الرئيسية / المقالات / القاب يسوع المسيح

القاب يسوع المسيح

الاب لوسيان جميل

 
أعزائي القراء! من المؤكد ان ما سأكتبه ليس تاريخا، ولا هو لاهوت يتطلب الانسجام والمنطق، لكنه يشكل افكارا حول بعض المراحل الايمانية التي مرت بيسوع، وجعلته يكتسب القابا كثيرة، على مر الأزمنة، هذه الألقاب التي كانت ولا زالت لها قدسيتها الخاصة بها، مثل يسوع المعلم اي " رابي " يسوع. علما بأن هذا اللقب اكتسبه يسوع، وهو على قيد الحياة. اما لقب يسوع الملك، او يسوع المسيح، فلربما اعطاه له تلاميذه، اي اعطته له الكنيسة الأولى، عندما كان حيا يتجول في قرى ومدن الأمة الدينية التي كانت قد طالتها الشيخوخة الجدلية، وصارت على شفى التفكك والانحلال والموت الجدلي، الذي حصل على يد الرومان عام سبعين ميلادية. غير اني اعتقد شخصيا ان لقب يسوع الملك، او يسوع المسيح، المساوي ليسوع الملك في معناه، وكذلك يسوع ابن داود، هي القاب تكاد تكون لقبا واحدا، وهي كلها تعود الى لقب المسيح. فقد كان المرشح للملوكية، يصير ملكا، من خلال رتبة دينية ثيوقرطية، حيث ان رئيس الكهنة، كان يصب الدهن، او الزيت، على رأس المرشح للملوكية، مما كان يشكل علامة منظورة، تدل على قدسية رتبة تخويل السلطة الملوكية للمرشح، الأمر الذي يشبه بعض، او كل اسرارنا Sacrements المسيحية.
علما ان لقب المسيح، والذي يساوي لقب ابن داود، قد دخل الى الكنيسة، في وقت مبكر، بعد صلب يسوع، وبعد ان آمنت الكنيسة انه قام من القبر. (نحن نرى ان القيامة هي قيامة بمعناها الانساني الرمزي). غير ان فكرة المسيح المنتظر كانت موجودة عند الشعب اليهودي، قبل ان تضعف وتضمحل، بحيث ان الشعب اليهودي لم يكن قد بقي له اي امل يذكر، بمجيء المسيح المنتظر (الزعيم السياسي)، الذي في الواقع لم يكن غير اسطورة تعبر عن الرجاء بخلاص كان قد صار بعيدا جدا، اذا نظرنا اليه من منطلق الأمة الدينية الثيوقراطية. وبما ان الأمر هو هكذا، فان الكنيسة استخدمت لقب يسوع ابن داود، ولقب يسوع الملك والمخلص، وعبد يهوه المتألم، وغير ذلك من الألقاب، التي كانت لها ابعاد مقدسة والهية في العدين القديم والجديد، لكنها فضلت لقب المسيح على هذه الألقاب جميعها مع لقب عمانوئيل، اي الله معنا، والفادي… هذا وفي رأيي ان من ساعد على نشوء القاب يسوع كانت مزامير داؤد، وبعض الأنبياء ومنهم اشعيا النبي.
لوحة يسوع المسيح: ان لوحة يسوع المسيح، ويسوع الملك، ويسوع ابن داود، وحتى يسوع حمل الله الحامل خطايا العالم، نراها كلها مجتمعة في مشهد واحد هو مشهد السعانين، هذا العمل الرمزي الذي قام به يسوع، او ربما وضعه الانجيلي، لكي يقوم من خلاله، بترسيخ مسيحانية يسوع وملوكيته الروحية على البشر، وليس فقط على بني اسرائيل. فالمظاهرة التي حصلت، حين ركب يسوع المسيح جحشا، وتجول به، في انحاء اوروشليم، وحيث كان شعب بني اسرائيل يواكبونه مهلليين مستبشرين، وقائلين: اوشعنا! اوشعنا! اوشعنا لابن داود، كل هذا لم يكن له غير معنى واحد يقول ان يسوع هو المسيح المنتظر، وهو الذي حقق النبوات بهذا الخصوص. اما هتاف اوشعنا فيساعدنا هو الأخر في فهم معنى تلك المظاهرة، سواء كانت مظاهرة تاريخية ام رمزية. هذا وان معنى هتاف الجماهير الحرفي (اوشعنا) كان النصر لابن داؤد. (داؤد الملك).
لوحة بيزنطية: اعزائي القراء! اردت ان اسمي هذه اللوحة التي رأيتها على شاشة احدى الفضائيات، باللوحة البيزنطية، لأني لست اعرف رسام تلك اللوحة ومنشأها، فسميتها بيزنطية. غير اني، وان لم اكن اعرف الرسام ومكانه، لكني املك معلومات كافية عن مثل هذه الأعمال الفنية المعبرة عن حدث معين او عن ايمان معين. اما ما يهمني في هذه اللوحة فهو معناها الروحي، اذ ان هذه اللوحة التي تمثل يسوع راكبا على جحش ومتجولا في شوارع اورشليم، والجموع تتبعه وهي تهتف لأبن داؤد، فهو دليل مهم على ان يسوع قدم نفسه كملك، ولكن ملكوته ليست من هذا العالم. اما الزينة الفاخرة التي كان قد وضعها الرسام على رأس يسوع وعلى ثيابه، فتدل على انه كان يريد ان يقول بها ان يسوع ليس ملكا عاديا، وانما هو ملك الملوك. او امبراطورا بالمعنى الروماني. اما المسحة الرائعة التي كان الرسام قد وضعها على رأس يسوع وعلى ثيابه، وعلى محياه، والهالة التي كان قد وضعها حول رأسه، وحتى على الجحش الذي كان يسوع يمتطيه، فهي كانت تدل كلها على ان يسوع شخص سمـاوي، هو المسيح المرسل من السماء. هذا ويبدو ان الجحش مطية يسوع، كان فخورا بنفسه. ولما لا! الم يكن هذا الجحش جحشا ملوكيا؟ غير اننا وبعد كل هذا، نقول يا للفرحة التي ما دامت، هذه الفرحة التي ربمــا كان يسوع عارفا بها وبحدودها الزمنية، غير ان الشعب المسكين المغلوب على امره الذي كان على شفى الغرق، كان يتمسك بالقشة التي تنجيه من الغرق وتخلصه. فيوم موت يسوع على الصليب كان يوما كئيبا حزينا، كما كان يوما مخيفا ايضا، لأن شعب العهد القديم كان ينتظر الخلاص حيث يجده، على الرغم من المظاهر، لكن بموت يسوع مصلوبا، فقد الشعب الأمل. حتى ان الرسل تبددوا، ولم يبق مع يسوع غير مريم امه ويوحنا الحبيب.
اللوحة الأيقونة مقصودة: ومما يمكن ان نقوله الأن ان كاتب الانجيل تعمد وضع ما كتبناه اعلاه، كمشهد ملوكي يعمل تباينا كبيرا بين عيد السعانين ورموزه وبين الجمعة العظيمة التي يخيم عليها صليب الموت. فصحيح مات يسوع على الصليب، وصحيح ان يسوع كان بريئا مما نسب اليه، من انه يريد تدمير الأمة، لكن هذا الموت لم يكن موت ملك او امبراطور، وانما كان موت ثائر كان يطلب انقاذ الأمة ممن كانوا قد استلبوها. اما هذا المعنى السياسي او شبه السياسي، فنفهمه من شعار اوشعنا لأبن داؤد، اي النصر لابن الملك داؤد. النصر للمخلص. علما ان الجماهير كانت تفهم ان خلاصها يأتي من يسوع الملك، او من يسوع ابن داؤد.
اللوحة الأخيرة: تبدأ بالعشاء الأخير، وبرموزه الكثيرة. وهكذا برزت امامنا لوحة أخرى لا تلح على ان يسوع، هو المسيح المنتظر نفسه، ولكنها تعطيه القابا اخرى كثيرة، ومنها لقب حمل الله الحامل خطايا العالم. علما بأن يسوع بحمله صليبه والسير به نحو الجلجلة قد قبل الموت الطوعي تمسكا بالحقيقة والحق، وفداء لكل الضعفاء من بني البشر. وهكذا تم خلاص البشرية بطريقة مغايرة للخلاص الذي كانت اسرائيل القديمة تنشده: انه طريق المبادئ وهو طريق المحبة والسلام: احبوا بعضكم بعضا. وهو طريق القيامة ايضا.
 
القس لوسيان جميل
السبت 15 نيسان 2017

 

 

شاهد أيضاً

الأحد السادس من القيامة “ليكونوا واحدا”

+البطريرك لويس ساكو القراءات الأولى من سفر أعمال الرسل (10: 1 – 8) تؤكد على …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*