الرئيسية / المقالات / الانتشار المسيحي الاول والكنيسة المنزلية الأولى

الانتشار المسيحي الاول والكنيسة المنزلية الأولى

الاب وسام متي / ميشيغان

 بالطبع أن فكرة الكنيسة التي نعرفها اليوم لم تكن موجودة في ذلك الوقت اي وقت البزوغ الاول لأنتشار وتأسيس النواة المسيحية الاولى. ويرجع هذا السبب:-
 اولاً: الى عدم إكتمال ونضوج الفكرة لاهوتياً من خلال كلام المسيح الذي أشارَ الى ضرورة الإنتقال في البشارة من قرية الى قرية ومن مدينة الى مدينة، والتي سلكَ فيها المبشّرون الطرق التجارية المهمة الكبيرة والتي كثيراً ما كانت تقع هذه الطرق على المدن المهمة الكبيرة المتعددة الحضارات والثقافات، وكأنّ يوم الرب آتٍ قريباً. وقد تبينَّ فيما بعد نجاح هذه الخطوة على المدى البعيد اي الى وقت بناء الكنائس لأن البشرى قد وصلت الى أغلب مدن العالم آنذاك، وايضاً تبنّي قسطنطين للايمان المسيحي وأعلانه رسمياً.
ثانياً: الفترة الاولى من التبشير كانت تعّجُ بالكثير من الإضطهادات وكانت صعبةً جداً على المؤمنين الأوائل في بناء كنيسةً معينة لهم.
 ثالثاً: اذا رجعنا الى العهد الجديد نرى في سفر اعمال الرسل 2: 46 يقول لنا " وهم يُلازِمون الهَيكَل كُلَّ يَومٍ بِقَلبٍ واحد، ويَكسِرونَ الخُبزَ في البُيوت". ويتحدث هذا السفر عن جماعة كبيرة في اورشليم يلتقي المؤمنون فيها في ساحةٍ عامة، او يلتقون في مجاميع صغيرة في البيوت كما في اعمال الرسل 12:12 " ثُمَّ تَحقَّقَ أَمرَه فمَضى إِلى بَيتِ مَريَمَ أُمّ يوحَنَّا المُلقَّبِ مَرقُس". وكان هذا التقليد يُحمَل الى العديد من المدن التى بشَّر التلاميذ فيها. ان الكنيسة الأولى كانت تعتمد على الأشخاص او المؤيدين والمُشجّعين للايمان الجديد الذين كانوا أصحاب البيوت الكبيرة او الذين كانوا يزوّدونهم بالأمكنة الكبيرة من أجل صنع ذكرى يسوع. ولربما نجدُ صحة الكلام في المُكتَشف الأثري العظيم في ( دورا يوروبوس) على نهر الفرات، المنزل الكنسي الأول والفريد في الفترة ما قبل سنة 313م. والذي كان في الجزء الشرقي من حدود الإمبراطورية الرومانية في سوريا. اي الجزء الغربي للإمبراطورية الفارسية في العراق، كما هو وارد في الخريطة أدناه. والذي كان يربطُ بين الكثير من الزوايا المسيحية الاولى في العصر المسيحي المؤسس من خلال الإلتقاءات المتشابكة. أنظر خارطة بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وموقع ( دورا يوروبوس) في الوسط المُشار اليها بالمربع، وهي في قلب المنطقة بأسرها.

دورا يوروبوس:
 توضح لنا هذه الخريطة آدناه مدى أهمية هذه المدينة وجغرافيتها الرائعة فهي تقع في منتصف العالم القديم اي ملتقى الشرق والغرب. وكانت تحتضن كل الثقافات والحضارات، فقد كانت حقيقةً هي المتننفس والمنفذ الأول للأنتشار المسيحي وذلك للأسباب التالية:-


1- كانت ( دورا يوروبوس) الرابط ما بين الشرق والغرب الأساس الذي لا بد منه للإنتشار الاول. ولأنها تقع في قلب الشرق، والهوية واللغة الآرامية التي كانت حينذاك من اللغات العالمية لأنها كانت لغة الإمبراطورية الفارسية رسمياً بجانب اللغة الفارسية، فكانت لغة من لغات العالم القديم في الشرق بدون منازع.
2- ان ثقافة اهل المنطقة اي ( دورا يوروبوس) ومنطقة الفرات والمناطق المحيطة بها كانت تحت التأثير الحضاري السرياني الآرامي، والذي هو قريب الى الفكر اليهودي كونهما ينبعان من نفس الأصل الآرامي، وقد نما كليهما في نفس البيئة وخضعا لنفس التأثيرات سواء السياسية،الإقتصادية،الأجتماعية والثقافية.
3- وكانت قد أصبحت ( دورا يوروبوس) المحطة الأولى والأساسية لطريق الحرير القادم من الصين والمغادر اليها، والذي يتشعّب الى الكثير من الطرق الأخرى وهو الذي يصل الى البحر الابيض المتوسط. وهكذا، فقد أصبح طريقاً لمرور القوافل والمبادلات التجارية وايضاً ملتقى للأفكار والمبتكرات والمعتقدات والتمازج الثقافي خلال تلك الفترة الثلاثة قرون اي قرن كامل قبل المسيح والقرنين الأولين من المسيحية، وأصبحت ( دورا يوروبوس) المدينة الحضارية العالمية إمتزجت فيها حضارات العالم القديم.

 

الضربة الأولى الناجحة:
 ان الضربة الناجحة الأولى التي صنعتها الجماعة المسيحية الأولى، كانت في تبنّي التبشير الأول للجماعة اليهودية التي كانت تعيش في ( دورا يوروبوس) لأنها كانت في حالة جيدة وخاصةً كان أكثريتهم هم اليهود المسبيّون الى بابل والذين إستقروا في تلك المنطقة، وكان لديهم معبد في هذه المدينة.
1- لأنهم من الإداريين والموظفين الذين تمَّ الإعتماد عليهم من قبل الفرس في إدارة إمبراطوريتهم ومقرها ساليق-طيسفون ونظراً للعلاقات التي كان لديهم مع كل العاملين في مفاصل الدولة الفارسية حينذاك.
2- بالأضافة الى اليهود فلقد كان هناك الكثير من الآراميين والتدمريين وشعوب ما بين النهرين واليونان والفرس والرومان والبربرالقادمين مع الجنود الرومان. ومن خلال وجود الكثير من الديانات، فدخلت المسيحية كلاعب جديد يضرب ضربته وبقوة الروح القدس كي ينشر التعليم القائم على الحقيقة بشخص يسوع المسيح، وهنا تمَّ إنشاء اول كنيسة في منزل أحد الداعمين الذين كانوا يقفون مع التلاميذ والمؤمنين الأوّلين، وتمَّ ايضاً بناء وتخصيص حوض خاص للعماذ. ولقد تمَّ ايضاً من خلال الإكتشافات العثور على أقدم رسم تصويري للرب يسوع، ويصور هذا الرسم أعجوبة معجزة شفاء المقعد. وتوجد هذه اللوحة في جامعة يالي في نيويورك. ولقد إكتشفت البعثة الأمريكية في عام 1934 على قطعة من مخطوطة " ططيانوس ' السوري". ففي وسط هذه الثقافات والحضارات والديانات المختلفة تمَّ خلق حالة فريدة جديدة من نوعها في هذه المدينة. وهكذا تم وضع حجر الزاوية في البنيان الجديد، التبشير بالمسيحية بين مختلف الديانات في هذه المدينة الحضارية من جهة، ومن جهة أخرى المنزل الكنسي الذي سيجمع المؤمنين ولأول مرة كجماعة واحدة كبيرة تلتقي لإحياء ذكرى العشاء الأخير، الجسم الواحد الكبير جسد المسيح. وهنا نشأت فكرة الكنيسة التي يجتمعُ فيها المؤمنون للأعلان والإشتراك في ذكرى المسيح.

 

شاهد أيضاً

السلطة في الكنيسة والتوازن بين الفكر والعمل

المطران د. يوسف توما قرّر وينستون تشرشل (1874 – 1965) رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*