الرئيسية / المقالات / عذراً: المسيحيون أصلاء مهجَّرون، راحلون، مطرودون أم عائدون

عذراً: المسيحيون أصلاء مهجَّرون، راحلون، مطرودون أم عائدون

الاب بيوس قاشا

 في البدء
    ما هذا الواقع المرير الذي نعيشه، بل ما هذه القساوة التي تتّسم فيها قلوب البشر؟، وما هذا الاضطهاد الذي تعانيه شعوبنا وأبرياؤنا بالحق والحقيقة في أرض الوطن التي أصبحت مجبولة بدماء الشهداء والضحايا الأبرياء، وملونة بألوان الشعوب البائسة في العراق الجريح؟… مشاهد مؤلمة ترينا حقد وكراهية الدواعش الذين دنّسوا أرضنا بأعمالهم الشيطانية، وباعوا ضمائرهم بحلّ الآيات والتكفير مدّعين أن كل ذلك غنائم ونسوا أنها سرقات في وضح النهار والسارق لا يرث ملكوت الله (1كو9:6)، ولكنهم في ذلك يشترون جنّتهم، هكذا يقول لهم دينهم وتعليمهم. ولكن مهما توغّلوا في الجرائم ستبقى أصولنا في أرضنا وجذورها في سهلنا، ومهما كانت المصالح السياسية يتقاسمها كبار الزمن وأسياد دنيانا ستبقى الحقيقة في تاريخ المسيرة ولن نموت، وإنْ متنا سنحضن ترابنا ونُنشد لسمائنا كلمات الحب وأغنية السلام وأنشودة الرجاء وترتيلة الأمل والبقاء.

ضحايا أبرياء
    هذا المشرق عُرف بأصالته وبأصوله، والمسيحيون أصلاء، والتاريخ شاهد على حقيقة الحياة هذه، والأجيال ترافق هذه المسيرة. إنهم أصلاء الأرض وأصيلو الحضارة ولكن قد ملأ الخوف قلوبهم وسالت دماؤهم دون ارتكاب أية جريمة، فهم ضحايا أبرياء منذ الإبادة في زمان قد ولّى وحتى اليوم، فهم مطرودون ومخطوفون، سلبوابيوتهم وعقاراتهم ومساكنهم، وقد نهبوا كل ما يملكون حتى ما وهبهم الله من خيرات وبركات، ولكن ما ذلك إلا مؤامرة بل جريمة لإهلاك مسيحيي الشرق وطردهم من ديارهم من أجل بناء عالم وحيد في الكلمة والآية وكأنه في عمل الإرهاب هذا يدافعون عن حقيقة قول السماء في مجتمع لا يقبل مجتمعاً مختلفاً عنه وكأنهم أُنزلوا من علُ فيحمّلوننا وزر إنزالهم فنكون ضحايا وحملاناً لإبراهيم، وكل ذلك مُحال أمام عيوننا ومسامعنا وإحساسنا وليس لنا لا حول ولا قوة إلا استنكار وبيان، والمؤامرات رغم ذلك تزداد عنفاً واضطهاداً وتدميراً ولا أعلم إنْ كنا نُدرك مداها كي نمدّ أيادينا في قبضة واحدة فيساعدنا وينقذنا مَن بيديه القرار والحلّ.

حقيقة الاضطهاد
    نعم، مرّ السادس من آب 2014 وما حمله إلينا بلياليه ونهاراته، لقد كان يوم الإبادة بالحق والحقيقة، ولا يمكن لإبن سهل نينوى _ مواطن القرى المسيحية والمكونات المسالمة _ أنْ ينسى ما حلّ به وما قاساه وما احتمله، فقد تعرض للنهب والسلب، للتهجير والتكفير، في إبادة تاريخية لم يُسجّل قبلها التاريخ إلا في الأزمنة الغابرة ولا زال يدفع ضريبة التهجير حتى الساعة ويشدّ الرحيل حتى اللحظة وحقيقة الاضطهاد في المسيرة كلها… ما هذا النهج الأصولي المقيت؟، أسألكم _ بالله عليكم _ ما هي الخطيئة التي ارتكبها شعبنا حتى يُطرَد من دياره؟، ما هي الجريمة التي ارتكبها شعبنا حتى تُنهَب أمواله وتُسرَق ممتلكاته وتُحرَق بيوته ومساكنه؟، وما هي الحيلة التي قام بها شعبنا حتى تُنهَب مخازنه ويُطرد بلباس الليالي؟، عرياناً خرج من بطن أمّه (سفر الجامعة 15:5) وهاهو عرياناً يطرده داعش الإرهابي المجرم، وما الإجرام إلا كلمة لا تفي بحقه.
    شعوب جارتنا سنيناً وأعواماً، أكلت من أرزاقنا، خُدمت من على موائدنا، عُلّمت ووُضعت في صف الحضارة من قِبَل كفاءاتنا بثقافتها وعلمها وعقولها النيّرة لكي تنيرهم، ولكنهم أحبوا الظلمة على النور (يو3:19)، فهجموا علينا كوحش، والوحش حين يصيد صيده يأكل فيشبع وينام ولكن ما حمل هؤلاء الإرهابيون إليهم، إنهم أكلوا وشبعوا وفي بيوتنا ناموا لياليهم ثم أحرقوا ودمّروا وكسروا وحفروا مغاور خنادقهم كجرذان تمشي في ليالي الدنيا الفاسدة وهم يحملون على جباههم ما رسمه الله لقائين القاتل(تك 15:4)… وبئس تاريخ إذا كان ينصفهم يوماً بآية أو بكلمة أُنزلت عليهم.

إلى دياري
    أليس من حقي أن أخاف من العودة إلى دياري؟، أليس من حقي أن أسأل مَن هذا الجار الذي كان يوماً عبداً وخانعاً أصبح قاتلاً وإرهاباً ويريد اليوم أن تتحنّن عليه الدنيا والحياة فتُنصفه عن سرقته وإرهابه وتدميره للأبرياء الأصلاء الذين كانوا في مسيرة البناء والعطاء حيث لم تحمل قلوبهم يوماً حقداً على جارهم أو كراهية تجاهه، فلماذا هذه المجازاة؟، وما تلك إلا جرائم نناشد فيها أنْ لا تعبر عبور الفساد بل في حقيقة العدالة وقانون الزمن.
    نعم، إبتُلينا في صراعات طائفية مقيتة، ومذهبية مميتة، في عولمة مزيفة ودنيا فاسدة ومصالح أنانية ودينية مكفّرة بفتواها، ومَن يرتكبها لا يعتبر نفسه إلا من حقه أن يكون جاراً لكبار الزمن ولكراسي الدنيا. فهل ابتُلينا بهم أو بوطن باعوه لأنانياتهم، أو طاعة خانعة ومزيفة لرئاسات أُدرجت في مسار الدستور الذي مزّق شعبنا ومكوِّناتنا، وكسّر أعمدة الوطن وحبّه وأصخبوا نشيد مقامه؟.

رجاء وبقاء
    نعم، سيبقى أملنا كبيراً ورجاءً ملؤه الحياة والبقاء، وشوقنا سيتجدد كل صباح ومساء في العودة لاستنشاق هواء سهل نينوى ونسماته العليلة، ورائحته ستبقى عالقة في أنوفنا تصعدها كل صباح ومساء شهيقاً لأنفاسنا ينشد عودتنا وإنْ كانت مؤلمة وأليمة، فالأرض أرضنا مهما دنّسها الأشرار، والأرض أرضنا مهما لوّثها الفاسدون، والأرض أرضنا مهما قالوا عنّا راحلون، وصحيح أننا في عودتنا متألمين، فالله رحمن رحيم وأمين سيرافقنا في مسيرتنا، إنه سبيل المستقيم في قلوب الأبرياء وليس في كتب وآيات الإرهاب ولو كَرَه الكافرون
(سورة الصف؛ آية 8)، فنحن الحقيقة بعينها وبأَمِّ حقيقتها، وعودتنا ستكون بعونه لوحة نزيل فيها عن قلوبنا الخوف لكي نقف يوماً صدّاً إذا ما كان الإرهاب يعاود جرائمه وسرقاته ومسالكه البغيضة، وأرضنا لن نبيعها ولن نبكي عليها إلا بأغلى دموع نسكبها ونحن لها صادقون (سورة الحجر؛ آية 64).
    ما نحتاجه أن تكون الأجهزة الأمنية أمينة على حماية كل أبناء سهلنا، أمينة على بقائنا ووجودنا، وفيّة على أصالتنا وتاريخنا، فما مزّقه داعشه وما نهبه وسلبه وما أحرقه ودمّره سنكون له بُناة من جديد ولن نسمح بعد اليوم أن نكون مهجَّرين أو مطرودين، ولن نترك ديارنا من أجل خبزة الصباح وجلسة المساء والنيام حتى الظهر بل سنسهر من أجل حماية أرضنا، وسنذيع عبر مزمار داود "عودوا إلى مساكنكم فربّ الجنود ينتظركم"، فلا تيأسوا ولا تخافوا مِمَّن يقتلون الجسد (متى28:10)وليس بإمكانهم أن يعملوا شيئاً آخر فأنتم حقيقة الحياة والحياة فيكم لأن خالقكم ربّ الجنود وليس ربّ الإرهاب، لأن خالقكم يسمعنا حينما ندعوه بصراخنا ليلاً ونهاراً "فهو من جميع مضايقهم ينقذهم" ( مز34: 18).

مسيرة الرحيل
    نعم، من حق شعب أن يرحل، هكذا تقول مسيرة الحياة وتُنشد عولمة الزمن، ونحن في عالم لا يعرف كيف يسكت ولا يعرف متى يكون الصمت والهدوء. إننا في عالم يزداد في الصخب والصياح، وكلٌّ ينادي "ما أتعبني وما أشقاني"، فلا تخافوا وإنْ طالت ساعات ليلنا، ولا تكونوا سبباً في اقتلاع جذورنا من أرضنا برحيلنا وهجرتنا وطردنا، فأنتم أصلاء الحضارة بل بُناتها، ولا تكن أرضكم الموعودة (تك 15:18-21) إلا أرضكم التي من ترابها خُلقتم وما أعظم عمل الله فهو أرادكم في هذه الديار شهادة لحقيقة حب الله وشهوداً لمسيرة الخلاص في المسيح الحي الذي أحبّنا حتى الموت من أجلنا (رو8:5)، وإلا هل يعجبكم أن تُخلى هذه الأرض من مسيحية إيماننا، من إيمان أجدادنا، من مذابح كنائسنا، من صوت يصدح بالصفرو والرمشو والذبيحة؟، ما بالكم أيها الأحبة فأنتم لستم إلا خراف بين ذئاب (متى16:10) فلا تخافوهم (متى27:14)ندعوكم أن تكونوا شجعاناً، فالرب يسوع يقول لا تخف أيها القطيع الصغير (لو32:12) فالحياة ليست في عالم الزمن بل في دنيا الملكوت، فحيث إيمانكم هناك حقيقتكم، وحيث شهادتكم هناك دياركم، وحيث أنتم شهود فأنتم لها آمنون.

والعـودة صوت
    هل ستبقى العودة صوتاً إعلامياً أم رسالة إنسانية أم جواباً سياسياً أم إخراجاً تلفازياً؟، فالخدمات تنادي بعد تدميرها، والسرقات تصيح بعد غياب كل شيء، وحتى الزوايا المظلمة تشهد _ وبكل تأكيد _ على جرم داعش وجريمة الإرهاب، والمخازن والصومعات والأديرة والمعابد تنشد حقيقة تدميرها، وأزاد الظلاميون في تدمير كل شيء، وطال الاحتلال كل شبر وكل بيت وشارع، وحتى أبراج الهاتف قُلعت وأُذيب رصاصها، شاهدة على أخلاق السرقة التي تشهدها العناصر المجرمة… إنهم مملكة الشرّ، بل هم جوقة بعلزبوب(2ملوك1: 2؛ متى22:12-24)… والله في ذلك خير العارفين.

 في الختام
    نعم، متى تشهد الحياة لحقيقة الوجود ومتى تنزع من الأصوليين أفكارهم الإرهابية، ومتى يحمل الجميع الحوار والحكمة في الكلمة والمسيرة وفي وحدة الهدف!… أيجوز أن نبقى ضحايا العنف والإرهاب؟، أنبقى مطرودين من ديارنا رغم أصالتنا وأصولنا؟، أنبقى مهجَّرين بين أصقاع العالم والدنيا رغم تعلّقنا بأرضنا؟، ألا يرحمنا التاريخ ونحن الذين كتبناه؟… حتى متى نُشترى بصدقه ونُباع بفلسين في زوايا الدنيا المظلمة.
    فيا كبار الزمن وأسياد الكراسي، كفانا كلاماً وبيانات واستنكارات وشجباً وكل ذلك أوهام إنْ لم تكن الحقيقة شاهدة على مسيرة الأيام والوطن. فدرب المسيح في الجلجلة انتهى بالقيامة، أما دربنا نحن كان ولا زلنا وهل سنبقى نسير فيه!، فمتى تكون القيامة ومتى يقال عنا "لكم حقوقكم، والدستور ينصفكم، ومسيرة الحياة ترافقكم. فأنتم الأصالة والحضارة والتاريخ"، وفي ذلك تُكتب نهاية المأساة، فلا مطرودون ولا مهجَّرون ولا راحلون بل عائدون… نعم، إنها الحقيقة بأَمِّ عينها ليس إلا!.

 

 

شاهد أيضاً

الأحد الأول من زمن الصيف: يسوع شاهد لشيء مختلف!

البطريرك لويس روفائيل ساكو الصيف زمن الراحة – العطلة، فالحصاد قد انتهى. وهذا الزمن الليترجي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*