الرئيسية / المقالات / للألم معنى: صناعتُه، هدفُه؟

للألم معنى: صناعتُه، هدفُه؟

لويس إقليمس
من طبيعة الأديان، التوحيدية منها بقصد الإشارة، تقديمُ مفردات الأمل والرجاء، سلاحًا وحبلاً للضعفاء، يعزّي النفس ويهدّئ الروح وينقل الفكر إلى باحة النسيان، ولكنّه لا يسند القلب المجروح بذلك القدر من الشفقة والرحمة أو يدعم الجسد المنهك أصلاً بسبب عوادي الزمن، وما أكثرها عبر التاريخ. ففي المسيحية مثلاً، تُقَرّ (بضم التاء وفتح القاف وضمّ الراء) فضيلتا الإيمان والرجاء، اللتان بواسطتهما تضحي التعزية اللفظية والروحية معًا، سبيلاً لبلوغ الأمل والهدف والرضا بقبول القدَر المجهول والمقسوم المحتوم. فعندما نقرأ مثلاً، "لا تخف أيها القطيع الصغير" (إنجيل لوقا 12: 32 وما يليها)، فهذا الكلامُ فيه سلوان لفظيّ وسلاحٌ روحيّ وارتقاء رمزيّ سرمديّ، رغمَ أنه لا ينفع في زمن العولمة واقتصاد السوق وتنافس الأقوياء من الأسياد على كلّ شيء، بما فيه البشر والحجر. ومثل هذا القول في كلّ الأحوال، يبقى ساميًا ضمن القياسات البشرية، بحملِه أملاً ورجاءً ناقصَين في عالمٍ متلاطم المصالح والمطامع الذي فيه تُمارس كلّ أشكال الاستغلال.

العهد القديم
في العهد القديم، تعرّض أيوب البارّ لشتى أنواع العذاب والآلام التي ابتلاه بها إلهُه، فتحمّلها راضيًا شاكرًا الرب على نعمته وتجربته التي خرجَ منها بارًّا مبرَّرًا ومعافى من الخطيئة. لم يكن أيوب يتلذّذُ في مدى الألم الذي لحقه وخبرَه وقاساه، كما يفعل الماسوشيون، فيجدون فيه نشوتَهم المنشودة ضمن دارة الانحراف التي تطبّعوا عليها. ولكنَه قبلَه وتعاملَ معه على أساس اختبار من إلهه في قدرته على تحمّل المصيبة وفي استحقاقه للبرّ والتبرير على غيره من البشر.
وعلى مدى التاريخ، نقرأ قصصًا ورواياتٍ تتحدّث عن آلامٍ تحمّلتها شعوبٌ أو أفرادٌ بشتّى الحجج والأسباب والظروف. وفيها، اختبرَ أصحابُها قيمةَ الألم وبركاتِه وما أنعمتْ عليهم من قوّة في التحمّل والمرابطة والمعاندة في البقاء على أمانة الرسالة أو التجربة أو المهمّة التي دخلوها وخرجوا منها بنجاح وكرامة تستحق الثناء والاقتداء. فالمسيح نفسُه تعذّب وأُهين وصُلب. لكنّ اللهَ أباه الذي رضي بتعرّضه لتلك المصيبة، أكرَمَه وأقامَه من بين الأموات في اليوم الثالث، كي يتمجد اسمُ الله، أبي البشرية وخالق الكون وما فيه من عناصر. والحسين نموذجٌ آخر من الأئمة الصالحين والرجال الأبرار والقديسين الذين تعذبوا وقاسوا الآلام المبرحة حبًا بالله أو لهدفٍ في ضمير كلّ منهم. وهؤلاء وآخرون غيرهم، كلٌّ منهم عاشَ وتألّمَ وقاسى وتحمّل، كلٌّ على طريقته وحسب نياته نالَ خيارَه واستحقاقَه وجزاءَه.

الألم سوسيولوجيًا
الألم من منظور سوسيولوجي ونفسيّ، يعني شيئًا من الإحساس بالغبن والشعور بالظلم وعدم السعادة التي تجلب الحزن والغمّ والقلق والتوتر إلى حياة الإنسان. ويختلف استعداد تقبّل الألم وتأثيراته من شخص لآخر، بحسب طبيعة النشأة والانتماء والاستعداد والتهيّؤ الفكري والاجتماعي والدّيني وحتى الوراثيّ. وهناك من الآلام ما طالَ في تأثيره بسبب عمقِ فداحته. لكنّ نعمة النسيان التي حباها الله لخليقته، تساعد في التقليل من آثارها. وهناك مَن يرى أن تأثير الألم عند الأنثى أكثر منه وأطوَل فترة ممّا لدى الرجل، لأسباب بيولوجية وتكوينية في طبيعة الجسد في كلّ منهما. ومنها أنّ الألم العاطفي الذي يخلّفه فشلٌ فيها، يبقى في الذاكرة أكثر من غيره. ونترك ذلك للمختصّين لمزيدٍ من الإيضاح والتوجيه، فهناك من أنواع الألم، ما يحزّ في النفس ويديم الجرح فيها ويأبى المغادرة.
والألم أو المصاب أو المحنة، التي يتعرّض إليها الإنسان في رحلة عمره القصيرة في هذه الدنيا، ينظرُ إليها البعض، سواءً كانت جسدية أو نفسية أو معنوية، بمثابة بَرَكة أو تجربة من الله الخالق، كي تظهر أعمالُ الله في بني البشر خلقِه، وتساعدهم في مسيرتهم نحو الملكوت المرتقب أو الجنّة التي في انتظار الأخيار والصالحين. إنها خلاصة فلسفةٌ روحية للأديان السماوية، ومنها المسيحية بصورة خاصة، تعطي للألم نوعًا من القدسية. وهذه الفلسفة التي لا تخلو من تصوّف وسموّ في الروح تجاه رب الأكوان وفي التعبير عن خضوع المخلوق للخالق، تكتسب صفة النار التي تمحّص أدران النفس البشرية والجسد الهزيل الذي يحمله الإنسان، بالرغم من الجدليّة الصائبة القائمة في الأسباب والأهداف والنتائج.

وجهة نظر علم النفس
في الألم، يجد علماءُ النفس مسارين: الواحد جسديٌّ والآخر نفسيٌّ يقتنص شفاءَه من القبول الإراديّ للأول وبالتغلّب عليه بقدرات الإنسان الطبيعية وبإرادتِه. وهذا الأخير، قد يفوق في تأثيرِه ما يصيبُه الألم الجسديّ أحيانًا، عندما يبقى محفورًا في الذاكرة وغير قابل الزوال على المدى البعيد أو المتوسط أو القريب، وفقًا للمعطيات والأسباب والظروف. وفي عالمنا اليوم وفي زمن العولمة القائم، تكثر أنواع الألم المعاصر، تأسّفًا وحسرةً على ما تقع عليه العين من مظالم تَنهى عنها جميعُ الأديان وترفضُها البشرية وكلّ ذوي الإرادة الصالحة والضمائر الحيّة.
ولمّا كانت العولمة، ليس من بناتِ مفرداتِ أخلاقها الدفاع عن المظلوم ومحاسبة الظالم، والبحث عن حقوق الشعوب المستضعفة وطموحاتها، فقد لفظتها هذه الأخيرة وأصدرت حكمَها على ما يُقترف باسمها من فظائع، ومن أشكال الاستغلال والمتاجرة بالبشر وبحقوقهم وبثروات بلدانهم التي هي من حقّهم وليسَ لغيرهم. وهي بذلك، تشكّلُ آلامًا مضافةً للبشرية، غير قابلة الحدود. من هنا، فالعولمة بالرغم من الأهداف العليا المبدئيّة التي رُسمت لها كي تقرّب البلدان والشعوب والأمم من بعضها البعض وتجعلها أشبه بقرية جامعة للجميع بما أتت به من تكنلوجيا وأدوات ساحرة، إلاّ أنّ من ضمن أهدافها أيضًا، محاولة أساطين السياسة والاقتصاد استغلالَ البشر والأرض والحدّ من مطالباتٍ بالمساواة مع مَن يمسك بزمام المال والاقتصاد وإدارة شؤون الكون. فالعالم اليوم، ليسَ أكثر من غابة لصراع الكبار ووحوش السياسة فيمَن يقتنص أكثر الأموال ويكدّس أعلى الثروات ويستغلّ أفضلَ الشعوب.

في العراق
السياسيون في عراق اليوم، بحسب ما يبدر من عددٍ كبيرٍ منهم وحسبما تتفاعلُ معه وسائل الإعلام المتعددة ووسائل التواصل الاجتماعي، ليسوا بمنأى عن هذه الصفات في إحداث الألم لمجتمعاتهم وشعبهم بسبب أنانياتهم وتساميهم عن رفع الظلم عن المظلوم. أمّا نكران هذه الحقيقة والهروب من هذا الواقع، فهو بمثابة الاصطفاف مع الظلم والظالم على المظلوم والوقوف مع القاهر المتجبّر على المقهور. والعاقل الصالح ينأى بنفسه عن هذا الفعل الخسيس ويعرضُ عن الأهدافِ والنوايا غير الإنسانية التي تأتي بها هذه كلُّها. واقع اليوم يوحي بوجود كبارٍ وصغار، مستغِلّ (بكسر الغاء) ومستغَلّ (بفتح الغاء). وبهذا السلوك يسوسُ أقوياءُ الغابة مَن في وسطها وبين أشجارها وحناياها.
أمام هذه الحقائق على الأرض التي ضاقت من شدّة الألم والمآسي المتلاحقة، يقف أصحابُ الأمل والرجاء من المستضعفين البسطاء، وهم الغالبية العظمى من البشر، ومعهم كلّ مفردات العزاء الروحية وأشكال السلوان اللفظي الفارغ من نفحة الحقيقة في أغلبه، عاجزين أحيانًا عن لملمة الجراح وطيّ المآسي بشتى أشكال التعازي والمواساة التي لا تنفع في زمن المظالم وسيادة المادة على الروح وسموّها. والسبب بسيط، لا يحتاج إلى تعقيد في التفكير. فالأسياد لا تهمّهم متلازمات الروحانيات وما يعنيها ويتخللُها من صلوات وتضرعات وطلبات الفقراء الذين يشكلون شريحة واسعة في مجتمعات العديد من الدول النامية، بقصد التقليل من الألم الذي يحزّ في نفوسهم وأجسادهم وطموحاتهم. فبقاء مجموع عدد الفقراء المدقعين لغاية الساعة بحدود مليار شخص، عارٌ على البشرية وقادتها وسط رفض الأسياد تقاسم الثروات وتكريس مبدأ إبقاء الشعوب المقهورة في خانة المتلقين للمساعدات والوقوف في طوابير الاستجداء والمذلّة.
لقد بقي الألم سيّدَ العالم على مدى الأزمان، ينظرُ إليه الأسياد من ثقب إبرة، وسط ابتعاد مترادف لأيّ انفراج يعوّلُ عليه الضعفاء والفقراء والمهمّشون في تطلعهم إلى كلّ ما يمكن أن يقودهم إلى شيءٍ اسمُه الأمل المفقود والرجاء الموعود.

الخاتمة
في العراق، تقاسمنا ذات المصير مع شعوبٍ بالمنطقة وفي العالم. صورتُنا مازالت مشوّشة لدى غيرنا، حتى من قبل دول الغرب الطامع في ثروات بلدنا وقدرات كفاءاتنا، بالرغم من كبر المعاناة وشدّة ما نحنُ فيه من ويلات متلاحقة عبر حكومات افتقرت لميزان الوطنية والإنسانية وخدمة الشعب. فما زال أشكال الألم والفقر والفاقة تعتصر في طيات غالبية طبقات الشعب بأشكال وصيغ عديدة لا تخلو من مآسٍ متراكمة وأحزان متزايدة في مستويات الحياة اليومية الدنيا. أمن المعقول في بلدٍ يطفو على بحارٍ من ثروات وطنية وأخرى طبيعية تقدّمها أرض السواد هدية لبنيها، أن نجد البؤس والفقر والألم في وجه وقلب ونفس عموم أبنائِه، إلاّ الفاسدين المنغمسين في نهب المال العام وسلب البيوت والعقارات والاستيلاء على أملاك مَن لا حولَ ولا قوّةَ لهم إلاّ الاستعانة بأصحاب النفوذ طلبًا للمساعدة أو لإنقاذ ما يمكن إنقاذُه ممّا استُقطع أو نُهب أو سُلب أو هُدِّدَ. فالدولة سُلخت عنها مؤسساتُها وغاب عنها القانون وأُفرغت من هيبتها. وهي اليوم تعاني من أزمة إدارة في كلّ مفاصلها، تديرُها قوى جانبية موازية تتحكم في قراراتها وفي مصير أبنائها، قوى لا ترحم ولا تخجل ولا تشبع، تنفّذُ ما تُأمرُ به وتلقنُهم إياها قوى خارجية إقليمية ودولية لها أجنداتُه، ما زاد من نوافذ الألم وأبوابه في شتى مجالات الحياة، الاجتماعية والخدمية والعلمية والتربوية والاقتصادية والمالية والإدارية والوظيفية، بل في كلّ شيء.
لم يعد بدّ للخروج من سطوة هذا البؤس المستفحل. فقد طال الانتظار النظري للفرج الوهميّ. ولابدّ من وثبة ثورية في وجه مسبّبات هذا الألم المستفحل بسبب ظلم الزمان وقسوة الأسياد وإهمال صوت الحقّ الذي تنقصه فورة صادقة من الشجاعة ويقظة الضمير وإناء العدل والرحمة والمحبة.

 

 

شاهد أيضاً

الأحد السادس من القيامة “ليكونوا واحدا”

+البطريرك لويس ساكو القراءات الأولى من سفر أعمال الرسل (10: 1 – 8) تؤكد على …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*