الرئيسية / المقالات / الثقافة الكلدانية تتألق مع الرابطة الكلدانية

الثقافة الكلدانية تتألق مع الرابطة الكلدانية

د. عبدالله مرقس رابي – باحث أكاديمي


 تظهر بين حين واخر بعض المقالات الصحفية التي تكرر في محتواها على تراجع وتدهور الثقافة الكلدانية في عهد مار ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية من منطلق ضيق لربط عناصر الثقافة بالمؤسسة الدينية وأعتبارها هي الوحيدة المسوؤلة عن تفعيلها والحفاظ عليها. ولوجود غبطته على رأس المؤسسة الكنسية الكلدانية، يتصور هؤلاء أنه يتحمل المسوؤلية كاملة. وقد دفعني هذا التصور الى الكتابة عن الموضوع وتحليله من وجهة نظر سسيولوجية شمولية من خلال أستقراء المعطيات والمؤشرات في الواقع المنظور).


مفهوم الثقافة :
 وقد تُرجمت كلمة (culture) اللاتينية الى العربية عند بعض المفكرين العرب بمعنى الحضارة، وعند الاخرين بمعنى الثقافة وذلك تأثرا بالكتابات الغربية والجامعات التي تلقوا دراستهم فيها، ففي انكلترا وفرنسا وأمريكا تُترجم حضارة، وفي المانيا وبولونيا وروسيا عُرفت بالثقافة. والمعنى اللغوي للمفهوم هو حرث الارض وزراعتها. فأستخدمت مجازا في العلوم الانسانية والاجتماعية بمعنى تثقيف العقل وتنميته. وقد أطلق بعض المفكرين على مفهوم الثقافة للجانب المعنوي للحضارة، ويقابله مفهوم المدنية للجانب المادي. وهنا ساتناول مفهوم الثقافة مرادفاً لمفهوم الحضارة.
هناك عدة تعاريف للثقافة، أختلفت باختلاف المفكرين في كيفية دراستهم للمجتمعات البشرية، وبحسب الموضوع الذي كان ضمن اهتمامهم لدراسة الحضارة. ساختصر مفهوم الثقافة بما جاء به الانثروبولوجي البريطاني (ادورد تايلور) سنة 1871 في كتابه الموسوم (الحضارة البدائية)، ويُعتبر الاكثر شمولية، وأصبح المرجع الاساسي لعلماء الاجتماع والانثروبولوجيين حيث يعرف

الثقافة:
(ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد الدينية والفنون والاخلاق والقوانين والعادات والقيم والتقاليد والقدرات واللغة ووسائل الانتاج التي يكتسبها الفرد باعتباره عضوا في المجتمع). أي يتضمن كل ما ينتجه الانسان من الماديات واللاماديات، فهي نمط للحياة وطريقة العيش خاصة بمجتمع معين تنتقل من جيل الى آخر. يستخدم علماء الاجتماع هذا المصطلح لتحديد هوية المجتمع والفرد. فنمط الملابس وأنواع المأكولات واساليب التناول، والحركات الايحائية واللغة وطرق التعامل والتكنولوجيا المستخدمة في الانتاج وتصورات ومواقف الفرد هي التي تحدد هويته وتشخصها وفي الحال سيتعرف عليه الاخرون ويحددون لاي مجتمع ينتمي.

تعد الثقافة المرآة العاكسة للسلوك المتشابه لافراد المجتمع، واللغة المشتركة، وتُعبر عن أفكارهم ومعتقداتهم. فلابد من الوقوف على ثقافة المجتمع لفهم السلوك البشري. وبعد أن كان أعتقاد العديد من العلماء، أن الوراثة هي التي تحدد السلوك البشري وفقا للغرائز والدوافع، ألا أنه جاءت النظريات الاجتماعية لتدحض تلك الافكار وتؤكد على البيئة الاجتماعية الحضارية في تحديد وصقل السلوك البشري بتفاعلها مع الاستعدادات الموروثة، وليس مايرثه الانسان فقط.
أن الثقافة وأية ثقافة بشرية هي خاضعة لحتمية التغير بحكم الانتشار الثقافي كأحد عوامل التغير الاجتماعي في المجتمع، وأن الثقافات لا تندثر بل تتعاقب وتتداخل مع بعضها بحيث تندمج العناصر الثقافية لاية ثقافة سابقة مع الجديدة لتكون ثقافة لها شخصيتها المختلفة، ولا يحدث التغيير في العناصر المادية فحسب بل يشمل الجوانب اللامادية من أنظمة الحكم والقوانين واللغة والقيم الاجتماعية والدينية وحتى السمات الجسمية للانسان بحكم التزاوج بين أفراد الثقافتين المتعاقبتين. وهذا ما حصل مثلا في بلاد النهرين نتيجة للثقافات المتعاقبة.

الثقافة الكلدانية المعاصرة:
  ترجع أصول الثقافة الكلدانية الى سكان بلاد النهرين القدامى، وخضعت بفعل عوامل الانتشار والاقتباس الثقافي الى تغيرات متعاقبة زمانياً على اثر تعدد الثقافات التي نشأت على ارض بلاد النهرين من سكانها الاصليين أوالثقافات الغازية الوافدة. ولم تكن جامدة، بل متغيرة متحركة كباقي الثقافات الاخرى، فالثقافة الجامدة التي تتقوقع على نفسها وتتوارث ما خلفته الاجيال السابقة وتستمر على نفس النهج الاجتماعي والاقتصادي والفكري والممارسات والطقوس والفلكلور والتكنولوجية الانتاجية يدل على أنها تعاني من العزلة الاجتماعية ويكون حالها حال ثقافة الشعوب البدائية الطوطمية المتخلفة التي تعيش في غابات الامازون والجزر النائية. أما الثقافة المتغيرة التي تخضع الى عوامل الابداع الفكري في كافة المجالات والى عوامل الاقتباس الثقافي والانفتاح والتجدد، مع الحفاظ على التراث المفيد، أو الذي يمكن اعادة ترتيبه لكي تنسجم عناصره مع متطلبات المرحلة التاريخية والمستجدات في كافة نواحي الحياة، تدل على أنها ثقافة مزدهرة ومتطورة تدفع الافراد الى التكيف الاجتماعي والانسجام مع التغييرات الناجمة من حتمية التغير الثقافي.
فما الذي نسعى لتحقيقه ثقافة كلدانية تتمتع بعناصر تنسجم مع متطلبات المرحلة الحضارية التاريخية؟ أم ثقافة كلدانية تعاني من العزلة والتشبث بالتراث الذي وُضع لزمانه ومكانه ولا ينسجم مع متطلبات المرحلة؟ حتما سيكون الجواب تحقيق ثقافة متغيرة تتفاعل مع الحياة ومستجداتها.

الرابطة الكلدانية والوعي الثقافي المتجدد:
 المؤسسة الدينية في أي مجتمع تعد إحدى الركائز الاساسية من ثقافته لما فيها من ممارسات روحانية وطقوس وفعاليات ورموز تميز الجماعة البشرية عن غيرها، وهنا القول إحدى الركائز وليس الكل. فالحفاظ على الركائز الاخرى للثقافة مثل اللغة والتراث الاجتماعي والفكر والقيم والعادات والتقاليد تتولاها مؤسسات أخرى للتعاطي معها، ومن هذا المنطلق كانت دعوة البطريرك مار لويس بطريرك الكلدان موفقة صائبة جداً لتاسيس الرابطة الكلدانية لتؤدي مهامها المدنية في أعادة ترتيب البيت الكلداني وتقوية الروابط والتضامن والتكافل الاجتماعيين بين الكلدان المنتشرين حول العالم، وثم لاحياء التراث الكلداني الاجتماعي والسعي لايصال صوت الكلدان الى صناع القرار في الدول المتنفذة للتعبيرعن الاضطهادات والابادة الجماعية التي يتعرض الكلدان وكافة المسيحيين من الاشوريين والسريان والارمن اليها في العراق، كما أنها تسعى الى تنمية الروح الانتمائية الاثنية أو القومية بالمفهوم السياسي للكلدان المعاصرين. بينما مايرتبط بالطقوس الدينية والادارة والقوانين المنظمة للمؤسسة الدينية تتحملها المؤسسة الدينية نفسها.

دور الرابطة الكلدانية في تألق الثقافة الكلدانية :
 في مراجعة لأهداف الرابطة الكلدانية ومقارنتها مع ما تحقق من فعاليات يتبين أن الرابطة نجحت في سعيها لتحقيق اهدافها بفترة زمنية قياسية قصيرة ومدهشة ومثيرة للاهتمام:
لايصال صوت الكلدان الى صناع القرار العالمي نجحت بتسجيلها رسمياً كمؤسسة مدنية عالمية في منظمة الامم المتحدة، حيث ستتاح الفرصة لها مباشرة للمشاركة في الفعاليات العالمية. وتسجيلها رسمياً لفروعها التي تزداد يومياً في أوربا وأمريكا وكندا واستراليا وفي العراق والاردن حيث بلغت 17 فرع و14 مكتب لدى الجهات الرسمية للبلد التي تتواجد فيها، مما تُتاح الفرصة لمنتسبيها لاجراء اللقاءات الرسمية مع الحكومات المختلفة حول العالم وهنا يتحقق التعريف بالهوية الثقافية الكلدانية وتاريح الكلدان وحضارتهم ومآسيهم وأضطهاداتهم للضغط على صناع القرار في الدول المتنفذة لتدويل قضاياهم المصيرية واتحاذ الاجراءات المناسبة. ومن مراجعة أخبار الرابطة الكلدانية ومتابعتها نستشف بوضوح الزيارات واللقاءات المتكررة لاعضائها للمسؤولين الحكوميين في مختلف البلدان، ومنها مع مسؤولي حكومة العراق في بغداد وحكومة اقليم كوردستان. وكما تضطلع دوراً رائعاً في بناء جسور التواصل مع الاحزاب السياسية والمؤسسات المدنية للاثنيات الاخرى من أبناء شعبنا الاشوريين والسريان أنطلاقاً من مبدأ الانفتاح والعمل المشترك لتقريب الرؤى والمواقف تجاه الاحداث العامة.
وللرابطة دوراً كبيرا في تعزيز وترسيخ التضامن والتكافل الاجتماعيين للكلدان حول العالم، فأصبحت المنفذ والمنبر الاساسي لتلاقي الكلدان حول العالم ليسندوا بعضهم البعض وتنمية روح التضامن والتكافل بينهم، وعليه نجد الكلدان المنتشرين في المهجر يندفعون دائماً لمساندة الكلدان والمسيحيين في العراق مالياً ومعنوياً للتخفيف عن محنهم والامهم ومآسيهم، ولعل التبرعات السخية من الاموال لكلدان المهجر أثناء تهجير أخوتهم من دورهم من قبل داعش الاجرامية، وما تقوم به الرابطة حالياً عبر لجانها في المساهمة لاعمار البلدات الكلدانية وبدعم من كلدان المهجر بتألق الكلدان في مشيكن وساندييكو الامريكيتين وكلدان كندا واستراليا وفي كل مكان في مساهماتهم السخية لدعم أخوتهم الكلدان والمسيحيين في العراق أفضل المؤشرات لبيان دورها في التكافل والتضامن. ويضطلع هذا الدور أيضاً في ترسيخ الوحدة الثقافية ومفهوم الانتماء الاثني القومي للكلدان.
تعد المحاضرات الثقافية المستمرة التي تقيمها كافة الفروع والمكاتب عن التراث الكلداني وتاريخهم وواقعه الاجتماعي والسياسي، اضافة الى المهرجانات الفلكلورية التراثية والفنية التي تقيمها مساهمات فعالة في ترسيخ المفاهيم الانتمائية والهوية الكلدانية لتميز خصوصياتها عن الاثنيات الاخرى لدى الاجيال الشابة. أضافة الى مشروعها في أحياء اللغة الكلدانية المعاصرة لاعداد دورات لتعليم الكبار والصغار فلا تخلو أية كنيسة كلدانية من هذه الدورات، وتدريجياً تستلم هذه المهمة الرابطة الكلدانية.
وقد تالقت الرابطة الكلدانية تألقاً فريداً من نوعه ولاول مرة عند الكلدان المعاصرين قبل أيام بمناسبة عيد أكيتو الذي يعد أحد الرموز المهمة لسكان بلاد النهرين القدامى ليوحي للعالم بأنهم أمتداد للكلدان القدامى في بلاد النهرين. تلبية للدعوة التي وجهتها الهيئة العليا للرابطة الى فروعها ومكاتبها حول العالم للاحتفال بعيد أكيتو أقيمت المهرجانات الثقافية والاحتفالات الاجتماعية التي عبرت عن مظاهر الهوية الكلدانية الاثنية من حيث الفلكلور والازياء والفعاليات التي تُشيد بعطاءات الكلدان ومساهماتهم التاريخية قديماً وحديثاً في الحضارة البشرية. ومن متابعة أخبار الرابطة يتبين بوضوح الاندفاع الكبير لدى الكلدان للمشاركة في أحياء هذه الذكرى حيثما وُجدوا، وهذا الاندفاع هو دليل لدور الرابطة في تحفيز وتنمية الوعي الاثني والقومي لدى الكلدان منافياً تلك التصورات التي تؤكد على عدم وجود وعي قومي لديهم، أذ أن كل جماعة بشرية تتميز بخصائص أجتماعية وفكرية ولغوية تاريخية وانتمائية لارض واحدة لها مشاعرها الانتمائية الاثنية والقومية أنما أحياناً يكون الافراد بحاجة الى الاثارة والتحفيز لتقوية تلك المشاعر.وهنا لابد من التأكيد على دور المؤسسات الكلدانية الثقافية والاعلامية في المهجر والوطن في ترسيخ الثقافة الكلدانية سواء قبل تأسيس الرابطة أو مشاركتها حالياً في تفعيل الانشطة والفعاليات الثقافية.


خلاصة القول
 في ضوء المعطيات والمؤشرات التي نلاحظها يوميأ منذ اربع سنوات وأخص بالذكر منذ تسلم غبطة البطريرك مار لويس ساكو الرئاسة البطريركية للكنيسة الكلدانية، وثم تأسيس الرابطة الكلدانية لتتولى دورها في ترسيخ عناصر الثقافة الكلدانية نستنتج وبوضوح أن الثقافة الكلدانية روحياً ومدنياً تتألق وتزدهر ولم نر مثيلا لهذا الازدهار الا في عهد غبطته فهو رمز الثقافة الكلدانية وموحيها، ووجود الرابطة الكلدانية التي تعد الوسيلة المهمة لترسيخ مظاهر هوية الكلدان الثقافية من خلال أهدافها لتتعايش بسلام وانفتاح مع كافة الاطياف الاثنية والدينية في العراق ولكي تتكيف أجتماعياً في بلدان المهجر. ولا أقصد هنا بأن مؤسستنا الدينية الكلدانية والمجتمع الكلداني تخلوان من المشاكل ولا تعترضهما الصعوبات، فالمؤسسة أو المجتمع الذي يخلو من المشاكل والصعوبات لا وجود له الا في طوبائية جمهورية أفلاطون والمدينة الفاضلة عند الفارابي.
تمنياتي للرابطة الكلدانية بالنجاح والازدهار المستمر وتهنئة خالصة بمانسبة عيد أكيتو لجميع الكلدان والاشوريين المعاصرين في أحياء تراث أجدادهم في بلاد النهرين لتكون رسالة الى الجميع بأنهم هم أصل العراق منذ القدم وليس وجودهم على ارض بلاد النهرين منذ انتشار المسيحية فيها كما يدعي البعض.

 

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*