الرئيسية / المقالات / والحقُّ يُحَرِّرُكم

والحقُّ يُحَرِّرُكم

الشماس د. كوركيس مردو

فقالَ يسوعُ لليهودِ الذين آمنوا به: إنْ ثَبَتُّم في كلامي كنتم تلاميذي حَقّاً، تَعرفونَ الحقَّ والحَقُّ يُحرِّرُكم
يوحنا8: 31 – 32

بالنظر الى كون المسيح له المجد عارفاً بحالةِ الإنسان الراهنة تِلك، بأنها مُعتَّمة بظلمَةٍ روحية حالكة، ولا بُدَّ لها مِن نور يُضيئُها وهذا النور غـير متـوَفِّر إلا في المسيح وَحْدَه. فكلَّـمَهم أيضاً يسوعُ، قال: < أنا نورُ العالَم مَنْ يتبعُـني لا يمشي في الظـلام بل يكون له نور الحياة > يوحنا8: 12. فـقال له الفِريسيون: < "أنتَ تَشهَـدُ لِـنَفسِكَ، فـشهادتُـك لا تَصِحّ". أجابهم يسوع: إنِّي وإنْ شَهِـدتُ لِـنَـفسي فشهادَتي تَصِحُّ فأنا أعْـلَمُ مِن أينَ أتَيتُ والى أينَ أذهَب. أمّا أنتُم فلا تَعْـلَمونَ مِن أينَ أتَيتُ ولا الى أينَ أذهَب. أنتُم تَحـكُمون حُكمَ البشر وأنا لا أحْكُم على أحَد. وإذا حَكَمْتُ، فحُكمي صحـيح لأنّي لستُ وَحْـدي بل أنا والذي أرسلـني. وقد كُـتِبَ في شريعـتِكم: شهادة شاهِـدَين تصِحّ. أنا أشهَدُ لِنفسي والآبُ الذي أرسلني يشهدُ لي أيضاً. فقالوا له: أينَ أبوك؟ أجابَ يسوع: أنتم لا تعرفوني ولا تَعرفون أبي، ولو عَرَفتُموني لَعَرَفتُم أبي أيضاً. > يوحنا 8: 13 – 19.
كان الكلام الذي تفوَّه به يسوعُ توبيخياً شديد اللهجة! وإنَّ الفريسيين وأتباعَهم مِن اليهود كانوا يستَحِقّون ذلك، حيث كان تباهـيهم الخادع الذي غَـشّوا به أنـفسَهم بأنَّهم ما داموا أحْفاداً للآباء ابراهـيم واسحق ويعـقـوب، فإنَّ حياتهم الروحية لا تشوبُها شائبة. ولِصَراحةِ التعـليم الذي ورد في عِـبارات يسوع آمن به عَـددٌ كبير من الجمع الذي كان يُصغي الى أقواله، فقال للذين آمنوا: < إنْ ثَبتُّم في كلامي كُنتُم تلاميذي حقّاً، تعرفون الحَقَّ والحَقُّ يُحرِّرُكم > يوحنا 8: 31-32. وللأسف، فإنَّ الكثيرين من هؤلاء الذين سمِعوا أقوال يسوع الصريحة لم يؤمنوا بها برسوخ، لأنَّ تباهيَهم الإستعلائي بكونِهم من نسل ابراهيم، وأنَّهم لم يُستعبَدوا لأحدٍ قط، فاستكثروا على يسوع قولَه لهم انَّهم سيصبحون أحراراً. بينما كان المُتوقَّعُ مِنهم هو القبول بتلك الأقوال والترحيب بها بِجِدٍّ واهتمام، لأنها نابعة من مصدر الحرية والحق، وتناولت أهمَّ وأغلى مطلبٍ يحتاجُه العالم ألا هو التحرُّرُ مِن سطوة الشيطان وعبودية الخطيئة!
 ولكنَّ اليهود مُعاصِري زمن نشر المسيح لرسالته الخلاصية، رَدّوا على المسيح بنكران واستعلاء بأنَّهم لم يُستعبدوا قط! مع أنَّ يسوعَ لم يكن يُشير الى الإستعباد السياسي بل الى الذي هو أشرَّ منه بكثير هو الإستعباد للشيطان والخطيئة. ولكن يا تُرى، كيف أنكروا عبودية أسلافهم لفرعون مصر؟ كيف نسوا السبي البابلي أيام الملك الكلداني نبوخذنصر الثاني؟ كيف سهوا عن استعباد السلوقيين لا بل كيف غفلوا عن واقعهم الراهن في الوقت الذي فيه كان يُكلِّمُهم المسيح بهذه الأقوال ألم يكونوا يُعانون من حكم الرومان؟ لم يهتم يسوع بتفكيرهم البشري وواصل ايصال تعليمه إليهم قائلا: < الحَقَّ الحَقَّ أقول لكُم: " كُلُّ مَنْ يَرتَكِبُ الخطيئة يكونُ عَبداً للخطيئة. والعَبدُ لا يُقيمُ في البيتِ دائماً أبداً بل الإبن يُقيمُ فيه للأبد. فإذا حرَّركُم الإبنُ كنتم أحراراً حقّاً. أنا أعلمُ أنَّكم نسلُ ابراهيم ولكـنَّكُم تُريدون قَـتلي لأنَّ كلامي لا يجدُ إليكُم سبيلاً. أنا أتكلَّم بما رأيتُ عِندَ أبي وأنتُم تَعمَلون بما سَمِعتُم مِن أبيكم. > يوحنا 8: 34 – 38.
أيها القراء الأحباء، هل استساغ اولئك الذين آمنوا بيسوع تشخيص الطبيب الإلهي لحالة البشر الأليمة؟ لدى قوله: < إنَّ كُلَّ مَنْ يرتكِبُ الخطيئة يكونُ عَبداً للخطيئة > وأنا وأنتم ما هو موقفُنا مِن الحِوارالذي جرى بين يسوع وبعض مُعاصِريه من اليهود؟ هل نؤيِّد يسوع أم نُجاري مُعاديه أو مُعارضيه؟ وهل نُقِرُّ بأنَّ فاعِل الخطيئة هو عبدٌ لها؟ يسوع له المجد لم يقتصِر بكلامه على تشخيص الداء المُلازم لبني البشر أجمعين، بل أرشدنا الى مَنْ بإمكانِه إعطاءَنا الدواء الناجع للشفاء منه بقوله: < فإذا حرَّرَكم الإبن كنتُم أحراراً حقاً > فإذاً لا حرية إلا في المسيح وبالمسيح، ومّن يختبرُها هو ذلك المؤمِن الحقيقي بيسوع والثابت في كلامِه المُحيي! ما اسماها مِن حُريةٍ وما أطيَبَها، إنَّها تنقية لقلب الإنسان من الخطيئة القابعة في داخلِه.
ألم يكُن تحَـدِّياً صارخاً رفضُ اليهود لكلام يسوع بقـولهم: < إنَّ أبانا هو ابراهيم > متباهين ومُصِرِّين بأنَّهم سائرون على الطريق الذي رسمَه لهم ابراهيم؟ اعتبر المسيحُ إدِّعاءَهم فارغاً حيث قال لهم: < لو كنتُم أبناءَ ابراهيم لَعَمِلتُم أعمال ابراهيم. ولكنَّكم تُريدون الآن قتلي، أنا الذي قُلتُ لكُم الحَقَّ الذي سَمِعَه مِن الله، وذلك عملٌ لم يَعْمَلهُ ابراهيم. أنتُم تعمَلون أعمال أبيكم. قالوا له: نحن لم نولَد لِزنىً، ولنا أبٌ واحِدٌ هو الله. فقال لهم يسوع: لو كان اللهُ أباكم لأحببتموني لأنّي مِن الله خرجتُ وأتَيتُ. وما أتَيتُ مِن نفسي بل هو الذي أرسلني. لماذا لا تَفهمون ما أقول؟ لأنَّكم لا تُطيقون الإستماع الى كلامي. أنتُم أولادُ أبيكم إبليس تُريدون إتمام شهواتِ أبيكُم. كان منذ البدءِ قَتّالاً للناس ولم يثبُت على الحق لأنَّه ليس فيه شيءٌ من الحق. فإذا تَكَلَّمَ بالكَذِبِ تَكَلَّمَ بما عنده لأنَّه كَذّابٌ وأبو الكَذِب. أمّا أنا فلأنّي أقولُ الحَقَّ لا تؤمِنون بي. مَنْ مِنكُم يُثبِتُ عليَّ خطيئة؟ فإذا كُنتُ أقولُ الحَقَّ فلماذا لا تؤمِنونَ بي؟ مَن كان مِنْ الله استَمَعَ الى كلام الله. فإذا كُنتُم لا تستمِعون إليه فلأنَّكم لَستُم مِن الله > يوحنا 8: 39 – 47. ليس هناك مِن عجبٍ في كلمات المسيح، وإنَّ محبَّتَه للبشر لم تتجاهل حالتَهم الروحية الأليمة. ولم يأتِ الى العالم إلا ليُخلِّصَه من أدران الخطيئة، ولذلك فمنذ الحبل به من العذراء مريم دُعيَ اسمُه يسوع ويعني مُخلِّصاً او مُنقذاً او مُحرِّراً.
خاطب يسوع معاصِريه اليهود بمنتهى الصراحة، ولكنَّهم جابهوه بمنتهى العِناد عندما أجابوه: < ألسنا على صوابٍ في قولنا إنَّك سامريٌّ، وإنَّ بِكَ مَسّاً من الشيطان؟ أجابَ يسوع: "ليس بي مَسٌّ من الشيطان ولكنّي أكرمُ أبي وأنتُم تُهينوني. أنا لا أطلُبُ مجدي فهناك مَن يطلُبُه ويحكُم. الحَقَّ الحَقَّ أقولُ لكم: " مَن يحفظ كلامي لا يرَ الموتَ ابداً". قال له اليهود: " الآن عَرَفنا أنَّ بكَ مَسّاً مِن الشيطان. ماتَ ابراهيمُ وماتَ الأنبياء، وأنتَ تقول: مَن يحفظ كلامي لا يَذُق الموتَ أبداً. أأنتَ أعظم مِن أبينا ابراهيم الذي مات؟ وقد ماتَ الأنبياءُ أيضاً. مَنْ تجعلُ نفسَكَ؟ أجاب يسوع: "لو مَجَّدتُ نفسي لَكان مَجدي باطلاً ولكنَّ أبي هو الذي يُمجِّدُني ذلكَ الذي تقولون أنتُم: هو إلهُنا. أنتُم لم تَعرفوه، أما أنا فأعرفُه. ولو قلتُ إنّي لا أعرفُه لكُنتُ مثلَكُم كاذباً. ابتهجَ ابوكُم ابراهيم راجياً أن يرى يومي ورآهُ ففرحَ. قال له اليهود: "أرأيتَ ابراهيمَ وما بَلَغتَ الخمسين؟ فقال لهم يسوع: "الحَقَّ الحَقَّ أقولُ لكُكم: قَبلَ أن يكونَ ابراهيم، أنا هو" فأخذوا حجارة ليرموه بها، فتوارى يسوع وخرجَ من الهيكَل. > يوحنا 8: 48 – 59.
ما جاءَ يسوع الى العالم إلا لإيصال رسالته الخلاصية التي إئتمَنَه عليها الله الآب، ولكِنَّ مَن كانوا خاصته وأبناءَ جِنسه الذين سمِعوا أقوالَه وشاهدوا عياناً ما اجترحه مِن مُعجِزاتٍ وخوارق، ليس فقط لم يؤمِنوا به بل اتهموه بالتعاون مع الشيطان فيا لشدَّة غبائهم! أنا لم أتوخَّى من شرح الفصل الثامن من انجيل يوحنا لتوجيه نقدٍ تاريخي لليهود معاصري رسالة يسوع، وإنما هدفي هو ايضاح وتذكير القرّاء الكرام بكلمات يسوع المُحيية لكي من خلالها يختبروا الحرية الحقَّة التي تحدَّث عنها يسوع له كُلُّ المجد.

 

 

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*