الرئيسية / المقالات / السلطة في الكنيسة والتوازن بين الفكر والعمل

السلطة في الكنيسة والتوازن بين الفكر والعمل

المطران د. يوسف توما


قرّر وينستون تشرشل (1874 – 1965) رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية، في نهاية حياته أن يتعلم فن رسم اللوحات الزيتية، فقال: "إن رسم لوحة ما يتطلب نفس الجهد المطلوب من القائد في المعركة، أي: تفكيرا مسبقا ومحكَما بالضربات التي سيوجّهها في لحظة ما، ونظرة شاملة عامة على جميع نواحي الأبعاد، الاستفادة من الصدفة والفرص السانحة وتحويل الخسائر إلى انتصارات أو محاولة تغطيتها… كل شيء في الحياة معركة: أي فكر وعمل".
كنت أفكر بمقولة هذا القائد الذي اختبر أقسى امتحان في القرن العشرين لكنه جعل بلاده تنتصر على النازية، إلا أنه عانى الكثير من أبناء بلده ومن خصومه السياسيين، ففي الأوقات الحرجة يكثر موزعو النصائح وأصحاب الأمنيات والتمنيات، لكن كما يقول المثل الشعبي: "الذي يده في النار ليس مثل الذي يده في الماء"!
لقد أصبحت ممارسة أي سلطة في زماننا مثيرة للتساؤل والقلق، ولعل السبب هو التعقيد، أو المطالبة بأن يكون صاحب السلطة كاملا من جميع النواحي، في حين إننا في كل قداس نصلي من أجل رؤسائنا الروحيين والزمنيين (ضع السلام بين الكهنة والملوك)، لعلها أفضل طريقة نساعد كليهما، بالصلاة، وكما قال القديس أوغسطينس: "أنا أسقف عليكم ومسيحي معكم، تلك للدينونة وهذه للرحمة". لكن الانتقادات التي تتوزع من هنا وهناك – وقد تكون بحسن نية – تعتمد التذكير بأقوال مقدسة واستشهادات كتابية، لكن الدافع هو الثقة بأن صاحب الانتقاد يعرف ويفهم ولهذا يستطيع أن يتكلم، وأقول له هل الكلام يكفي؟ وإن كان الكلام جميلا. فالأمور واقعيا أحيانا كثيرة معقدة بحيث يبدو أمامها كل كلام مضيعة للوقت، هذا إن لم يكن شللا نابعا من كآبة أو عجالة أو رغبة في أذية من يحاول أن يعمل، أو تشكيكا في نياته وكفاءته في العمل!
الواقعية والجانب العملي وقصر الوقت هي التي جعلت أحد أصحاب المشاريع الخيرية يقول: حتى لو كان صاحب الصدقة والتبرع يعطي من أجل غاية أو مصلحة أو لكي يراه الناس… لكن في نهاية المطاف هذا الشخص يعطي، وهو أفضل ممن ينتقده ولا يساعد، فالأول يشبع الجياع على الأقل. إنها مسألة فاعلية وهي إذا ما كانت إيجابية سوف تقدم وهذا هو الفرق بين المؤسسات الفاعلة أو المعطلة أو التي هي مجرد واجهة ثقيلة مشلولة. كل واحد يقف أمام مسؤولياته بنفسه: ماذا كنت سأفعل في هذه الظروف القاسية التي يمر بها شعبنا؟ وهل يحق لي أن أنتقد غيري الذي يعمل ويعطي ما في وسعه؟
إن أثمن ما لدينا هو الوقت وبعضهم ينتظر كي يعمل أن تكون الأوقات مواتية، لكن الركب يسير وقطار الحياة لا ينتظر أحدا. ولدي شعور أن بعضهم يتعوّد على الدوران في حلقة الجدل العقيم (حلقة مفرغة) ويضع الاعتبارات التي لم يعد تحتها أي طائل، وليس أثقل على المؤسسات سوى الهرب في اللجان، خصوصا إذا ما سلمت إلى أناس غير أكفاء.
تنقسم خبرة الشعوب إلى قسمين: الذين ينتظرون الشخص المناسب أو الذين يخلقون المؤسسة المناسبة التي لا تزول بزوال الأشخاص أو تبديلهم، والأفضل هو أن تقوم بعض المؤسسات بتربية قادتها متطلعة إلى المستقبل فتسلم الراية بيد أناس أكفاء أعدوا إعدادا جيدا. المهم إذن الجمع بين القيادة – الكفاءة والحنكة والرؤية المستقبلية، أما الأحكام التي تطلق على من يتخذ القرار فليست مهمة ولا منصفة، فالمسيح لم يتردد من إعطاء السلطة بيد بطرس، الناكر معتمدا على محبته وقال: "من ثمارهم تعرفونهم"، هذا هو المقياس لا غيره، إذا زرعت حنطة ستظهر النتيجة بعد بضعة أسابيع، أما إذا زرعت شجرة فعليك أن تنتظر سنوات، هكذا قرارات القيادات البشرية، إنها تتعامل مع الإنسان وهو أعقد من الشجر في نتائج الثمر، الأجيال الصاعدة هي التي ستحكم وليس نحن.
صاحب الكفاءة إذن ليس فقط القادر على الحكم الآني، وليس المتسرع لإرضاء المنتقدين أو الشامتين، بل هو الذي يحب ويفكر بالمستقبل ويوزع اهتمامه على الجميع ويتأنى، وهذا يذكرني بأحد أبنائنا في الشتات اتصل بي وهو ينتقد بعض ما ينشر في وسائل الاتصال، قلت له: "رجاء، لقد شبعنا من هذا الكلام، أنصحك مدّ يدك إلى جيبك وأخرج 10 دولارات وأرسلها إلينا لنشتري علبتي حليب نطعم بها طفلا مهجرًا لبضعة أيام، وهذا أفضل من كل كلام"، استفزه هذا وأخذ يجمع التبرعات لأطفالنا بدون طبل ولا تزمير…
هنالك نقطة مهمّة يجدر عدم نسيانها: وهو أن السلطة الكنسية تختلف بحسب الأزمان والأمكنة، فهنا تعتني بالمرضى، وهنالك بالمدارس ولدينا أخذت على عاتقها أعمال الخير والمساعدات، حتى إن لم يكن هذا أصلا من شأنها وأولوياتها، بل من شأن المؤسسات الخيرية والحكومية، ناهيك عما تطالب به الكنيسة من أن يكون لها دور في الشأن العام وكلمة في السياسة وتدخلات أخرى إعلامية. المشكلة ليست في الكنيسة ولا في رجالها، بل في المجتمع ككل، وبأمور تتجاوزنا جميعا من تيارات ودوامات تجرفنا مثل تراكيب الانتماءات والهويات في مجتمعاتنا الشرقية التي لم تتمكن بعد من بناء مؤسسات حقيقية، لكننا بقينا نرقع على مستوى الأشخاص ونزاعاتهم وبشريّتهم، هذه إن لم يقحموا أنفسهم في مواقف ليس لهم أن يكونوا فيها، خصوصا المسائل المتنازع عليها وغير الناضجة، حتى لو على حساب فقد حريتها كأن تتكئ على هذا أو ذاك من التيارات والأحزاب!
إن هذا الموضوع هو السبب في معاناة مجتمعات عدة توصلت بعد قرون أو عقود إلى رؤيته بوضوح، لكننا في الشرق لم يتسنَ لنا قط هذه الفسحة أو قابلية الركون، فأصبحت السلطة بمثابة شوكة في خاصرة كل المؤسسات: من يأمر من؟ وكأنما الكل يريد لنفسه حق الفيتو، على حساب الفاعلية والنجاح وسرعة تنفيذ وتحقيق المطلوب.
كم من المشاريع تموت بسبب المماطلة، خاصة إذا ما وضعت بيد بيروقراطيين غير أكفاء، ما عدا ما يثقل الماكنة من أحمال وعدم اكتمال النصاب في الاجتماعات، والدمدمة ضد فلان وعلان… مما يجعل الكيل يطفح. ويجعل بعض الأجيال تتحسر على "أيام الخير" و"الزمن السعيد" و"أيام زمان"، في حين كان أولئك أيضا يصادفون ما نصادفه اليوم من انتقاد وثورات وهياج، وعندما تنجلي الحقيقة يظهر أن الانفعال كان وراء كل شيء وليس الحقيقة، كما حدث إبان الثورة الفرنسية في عام 1789، ثار الناس على الملك لويس السادس عشر وقطعوا رأسه وساروا ليحرّروا من كانوا يقبعون في سجن الباستيل المخيف، ماذا وجدوا؟ خمسة أفراد فقط! سيبقى الإنسان ضعيفا بسبب ذاكرته ولا يتعلم من دروس الماضي، فكيف يمكنه أن يخطط للمستقبل أو يستعد له؟
 
كركوك 21 نيسان 2017

 

شاهد أيضاً

الاحد الخامس “الغني ولعازر” الدنيا دوارة، الغني تعيس والفقير سعيد

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر إشعيا (28 : 14 – 22) تنقل …

تعليق واحد

  1. سيادة الراعي الجليل المطران د. يوسف توما الجزيل الاحترام

    بارخ مار

    الانسان بغض النظر عن المؤسسة التي يعمل فيها دينية كانت أم مدنية معرَّض لأن يقع في أخطاء غير مقصودة لأنه بشر والكمال لله وحده والذي يعمل كثيراً في ظل ظروف غير مستقرة يجلب انتباه الذين يعملون قليلاً أو لا يعملون شيئاً يذكر ويشعرون بنقصهم ويحاولون تعويض ذلك النقص عن طريق التقليل من أهمية جهود العاملين بنشاط.

    النقد أو الانتقاد البناء والهادف يجب تقبله برحابة صدر لأنّ الغاية منه التنبيه عن الهفوات التي قد تحصل من قبل هذا المسؤول أو ذاك بغية تصحيحها أما أن يكون لغرض الانتقاص والتسقيط أو لتصفية حسابات شخصية مع المقابل فذلك أمر يجب مواجهته بالدليل والبرهان وبأسلوب رفيع يعلو على الأسلوب الهابط الذي يتبعه النقاد أصحاب النوايا غير السليمة.

    هناك نوع بائس من النقد يقوم به ذووالأقلام المعروضة للايجار (كتاب عرائض) الذين يتلقون أجراً لقاء كل ما يكتبونه أي أنهم يعملون بالقطعة كما يقال في التعبير الشعبي ولكن الأتعس منهم هم أولاك الذين لا يملكون الشجاعة الكافية لتصفية حساباتهم وحل عقدهم بشكل مباشر فيستعينون ومن خلف الستارة بالأجراء للقيام بالعمل نيابة عنهم ومع كل الأسف هناك أمثلة حية لذلك وفي جميع المؤسسات .

    ولكم مزيد التقدير والاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*