الرئيسية / المقالات / نحن لسنا كفارا

نحن لسنا كفارا

د. عمانوئيل سليم حنا

قام صباح يوم الاثنين 3 نيسان 2017 غبطة أبينا البطريرك مار لويس روفائيل ساكو برفقة سيادة المطران مار باسيليوس يلدو بزيارة الى مخيم حسن شام ومخيم حمام العليل في الموصل لتقديم سلة غذائية لاربعة الاف عائلة ساهمت بها البطريركية الكلدانية واخوية المحبة (الكاريتاس) وجمعية الرحمة لابرشية اربيل
 وفي كلمة وجهها غبطة البطريرك ساكو الى النازحين قال: "نحن جئنا ككنيسة لنعبر لكم عن تضامننا معكم وقربنا اليكم، نحنُ اخوة وشركاء في هذا الوطن، نحنُ لسنا كفاراً كما يتصور البعض، نحن نؤمن باله واحد، الكفار هم من فعلوا بنا نحنُ المسيحيين وفعلوا معكم هذه الافعال المشينة. يجب ان يعمل الكل من اجل نبذ هذا "الوباء" وكل اشكال العنف، لنبني الثقة من جديد ونرسخ اواصر الاخوة".
 
هذا ما قاله الاسقف الانسان المحب الى اخوته وشركائه في هذا الوطن نحن لسنا كفارا

{ الى الذين يرددون دائما كلمة الكفار}
هل تعلمون من هم الكفرة؟
ام انكم ترددون الكلام دون معرفة؟
 إن معرفة العقل تسمى معرفة، ومعرفة القلب تسمى محبة… أما معرفة الإنسان لنفسه فهي تأمل و تفكير
هناك ثلاثة مراكز: العقل مركز التفكير، والقلب مركز الإحساس، و"صِلة الأرحام" مركز الطاقة والحياة
فإذا كنت تقوم بعملك بعقلك وفكرك فحسب، سوف تمضي قدماً في نسج المزيد والمزيد من الأفكار وهي أفكار فارغة واهمة، وأحلام واهية، كثيرة العدد لكنها لا تقدم شيئاً… الفكر مخادع كبير، ماكر وخبيث، لأنه يملك قدرات هائلة ليضللك ويخدعك عن طريق التخيل والتصور، باستطاعته منحك أمنيات ورغبات عظيمة منها الامن والعيش الرغيد.. وكلها كلمات فاضية
سيقول لك: "غداً سيحدث ذلك" ولكنه لن يحدث أبداً… لا يمكن لأي شيء أن يحدث عن طريق الفكر… كل ما يمكن أن تراه، يجب أن تراه في قلبك أولاً.. وإلا فلن تراه ولن تسمعه أبداً
التجربة الأساسية هي في الداخل، في القلب المحب المعطاء، هنا عرش الله عرش المسيح ادخل إليه،
إذا قمت بأي شيء قم به من صميم فؤادك، بخشوع وتأمل وصلاة، فكل عمل عبادة… إذا لمستَ شخصاً ما المسه من أعماق قلبك بكل عاطفة وإحساس لتهتز كل ذرة من كيانك… وإذا نظرتَ لشخص ما لا تنظر إليه بعنين جامدتين باردتين كالحجر، بل دع محبتك كلها، وطاقتك كلها، وحنانك كله يتدفق من خلال عينيك ويشع منهما.. لتورق في قلبك شجرة محبة وعطاء.
 ان الكُفر هو ضد الإيمان لأنه كفر بالله فالكافر هو مَنْ ينكر وجود الله؛ أي ينكر أن يكون الله أصلًا للوجود وخالِقًا للعالم. وهو أيضًا من ينكر نعم الله على البشر سواء خيراته اللازمة لأجسادهم من أجل حياتهم الزمنية أو اللازمة لأرواحهم من أجل حياتهم الأبدية.
ونحن المسيحيون نؤمن بأن الله خالقنا "يا رب أنت جابلنا وكلنا عمل يديك" (إش64: 8). وأنه خالق السماء والأرض "يا إلهي… من قِدمٍ أسست الأرض والسموات هي عمل يديك" (مز102: 25). وأن كل ما نتمتع به من خيرات أرضية هي من عنده "أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه" (مت7: 11). كما أنه قدم لنا عطايا روحية فائقة لأجل حياتنا الأبدية "مبارك الله… الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح" (أف1: 3). وفي هذه العطايا الروحية ظهرت لنا محبته الحقيقية التي ميزنا بها عن كل الخلائق. فإن كان هذا هو إيماننا بالله واعترافنا به بأنه خالقنا ورازقنا بخيرات الدنيا والآخرة فنحن إذًا لسنا كفرة.
وإن كنت تدعوني كافرًا لأني مختلف عنك في دينك فهل تقبل أن أدعوك أنت كافرًا لأنك مختلف عنى في ديني؟ وإن كان لا. فلماذا تكفرني؟ وهل من الحكمة أن يتبادل الناس اتهام بعضهم البعض بالكفر بسبب اختلافهم في عقائدهم؟ إن تعبير العاقل يقول أننا مختلفان في الدين ولسنا كافرين. وليت كل واحد منا يحترم ديانة وعقيدة الآخر، ونبعد عن الحقد والضغينة التي تهدم المجتمع ولا تبنيه.
المسيحية تحب الجميع، وكل إنسان له احترامه بغض النظر عن السن أو الجنس أو الدين أو التوجه العقيدي وغيره.. فالله الذي خلقك هو الذي خلقني.. ومبادئ المسيحية هذه هي التي جعلت العالم الغربي في تطوره واحترامه للإنسانية عبر العصور.. ومازال عالمنا العربي للأسف فريسة للجهل والاستبداد ومطمعًا لكل ديكتاتور يفعل به ما يريد.. فاختلاف دين الآخر في المسيحية، لا يجعلني أقلل من شأنه، أو لا أحترمه، أو لا أقبل سلطته في العلاقات الاجتماعية من العمل وغيره.
الله خلق جميع البشر، وللجميع حقوق متساوية.. فهو "يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ" (إنجيل متى 5: 45)، وهو وحده الديّان الذي له حق دينونة البشر.. فليس من حق أي إنسان أن يحكم على أي إنسان آخر بناءً على وجهة نظره هو وحده، كأنه يحتكر الحق المطلق، وحتى هذا الحق الذي يراه لا يتفق عليه جميع البشر.
 وكان المسيح يقول لتلاميذه: "وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم… بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان لكم حُبٌّ بعضًا لِبَعضٍ" (يو 13: 34، 35)… تُرى لماذا اعتبر هذا الحب وصية جديدة؟ أليس لأنه يطلب لهم حُبَّ من نوع خاص له عمقه. إنه الحُب الباذل، مثل حُبه هو الذي قال عنه: "ليس لأحدٍ حُبٌّ أعظم من هذا: أنْ يَضعَ أحدٌ نَفْسَهُ لأجل أحِبَّائه" (يو 15: 13).
ولم تكن وصية الحُب لتلاميذه فقط، بل هي للعالم كله… فلمَّا سألوه: ما هي الوصية العُظمى في الناموس (أي الشريعة)؟ أجاب: "تُحِبُّ الربَّ إلهَكَ من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك. هذه هي الوصية الأولى والعُظمى. والثانية مثلها: تُحِبُّ قريبك كنفسِكَ. بهاتين الوصيَّتين يتعلَّقُ الناموس كله والأنبياء" (مت 22: 34-40)… وكلمة (قريبك) هنا، تعني جميع البشر. لأننا كلنا أقرباء: أبناء أب واحد هو آدم، وأم واحدة هي حواء وطبيعي إن كان كل منا يحب جميع الناس، فلن يسرق أحدًا، ولا يقتل أحدًا، ولا يسئ إلى أحد، ولا يُدنِّس عفة أحد، وإن كان يحب اللَّه، فلن يعصاه في شيء، ولا يكسر شيء من وصاياه. وبهذا يكون كلام السيد المسيح عن محبة اللَّه والقريب قد شمل كل نصوص الشريعة وكل وصايا الأنبياء
 إنَّ محبة السيد المسيح قد شملت الغرباء و شملت المرضى والفقراء والمحتاجين: "مهما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي قد فعلتم" (مت 25: 40). ومحبته شملت أيضًا كل البؤساء، والمُهمَّشين في المجتمع، والذين هم في ضيق. وقد قال إنه جاء لكي "يبشر المساكين، ويعصب منكسري القلوب، ويُنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق" (إش 61: 1، 2 )
ان القران الكريم شرح كيف أن المسيحية ديانة سماوية، أرسلها الله هدى للناس ورحمة، على يد المسيح بن مريم. والمؤمنون بالمسيحية سجَّل القرآن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم غير المشركين، وغير الذين كفروا.. وقال أيضًا أنهم أقرب الناس مودة إلى المسلمين؛ وأنهم متواضعون لا يستكبرون
ويقول في ذلك "مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ" (سورة آل عمران 113 )
وشخص المسيح في القرآن له مركز كبير. إنه كلمة الله؛ وروحٌ منه. وُلِدَ بطريقة عجيبة لم يولد بها إنسان من قبل ولا من بعد؛ بدون أب جسدي؛ ومن أم عذراء طهور لم يمسها بشر.. ومات ورُفِعَ إلى السماء بطريقة عجيبة حار فيها المفسرون والعلماء. عاش على الأرض يهدي الناس، ويقوم بمعجزات لم يعملها أحد مثله وقد هدى الناس عن طريق تبشيرهم بالإنجيل.
وللعذراء مريم أم المسيح ذكر ممتاز في القرآن، في بتوليتها وطهرها ونسكها وعبادتها وتشريف الله لها واصطفائها على نساء العالمين.
المسيحيون هم أصحاب الأرض الاصيلين لهذا الشرق، وفي هذا الشرق ترسم جغرافيتهم وتاريخهم، فهم ليسوا طارئين عليه ولا مواطنين من الدرجة الثانية والثالثة. وكل ما يتعرضون له، ما هو آلى لسعة مسمومة من عقارب وأفاعي (التكفيريين) بغية إفراغ الشرق من وجودهم ليعبثوا بمقدراته بتعميم الفوضى مستعينين بعصابات منحرفة من ارهابيي القاعدة وداعش وأذيالهم ليمارسوا في كل المجتمعات الشرقية أبشع الجرائم وبأبشع الوسائل وبروح من التعصب والبغض والكراهية دون رحمة ولا تعاطف، تلك هي جل أفعالهم وإعمالهم وإنتاجهم في هذا الشرق على حساب الانحسار الثقافي والفكري والذي كانت للمسيحية دورها الريادي التي قادت الشرق إلى النهضة والازدهار بجد و بجهد و بفكر تنويري لنهضة الشرق، وقد عملوا كل ذلك لا من اجل المسيحية فحسب، رغم اعتزازهم بمسيحيتهم، وإنما انطلقوا من اجل العروبة وانتمائهم الوطني ووطنيتهم.
وهاهو الاسقف الانسان ابينا البطريرك ساكو المحب لشعبه وللعراق، والذي لم يُعرَف لعطائه حدوداً
 لمس قلبه معاناة اخوتنا في الوطن واستغاثتهم وفي سبيل هذا الهدف انطلق مع معاونه المطران مار باسيليوس الى مخيم النازحين ليقدم لهم يد العون والمساعدة.
 هذه هي اخلاق المسيحيين الاصلاء الذين يعكسون تعاليم المسيح على الارض والواقع وليثبتوا للكل بان المسيحية هي سلام ومحبة وتسامح وعطاء لان السيد المسيح جعل المحبة كعلامة يتميز بها تلاميذه… وكانت المحبة هى آخر وصية طلبها منا الرب. بل نجد ان القديس يوحنا الحبيب يجعل المحبة علامة للميلاد من الله فقال { كل من يحب فقد ولد من الله ويعرف الله. ومن لا يحب لم يعرف الله، لان الله محبة } 1يو 1:7-8.

 

شاهد أيضاً

مواطن اسمه “سرمد باليوس”

 بقلم: ماجد عزيزة أنا على يقين بأن أخي العزيز وأبتي الغالي الأب سرمد باليوس راعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*