الرئيسية / المقالات / إدارة الأموال الكنسيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثاني

إدارة الأموال الكنسيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثاني

الاب سالم ساكا


السهر على أموال الكنيسة
من الواجب أنْ تُحفظ أموال الكنيسة وأمتعتها بكلِّ عناءٍ وحرصٍ، بضميرٍ نقي وإيمانٍ بالله فاحص القلوب ديّان البشر أجمعين. إنَّ الهدف الأولي والأساسي من السهر على أموال الكنيسة وممتلكاتها، هو التأكّد من أنَّ هذه الأموال تُستَخدم لتحقيق غايات الكنيسة الأساسيَّة ليس إلاّ، ومن مراعاة القائمين على إدارتها للنظام الكنسي في مجال إدارة الأموال. وكما ذكرنا في الجزء الأول من مقالتنا هذه بأنَّ غايات الكنيسة الأساسيَّة في إدارتها للأموال الزمنية هي: تنظيم العبادة الإلهيَّة وتحقيق رسالة الكنيسة، عناية الكنيسة بالفقراء، وتوفير المعيشة اللائقة لخدّام الكنيسة.

 

الأسقف والسهر على أموال الإيبارشيَّة:
منذ نشأتها أصدرت الكنيسة تشريعاتها الصريحة والصارمة بنفسِ الوقت حول موضوع إدارة الأموال الزمنيَّة. فيها دعت أساقفة الإيبارشيات كافة إلى حفظ هذه الأموال بأمانةٍ والسهر عليها، إذ إعتبرتها أموالاً تعود للربِّ وحده. لذلك لم تسمح بصرفها من قبل أيٍّ كان، أو كيفما كان، إلاّ من أجل تحقيق الغايات التي من أجلها الكنيسة بإمكانها أنْ تمتلك الأموال الزمنية. فقد ورد لنا ثلاثة قوانين ضمن مجموعة قوانين الرسل (360-380م). من جهةٍ، تؤكِّد لنا القوانين الثلاثة بأن على الأسقف واجب السهر على أموال الكنيسة والعناية بممتلكاتها. ومن جهةٍ أخرى تشرح طريقة إدارة هذه الأموال والغايات التي من أجلها يجب صرفها أو إستخدامها، مع محاسبة الأسقف الإيبارشي، في حالة ثبوت إساءته المقصودة في إدارة أموال الكنيسة، كونه المسؤول الأول عنها والساهر الأمين عليها. فقد نصَّ القانون/38 من مجموعة قوانين الرسل على ما يلي: "ليعتنِ الأسقف بأمتعةِ الكنيسة وليُدبِّرها بمراقبة الله، على أنَّه لا يجوز أن يتَّخذ شيئاً منها لنفسه، ولا أنْ يهبَ ما يخصّ الله لأقربائه، أمّا إذا كانوا فقراء فليساعدهم بالاسعاف العامّ كسائر المحتاجين ولا يؤذَن له أن يتَّخذ ذلك حجّة لبيع أمتعة الكنيسة"؛ وفي نصّ القانون/40 جاء أيضاً: "إذا كان للأسقف أملاك، فلتكن مُميَّزة عن أملاك الربّ حتى يكون للأسقف السلطة في أن يورث أملاكه الخاصّة بعد موته لمن يشاء وكما يشاء، ولا تضيع أملاكه الخاصّة بحجة أنَّها من أملاك الكنيسة، فقد يكون للأسقف أخوة وأخوات وأقرباء و…. والعدل أمام الله والناس يقضي بألاّ تُصاب الكنيسة بأيَّة خسارة لأنَّ أملاك الأسقف الخاصّة لم تكن معروفة ولا أنْ يحيقَ الأذى بالأسقف وأقربائه بحجَّة المحافظة على أملاك الكنيسة، ولا يقع أقرباء الأسقف في عنت وخصومات فيصبّون اللّوم على الأسقف بعد موته"؛ أمّا في القانون/41 فقد جاء فيه: "إنَّنا نأمر مِنْ أنْ تكونَ أموال الكنيسة تحت ولاية الأسقف لأنَّه إذا كان قد أؤتمن على نفوس الناس الثمينة فمن باب أولى أن يؤتمن على الأموال الوقتيَّة، وعليه أنْ يُدبِّرَها كلّها بموجب سلطته الخاصّة ويُقدِّم للمعوزّين حاجاتهم بواسطة القسوس والشمامسة بخوف الله وبكلِّ ورع. وله أيضاً، إذا دعت الحاجة، أنْ يأخذَ ما يسدّ حاجاته الضرورية وحاجات الأخوة الذين في ضيافته لئلا يكون أو يكونوا في ضيق. فقد أمرت الشريعة الإلهيَّة أنَّ الذي يخدم المذبح يأكل من المذبح، ولا يتجنَّد جندي ضدّ الأعداء والنفقة عليه". أمّا مجمع أنطاكية المنعقد عام/341 فقد أصدر قانونه الشهير فيما يتعلَّق بإدارة أموال الكنيسة وجاء فيه: "يجب أنْ تُحفظَ أموال الكنيسة وأمتعتها بكلِّ عناءٍ وحرصٍ بضمير نقي وإيمان بالله فاحص القلوب ديّان البشر أجمعين. ويجب تدبير هذه حسب حكم الأسقف وسلطته فهو المؤتمن على كلّ الشعب وعلى نفوس الرعيَّة. ويجب أن يكون كلّ ما هو من أملاك الكنيسة ظاهراً بمعرفة القسوس والشمامسة الذين حوله، فلا تخفى عليهم الأشياء التي تخصّ الكنيسة ولا يكتم أمر شيء ممّا هو لها عنهم حتى إذا إتَّفق أن غادر الأسقف هذه الحياة فكلّ ما يخصّ الكنيسة يكون معروفاً بكلّ جلاء فلا يختلس ولا يفقد. وهكذا لا يقع حجز على أموال الأسقف الخاصّة بدعوى أنَّها جزء من أموال الكنيسة. لأنَّه من العدلِ وممّا يرضي الله والناس أن يتمكَّن الأسقف من أن يوصي بأمواله الخاصّة لمن أراد. وأمّا مال الكنيسة فيحفظ للكنيسة. وهكذا لا تقع خسارة على الكنيسة ولا يؤذى الأسقف بدعوى المحافظة على أموال الكنيسة ولا يضطرّ أهله الى رفع دعاوي الى المحاكم ولا يتعرَّض هو نفسه للوم والمذمَّة بعد موته" (القانون/24)؛ "ليكن للأسقف السلطة في إدارة أموال. أمّا إذا لم يقتنع بما يكفيه وأخذ يتلاعب بأموال الكنيسة ومواردها بدون مشاورة الإكليريكيين عنده فالمجمع يضع عليه العقوبات اللازمة، وعليه أن يُقدِّم له بياناً مفصّلاً عما حوَّله إلى إستعماله الخاصّ ممّا كان مخصَّصاً لاسعاف الفقراء" (القانون/25) (راجع أيضاً القانون/12 من مجمع نيقية الثاني/787م). أمّا مجمع مار طيمثاوس الثاني المنعقد عام/790 من قبل أساقفة كنيستنا المشرقية، والذي له أهميَّة خاصّة بسبب أهميَّة المواضيع التي تمَّ مناقشتها فيه، لكن فيما يتعلَّق بادارة أموال الكنيسة، فقد قرَّر ما يلي: "إذا كانت إدارة أموال الكنيسة مناطة ومفوَّضة إلى وكلاء، ومدبِّرين علمانيين، فليكونوا من الحكماء خائفي الله، وممَّن يحفظون أنفسهم بشدَّة الحرص في درب المسيح، ويصونون شرائعه ووصاياه. وعليهم أن يؤدّوا كلّ شهر وسنة الوكالة باستقامة تُرضي الله، وأن لا يصنعوا أمراً معوجاً" (القانون/10).


بعد تأمّلنا في نصوص هذه القوانين نستنتج ما يلي:
1- للأسقف الإيبارشي السلطة على أموال الكنيسة، وعليه يقع واجب السهر والمحافظة عليها بكلِّ أمانة. لكن عليه أن يتصرَّف بها بكلّ تقوى ومخافة الله. إذ هذه الأموال تعود الى "الربّ".
2- يُحدِّد التشريع الكنسي طريقة إدارة هذه الأموال والغايات التي من أجلها يجب صرفها أو إستخدامها. وهي تنظيم العبادة الإلهيَّة، وتحقيق رسالة الكنيسة؛ مساعدة الفقراء والمعوزين؛ وللمعيشة اللائقة والكريمة لخدّام المذبح.
3- محاسبة الأسقف من قبل المجمع، في حالة ثبوت إساءته المقصودة في إدارة أموال الكنيسة، كونه المسؤول الأول عنها والساهر الأمين عليها.
4- يجب أن يكون كلّ ما هو من أملاك الكنيسة ظاهراً بمعرفة القسوس والشمامسة الذين حوله، فلا تخفى عليهم الأشياء التي تخصّ الكنيسة.
5- لا يجوز أن يأخذ الأسقف شيئاً من أموال الكنيسة أو ممتلكاتها لنفسه، ولا أنْ يهبَ ما يخصّ الله لأقربائه.
6- إذا كان للأسقف أملاك، فلتكن مميَّزة عن أملاك الربّ. وهكذا يكون للأسقف السلطة في أن يورث أملاكه الخاصّة بعد موته لمن يشاء وكما يشاء.
7- إذا كانت إدارة أموال الكنيسة مفوَّضة إلى وكلاء، ومدبِّرين علمانيين، فليكونوا من الحكماء خائفي الله. وعليهم أن يؤدّوا شهرياً أو سنوياً الوكالة باستقامة تُرضي الله، وأن لا يصنعوا أمراً معوجاً.
لم تجرِ مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الجديدة، التي دخلت مجال التنفيذ عام/1991، أيّ تغيير من الناحية القانونيَّة على حقّ الأسقف الإيبارشي في إدارة أموال الكنيسة الموجودة ضمن حدود الإيبارشية التي يرعاها، والسهر عليها. وأنَّ السهر هذا على أموال الكنيسة الموجودة ضمن حدود الإيبارشية، يعني التأكُّد من أنَّ الأموال تُستعمل لأهداف الكنيسة الخاصّة، ومن مراعاة النظام الكنسي في إطار إدارة الأموال. لذلك بقت في المجموعة القانونية الجديدة ذات الأسباب والغايات التي بمقدور الكنيسة أن تملك، تدير، تنقل الأموال أو الخيرات الزمنية (القانون/1022-البند1). أمّا ما يقصده القانون من عبارة: "بعد التأكُّد من مراعاة النظام الكنسي في إطار إدارة الأموال"، فهذا يعني بأنَّ الأسقف أيضاً ومن أجل إستخدام سليم لأموال الكنيسة الموجودة ضمن حدود إيبارشيته، ملزم بمراعاة الحقوق والعادات والظروف المعروفة؛ وأيضاً حدود الشرعَين العامّ والخاصّ بالإضافة إلى القوانين الخاصّة ومجموع الأنظمة المرعيَّة (القانون/1022 –البند2).


البطريرك والسهر على أموال الكنيسة البطريركـيَّـة:
مع الحفاظ على واجب وحقّ كلّ أسقف في إدارة أملاك أو أموال الكنيسة الموجودة ضمن حدود الإيبارشيَّة التي يرعاها، والسهر عليها بأمانة، يعود للبطريرك السهر على إستقامة إدارة جميع الأملاك الكنسيَّة الموجودة داخل حدود الرقعة الجغرافية لكنيسته البطريركية. وعلى البطريرك أيضاً أنْ يطالبَ جميع أساقفة الكنيسة البطريركية التي يرئسها بصفته أب ورأس (Pater et Caput)، أن يطالبهم بالسهر الحكيم، وبالأمانة والشفافية، في شأن إدارة أموال الكنيسة في إيبارشياتهم. أمّا في حال سوء الإدارة فبامكان البطريرك بعد موافقة السينودس الدائم أن يزور الإيبارشية بنفسه أو بواسطة أسقف آخر، ويقوم في خلال تلك الزيارة بكلّ ما هو من صلاحية الأسقف الإيبارشي في الزيارة القانونية (القانون/83-البند2)، آخذاً بعين الإعتبار أنَّ حقّ محاكمة الأساقفة ومعاقبتهم يعود للحبر الروماني وحده (القانون/97).

يتبع…

 

شاهد أيضاً

(The Motto of the Chaldean Patriarchate: “For we saw His star in the east and have come to worship Him” Matt (2: 2

Patriarch Louis Raphael Sako Chaldeans Pre – Christianity: Chaldeans were a major component of the …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*