الرئيسية / المقالات / إدارة الأموال الكنسيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الاول

إدارة الأموال الكنسيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الاول

الاب سالم ساكا

المقدّمة:
نظراً لكونها مؤسَّسة منظورة تعيش في العالم وتعمل في الزمن، الكنيسة بحاجة الى وسائل بشرية وأشياء زمنية لتأمين إستمراريَّتها في الحياة لإتمام رسالتها الخلاصيَّة، بحيث لا يسعها الإستغناء عنها. علاوة على ذلك، للقيام بالشعائر الدينية اللائقة على نحوٍ متواصل، تحتاج الكنيسة إلى أماكن مقدَّسة مكرَّسة للعبادة بصورة ثابتة، وإلى واردات تُمكِّنها من الاستمرار ومساندة أعضائها وكافة المحتاجين والمعوزين والفقراء وكذلك للقيام بالأعمال الرسوليَّة التي تقع على عاتقها (نور الأمم، العدد/8). لذا، للكنيسة حقّ طبيعي في إكتساب وإمتلاك وإدارة ونقل الأموال الزمنية، لكن هذا الحقّ الطبيعي مرتبط إرتباطاً وثيقاً بتحقيق أهدافها الخاصّة وهي: تنظيم العبادة الإلهيَّة، دعم مساندة أعمال الرسالة والمحبَّة، وبشكلٍ خاصّ إعانة الفقراء والمحتاجين، وكذلك تأمين معيشة لائقة لخدّام المذبح (الإكليروس). وهذا ما سوف نتناوله بإيجاز في الجزء الأول من مقالتنا هذه.


1- تنظيم العبادة الإلهيَّة:
نقرأ في الدستور العقائدي في الكنيسة الصادر من المجمع الفاتيكاني الثاني ما يلي: "ولمّا كان المسيح قد تمّم عمله الفدائي في الفقر والاضطهاد فإنَّ الكنيسة قد دُعيت هي أيضاً إلى انتهاج هذه الطريق عينها لكي تُشرك الناس في ثمار الخلاص. فالمسيح يسوع "إذ كان في حالة الله لاشى ذاته، آخذاً حالة عبد" (فيليبي 2/6)، ولأجلنا، "هو الغني، صار فقيراً" (2كورنثس 8/9)، كذلك الكنيسة أيضاً، فإنَّها على كونها تفتقر إلى موارد بشريّة للقيام برسالتها، لم توجد لتطلب المجد الدنيوي، بل لتُعلِّم بمثالها أيضاً ما التواضع والكفر بالذات" (نور الأمم، العدد/8)؛ وفي دستور المجمع الراعوي في الكنيسة وعالم اليوم نقرأ أيضاً: "أجلْ ليست الرسالة التي سلّمها المسيح لكنيستِه من النمط السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي: فالغاية التي وضعها لها هي من نمطٍ ديني، وينتج حقاً عن هذه الرسالة الدينيَّة، مهمّة وأضواء وقوى، من الممكن إستخدامُها، لتكوين جماعةِ البشر وتدعيمها وفقاً للشريعة الإلهيَّة" (فرح ورجاء، العدد/42).
من نصَّي المجمع الفاتيكاني المذكورين أعلاه، نستنتج بأنَّ المسيح مؤسِّس الكنيسة أنعم عليها بالخيرات الروحيَّة وهي: (كلمة الله في الكتب المقدَّسة، الأسرار السبعة، المواهب، الخ)، غير أنَّها، أي الكنيسة، لا تستطيع الإستغناء عن الأموال والوسائل الزمنية الضرورية لقيام حياتها وإتمام رسالتها. من هنا، فالكنيسة الأرضيَّة وكنيسة الخيرات السماوية، لا يجب إعتبارهما مختلفتين الواحد عن الأخرى، بل هما تُشكِّلان حقيقة واحدة متعدِّدة الجوانب وناتجة عن عنصرين: إنساني-بشري وروحي-إلهي.
لهذا تؤكِّد مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية على أنَّ الرسالة الموكَلة إلى الكنيسة بواسطة المسيح تفترض حقّ إنشاء، إكتساب، تملُّك، إدارة الأموال المناسبة، وإجتناب كافة العراقيل التي قد تُقيمها السلطة المدنيَّة في طريق القوانين أو الأحكام الإدارية بشأن صلاحيَّة إختيار الكهنة وتثقفيهم وتعيينهم ونقلهم وتحقيق التواصل مع سائر السلطات والجماعات الدينيَّة المتواجدة في مناطق أخرى من العالم. إلاّ أنَّ ذلك يُعبِّر عن حقيقةٍ بديهيَّة. فلتأمين أفعال العبادة لله بصورة ثابتة ولائقة، تحتاج الكنيسة إلى أماكن مقدَّسة للعبادة بصورة ثابتة، وتكون خاضعة لإدارتها، وإلاّ فهي تبقى مرهونة بتصرُّف الآخرين كالسلطات المدنيَّة كما هو موجود مثلاً في قسم من دول العالم، في حين هي بحاجة إلى إستمرارية مطلقة وإلى ثباتٍ في إتمام رسالتها، وإلاّ ضعُفَتْ سيادتها وحريّتها وإستقلاليتها في إتمام رسالتها الموكولة إليها من قبل المسيح له المجد (القانون/1007).


2- عناية الكنيسة بالفقراء:
إنَّ غرض أموال الكنيسة الزمنيَّة وهدفها الآخر يجب أن يكون مساعدة الفقراء والمحتاجين. هذا ما نصّ عليه الشرع الكنسي منذ القرون الأولى لنشأة الكنيسة. فقد جاء على سبيل المثال وليس الحصر: "ليكن للأسقف السلطة على أموال الكنيسة ليتصرَّف بها بكلِّ تقوى ومخافة الله ويوزّعها على المحتاجين" (القانون/25 من مجمع انطاكية المنعقد عام/341). لكن القانون، يقصد أيضاً تجنّب النصب والاحتيال من قبل أولئك الذين يظهرون أنفسهم كذباً فقراء ومحتاجين. لذا يدعو الى عمل تحقيقٍ على حالةِ الأشخاص الذين يطلبون العون والمساعدة من الكنيسة. لا بل، يطلب القانون أكثر من ذلك، وهو أنْ يبرز الفقراء "رسالة سلام" من أسقفهم الخاصّ الذي يشهد فيها على حالتهم الفقيرة والمحتاجة. إنَّ رسائل السلام هذه كانت تمنح فقط لأولئك الأشخاص الذي كانوا فعلاً في حالة عوز وفقر.
علينا أن نعترف بالوسائل المدهشة التي في حوزتنا اليوم والتي تهدف إلى منفعة الإنسان، فرداً كان أم مجتمعاً، لكنَّنا نلاحظ أنَّ الصناعات الضخمة وروح المنافسة في الإقتصاد والتسابق على مراكز النفوذ والسيطرة، قد طغت على الإنسان؛ وعوضاً عن أن تخدمه، إستخدمته، وبدلاً من أن يكون هو الغاية، أصبح وسيلة رخيصة تعبث به أيادي الثروات المادية أو المعنوية في العالم. ويكفي أن نقول بأنّ الطاقات الهائلة والمتوافرة في عالمنا المعاصر لم تتوصّل إلى معالجة مشكلة الجوع، العطش، والأميَّة، وحاجة الإنسان إلى مأوى لائق، والتأمين الصحي، والخ.  إذ لا يزال ثلثا البشرية يعاني من سوء التّغذية والحرمان من الغذاء والماء العذب. ولا زال مئات الألوف من البشر يموتون جوعاً في كلّ عام! دون شكّ، إنَّ ما يقود المؤمنين "الكنيسة" إلى الله ليس إتِّساع عملهم ولا غزارة ثقافتهم ولا إنتماؤهم الحضاري ولا إنهماكهم في العمل ولا إلتزامهم بتشييد البنايات أو إعادة إعمارها ولا الممارسات الدينيَّة التي يحرصون عليها بشبه وسواس. فكلّ هذه العوامل قد تُقرِّبهم أو تبعدهم عن الله وفقاً للمنطلق الذي تتَّخذه مواقفهم من الجائع والعطشان والفقير والمتألّم والمظلوم والمتألّم والمريض والسجين والمُضطَهد والمحتاج. ألم يقل يسوع لعالم الناموس الذي جاء يسأله ما هي أعظم الوصايا: "أحبب الربّ إلهك… ههذ هي الوصية الكبرى والأولى، والثانية تشبهها: أحبب قريبك كنفسك، بهاتين الوصيتين يتعلَّق الناموس كلّه والأنبياء" (متى 22/37-40).  فهل أنت غني بالمال؟ أشكر الله ولا تنساه في ذلك، وأعطِ منه للفقراء والمحتاجين أو لمشاريع خيرية. هل أنت غني بالإيمان؟ شارك غيرك قناعاتك واحمل بشرى إيمانك حيثما  تكون. هل أنت غني في قلبك؟ هب لكلّ إنسان تصادفه في طريق حياتك، هب له من محبَّتك وحنانك وطيبتك. هل أنتَ غني في الفكر؟ أعطِ للآخرين من عصارة ما حباك الله به. مَنْ هو الأجدر بفعل كلِّ ذلك؟ أليست هي أمّنا الكنيسة ومعلّمتنا!!!. من هنا نفهم بأنَّ ما يُغيِّر العالم ليس الغنى أو القوة، ولا الجاه أو السلطة، بل القلب الذي يعطي، القلب الذي يهب. ما يُخلِّص العالم هو الحبّ الباذل، هو العطاء الذي لا يبقي له شيء، الذي يُخلي ذاته من أجلِ أخوته وخاصّة من أجل الفقراء والمساكين، المحتاجين والمعوزين. وهذا ما شدَّد عليه البابا فرنسيس أمام المشاركين في المجلس العام لإكليريكيّي الحبل بلا دنس المريميّين الذين استقبلهم في الفاتيكان في 18 شباط الحالي. إذ في كلمته التي ألقاها على مسامعهم، أكَّد لهم أنّ الشهادة المسيحيَّة تتطلّب التزاماً مع الفقراء ولأجلهم، مُشجِّعاً على التبشير بالإنجيل بلغة مفهومة وأعمال رحمة والصلاة على نيّة الموتى. وأضاف: "يتعلّق الأمر بالتقرّب ببساطة أكثر ممَّن يتألّمون؛ المرضى والأولاد وكبار السنّ المتروكين والفقراء… لأنّ هذا الفقر هو في قلب الإنجيل: إنّه فقر يسوع وليس الفقر الاجتماعي".


3- المعيشة اللائقة لخدّام الكنيسة:
جاء في قرار المجمع الفاتيكاني الثاني: "على الكهنة والأساقفة أن يستعملوا الأموال التي يحصلونها بقيامهم بأعمالٍ وظيفة كنسيَّة -مع المحافظة على التشريع الخاصّ- لمعيشةٍ كريمةٍ ولتتميم أعمال وظيفتهم. لكن لا يُسخِّروا وظيفتهم الكنسيَّة للربح، ولا يستعملوا ما ربحوه من وظيفتهم لتوسيع ميراثهم الخاصّ. لهذا فعلى الكهنة ألاّ يستعبدوا قلوبهم للثروات، وأن يتحاشوا الجشع ويمتنعوا بدقةٍ عن كلِّ ما له شكل البيع والشراء… والرسل بدورهم شهدوا بمثلهم، على أنَّ ما أخذوه مجاناً من عطايا الله، عليهم أن يعطوه مجاناً… إنَّما هناك مشاركة في إستعمال خيرات الأرض، على صورة الشركة في الخيرات التي تتباهى بها الكنيسة في تاريخ أجيالها الأولى" (حياة الكهنة، العدد/17)؛ ويضيف قرار المجمع: "إنَّ الكهنة، بينما يُقدِّمون ذواتهم لخدمة الله في الوظيفة الموكولة إليهم، لأهلٍ أنْ يتقاضوا أجرة عادلة، لأنَّ "العامل يستحقّ أجرته" (لوقا 10/7)، ولأنَّ "الربّ رَتَّب أنَّ الذين يُبشِّرون بالإنجيل يعيشون من الإنجيل" (1 كورنثس 9/14). ولهذا، حيث لم تُدبَّر أجرة الكهنة العادلة بطريقةٍ ما، على المؤمنين وخاصّة الذين يصرف الكهنة في سبيلهم حياتهم وأعمالهم، أنْ يهتمّوا بإعطائهم الوسائل ليعيشوا حياة كريمة ولائقة" (العدد/20) (راجع أيضاً، دليل الخدمة الكهنوتية، العدد/67؛ أعطيكم رعاة، العدد/30).
إنَّ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، وهو الشرع الكنسي المعمول به حالياً، بعد أنْ يطلب من خدّام المذبح بأنْ يتشرَّبوا من روح الفقر المسيحي وأنْ يعيشوا حياة فقرية بكلِّ بساطة، وأن يتصرَّفوا بالخيراتِ الزمنية بكلِّ رصانة. بالمقابل يسمح لهم بأنْ يتقاضوا أموالاً بدل الخدمات التي يقومون بها بمناسبة ممارسة وظائفهم وأنْ يحتفظوا بقسمٍ من هذه الأموال لمعيشةٍ كريمة (القانون/385، القانون/390).
إذن، أمام تزايد الحاجات ومتطلّبات الخدمة الكهنوتيّة، بات على كهنة وأساقفة اليوم أنّ يتفرّغوا تماماً لخدمة الكلمة والفقراء. هذه الخدمة التي أوكلها اليهم الربّ يسوع. لكن، من أجل أنّ يتفرّغوا لهذه الخدمة، لا بدّ مِنْ أنْ تؤمَّنَ لهم ضرورات معيشيّة ومقتضيات إجتماعيّة كي يتحرَّروا قدر المستطاع من الهموم المادّيّة اليوميّة. فهناك أمور لا يستطيع الكهنة- الأساقفة التخلّي عنها وهي الحياة اللائقة برسالتهم والضمان الاجتماعيّ الذي يعطيهم ما يُعطى للعمّال من سهرٍ على الصحّة وتأمين للشيخوخة وغير ذلك. وحقّ الكهنة- الأساقفة هذا يؤكّده السيّد المسيح في إنجيله: (لوقا 1/6-10)، والقدّيس بولس في رسالته: (1كورنثس 9/10-14) كما أشرنا اليه أعلاه.

يتبع…

 

 

 

شاهد أيضاً

نداء عاجل ..أين رمزنا ، “صليبو دحايي”!؟

المونسنيور د. بيوس قاشا  بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال أراضي سهل نينوى     نعم، أربعة عشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*