لأن "الشبان يطلبون ذلك". إلا أن البابا قال أيضًا: "نحن بحاجة إلى الأخذ بعين الإعتبار إذا كان اختبار الرجال المتزوجين المدعوين للخدمة الكهنوتية (viri probati) ممكنًا. إذا كان الأمر كذلك، فإننا بحاجة إلى تحديد الواجبات التي يستطيعون الإطلاع بها، على سبيل المثال، في المجتمعات النائية".
لم يكن خافيًا على أحد أن إلغاء الإلتزام بالعزوبية لأولئك الذين يصيرون كهنة لم يكن على جدول أعمال البابا كما لم يكن ضمن رغباته. لقد قال ذلك علنًا في السابق قبيل الانتخابات. فحينما عرف باسم الكاردينال بيرجوليو، قال إلى الحاخام سكوركا: "أنني أميل إلى الحفاظ على العزوبية مع كل إيجابياتها وسلبياتها، لأن لدينا عشرة قرون من التجارب الجيدة". وأضاف: "لهذا التقليد قيمته وصلاحيته". لقد اختار الكهنة الكاثوليك بصورة تدريجية العزوبية. فحتى العام 1100 كان الأمر اختياريًا، التزم به البعض ورفضه الغير… أنه لأمر يتعلق بالانضباط وليس بالإيمان. بالإمكان تغييره. لكن بصورة عامة، لم تخطر على بالي فكرة الزواج مطلقًا". وأوضح البابا عدة مرات أن العزوبية "ليست عقيدة" إنما "نعمة. لكنها نعمة كبيرة".
منذ ما يزيد عن ثمانمئة عام، في العام 1179، قضى مجلس لاتران الثالث بأن العزوبية الكنسية ليست ذات طبيعة إلهية إنما هي طبيعة قانونية فقط، وهي تقليد ينتمي للكنيسة اللاتينية. وقرر مجلس لاتران الثالث عدم تغيير هذا "الانضباط الرسولي" على مدى المجامع المسكونية السبعة الأولى (التي اعترفت بها أيضًا الكنيسة الأرثوذكسية)، والتي سمحت بالسيامة الكهنوتيه أيضًا للرجال المتزوجين. إلا أنه، مع ذلك، لم يسمح بالزواج بعد السيامة الكهنوتية. فالحقيقة أن الكنائس الشرقية -سواء الأرثوذكسية أو الكاثوليكية- تسمح بالسيامة الكهنوتية للإكليريكيين المتزوجين، ولكنها لا تسمح بالزواج للذين سيموا كهنة. في حين اختارت الكنيسة اللاتينية السيامة الكهنوتية للعازبين فقط. فقرار المجمع الفاتيكاني الثاني الذي خص النظام الكهنوتي (Presbyterorum ordinis) يقر أن اختيار العزوبية ليس مطلبًا أساسيًا من طبيعة الكهنوت.
حتى أن الكنيسة الكاثوليكية قد عقدت بالفعل زواجًا لكهنة: إنهم كهنة ينتمون إلى كنائس شرقية مرتبطة مع روما. كان هناك استثناءات وقرارات أخرى ذات صلة بحالات طارئة. فخلال حبرية البابا بيوس الثاني عشر، عام 19511، قامت الكنيسه الكاثوليكية بسيامة رعاة إنجيليين سابقين. واستمر هذا الإجراء في العقود التالية. فإذا كانت الحالة تتعلق بأسقف يرغب بالزواج، كما كانت الحالة مع الإنجيليين، فبالإمكان سيامته كاهنًا، لكنه لن يحصل على ملىء السيامة الأسقفية في الكنيسة الكاثوليكية.
كانت أكثر التعليمات أهمية المتعلقة بهذا الشأن هي التي أقرها البابا بندكتس السادس عشر عام 2009 في الدستور الرسولي المتعلق برسامة الإنجيليين (Anglicanorum coetibus) وبإنشاء الرسامة الأنجلو-كاثوليكي بغرض العودة من جديد إلى الوحدة مع روما، والمخصصة للرعاة والأساقفة والكهنة في الكنيسة الأنغليكانية.
إنها وثيقة تنص بشكل فعال على إمكانية وجود إكليروس متزوج داخل الكنيسة اللاتينية، على الرغم من أنه استثناء مرتبط بمعايير وشروط محددة. في الفقرة الثانية من المادة السادسة من الدستور، وبعد الإشارة إلى قرار العزوبية، أصدر البابا راتسينغر قرارًا يسمح بإمكانية "السماح للرجال المتزوجين، في كل حالة على حدة، بالدخول في النظام الكهنوتي المقدس، وفقًا لمعايير موضوعية يوافق عليها الكرسي الرسولي". وورد الأمر ذاته في الأحكام التكميلية المرفقة للوثيقة البابوية التي أعدها مجمع عقيدة الإيمان بموافقة بابوية، حيث تنص أنه بالإمكان "تقديم طلب إلى الأب الأقدس لقبول الرجال المتزوجين إلى النظام الكنسي، بعد عملية تمييز بناءً على معايير موضوعية وعلى احتياجات إجراء الرسم الكهنوتي بحد ذاته. إنه نص الذي لم يغلق الباب أمام الاحتمالات المستقبلية.
في حزيران 2014، أصدر البابا فرنسيس مرسومًا خاصًا يسمح للكهنة الشرقيين المتزوجين بالعمل في رعايا المهجر، أي في الأماكن الواقعة خارج مناطقهم. وقد ألغى هذا المرسوم الحظر القائم سابقًا. لقد كان ذلك استجابة مرة أخرى لحاجة ملحة تلبي احتياجات المؤمنين. كما كان هذا القرار الوحيد الذي اتخذه البابا الحالي حتى هذا اليوم في هذا الموضوع. ومن المعلوم أنه في السنوات الأولى من بابويته، تلقى البابا فرنسيس طلبًا من أسقف الأمازون طالبا منه إصدار أمر يتعلق باختبار الرجال المتزوجين المدعوين إلى الخدمة الكهنوتية (viri probati) لأنه بإمكانهم الوصول إلى مجتمعات السكان الأصليين وتقديم الأسرار المقدسة لهم. لقد كان اروين كروتلر، الأسقف من أصل نمساوي، الذي شغل راعيًا كنسيًا في شنجو، من طلب ضمانات روحية ومساعدة في الأسرار المقدسة في بلد ينتشر فيه 700 ألف مؤمن، موزعين على 800 رعية، ويخدمهم فقط 27 كاهنًا.
نستنتج من كلمات البابا في مقابلته مع " دي تسايت" أن إصلاح الانضباط في العزوبية ليس في أفق تفكيره، ولم يكن أبدًا على جدول أعماله، في حين أن اختبار الرجال المتزوجين المدعوين إلى الخدمة الكهنوتية (viri probati) هي قضية مفتوحة تحتاج للتعامل معها بحذر. فكما اتضح من الكلمات التي استخدمها بيرغوليو في موضوع رسامة الرجال البالغين، ففي نهاية المطاف، حتى المتزوجين منهم الذين أثبتوا أن لديهم إيمان وخبرة مثبتة، لا ينبغي اعتبار ذلك ردًا على أولئك الذين يأملون في أن زواج الكهنة سيملىء الإكليريكيات ويتجنب بعض التجاوزات الجنسية. وقد اتضح ذلك من إحصاءات الكنائس التي ألغت التزام بالعزوبية. أما بالنسبة للمشاكل المتعلقة بالأمور الجنسية، أو جريمة استغلال الأطفال الرهيبة، فإن تلك الإحصائيات ذاتها تشهد تكرارها في نطاق الأسرة، وبالتالي لا ينبغي أن ترتبط بالصعوبات المتعلقة بحياة العزوبية.
ويبدو واضحًا إنه إمكانية رسامة الرجال الذين يتم الإستجابة لطلبهم (viri probati) ستظل مرتبطة بحالات معينة محددة وتحت ظروف معينة، وذلك بهدف تحقيق معيار خلاص النفوس (salus animarum)، الذي يجب أن يكون الهدف لكل إصلاح كنسي، ألا وهو إمكانية الوصول إلى مناطق وتجمعات سكانية بقيت لفترة طويلة تعاني من عدم الحصول على الأسرار المقدسة. في السادس من شباط 2016، قال أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان بيترو بارولين في ختام مؤتمر عقد في الجامعة الغريغورية الحبرية: "في الوقت الراهن، كثيرًا ما يبرز نوعًا من ’الطوارئ المتعلقة بالأسرار المقدسة‘ خاصة في بعض المناطق التي تفتقر إلى كهنة. وإذا ما بدى الأمر ليس ذي أهمية، فلن يكون هناك الحاجة لإيجاد حلول متسرعة مبنية على الحاجة الملحة. فالحاجة إلى الكرازة بالإنجيل، جنبًا إلى جنب مع تاريخ الكنيسة وتقاليدها متعددة الجوانب، يخدم المناقشات القانونية بدافع إعلان الإنجيل، بحيث تجرى بطريقة بناءة، تحفظ جمال "وعظمة اختيار العزوبية".

 

شاهد أيضاً

امسية تراتيل في كنيسة مار كوركيس الكلدانية في بغداد الجديدة

الكنيسة التي لاتعطي شهداء هي ام عاقرة هي شجرة يابسة فائق عزبو بمناسبة تذكار شفيعها …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*