الرئيسية / المقالات / إدارة الأموال الكنسيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثالث

إدارة الأموال الكنسيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثالث

الاب سالم ساكا


المدير المالي الإيبارشي
كما أشرنا في الجزأين السابقين من مقالتنا "إدارة الأموال الكنسيّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية"، بأن يمكن تبرير إمتلاك الأموال أو الخيرات الزمنيَّة كون هذه الأخيرة ضرورية لتحقيق الأهداف الكنسيَّة "ضروريَّة لأهدافها الخاصّة". وبالتالي، يصبحُ هذا الحقّ أقلّ أهميَّة في حالةِ كانت الأموال الزمنية مخصَّصة لأهداف أخرى، لأنَّ الكنيسة تستعملها بقدر ما تتطلَّبه رسالتها الخاصّة. فهذه الوسائل لا تُستعمل إلاّ لتحقيق الأهداف المتعلّقة برسالة الكنيسة. ويُشكّل هذا أيضاً حداً للملكيَّة الكنسيَّة؛ أجل كما جاء في تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني: "أنَّ الدنيويات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعلويات في الوضع البشري. وتستخدم الكنيسة عينها الوسائل الزمنية بقدر ما تقتضيه رسالتها الخاصّة. غير أنَّها، أي الكنيسة، لا يجب أن تضع رجاءها في الامتيازات التي تُقدِّمها لها السلطات المدنية. أضف الى ذلك أنَّها تتخلّى عن ممارسة بعض الحقوق التي استحصلت عليها شرعياً، إذا بدا أنَّ استعمالها مُدَّعاة للشكّ في نقاوة شهادتها، أو إذا قضت الظروف الجديدة باجراءات أخرى. لكنَّه من العدل أنْ تتمكَّنَ من التبشير بالايمان، دائماً وفي كلّ مكان، بحريَّة حقة، وأنْ تُعلِّم عقيدتها في المجتمع متمِّمة دون عوائق، رسالتها بين البشر. أمّا بشأن الأهداف الخاصّة فهي: إنَّ الأموال الكنسيَّة الفعليَّة تُستعمل لأهدافٍ خاصّة يتحتَّم على الكنيسة بلوغها، ما يخوّلها إمتلاك أموالٍ زمنية. وتشمل تلك الأهداف: تنظيم العبادة الإلهيَّة، دعم أعمال الرسالة والمحبَّة، وبشكلٍ خاصّ إعانة الفقراء، وكذلك تأمين معيشة لائقة للاكليروس" (فرح ورجاء، العدد/76).
إنَّ القائمة القانونية للأهداف الخاصّة بالكنيسة لا تُعتبر كأولويّة مطلقة، نظراً لضرورة تقدير هذه الأولوية على ضوء أوضاع الحاجات الملموسة. وبالفعل، قد يترتَّب في حالات طارئة، واجب تخصيص الأموال الكنسيَّة لإعانة الفقراء والقيام بالأعمال الخيرية، لكن دائماً مع الحفاظ الدائم لمبدأ العدالة.
من وجهة نظر المجمع الفاتيكاني الثاني وممّا جاء في القانون/1007 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكة، ليس هناك أي غاية تُشكِّل هدفاً راجحاً على سواه. لكنَّ أمر تحديد الألويّات يعود الى الحبر الروماني بصفته المدير الأعلى للأموال أو الخيرات الكنسيَّة، كما يسهر على عدم إهمال أيّ من الأهداف الرئيسيَّة. من ناحيةٍ أخرى، إنَّ تعداد الغايات أو الأهداف التي من أجلها للكنيسة الحقّ في الاكتساب والامتلاك وإدارة الأموال الزمنيَّة هو على سبيل المثال وليس الحصر، ويمكن استنتاج ذلك من العبارة "وفي المقام الأول" "خصوصاً" "لا سيما" الواردة في نصِّ القانون المذكور أعلاه.

 

أصل مؤسَّسة الإدارة الماليَّة في الكنيسة:
إنَّ مؤسَّسة إدارة الأموال والممتلكات الزمنية قديمة في الكنيسة. إذ كانت ترتبط بموجب سفر أعمال الرسل بالشمامسة: "وفي تلك الأيام إذ تكاثر التلاميذ حدث تذمُّر من اليونانيين على العبرانيين أنَّ أراملهم كنَّ يُغفل عنهنَّ في الخدمة اليوميَّة. فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ وقالوا لا يرضي أنْ نتركَ نحن كلمة الله ونخدم موائد. فانتخبوا أيّها الأخوة سبعة رجال منكم مشهوداً لهم ومملوئين من الروح القدس وحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة. وأمّا نحن (الرسل= الأساقفة) فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة. فحسن هذا القول أمام كلّ الجمهور فاختاروا استفانوس رجلاً مملوأً من الايمان والروح القدس وفيلبس وبروخورس ونيكانور وتيمون وبرميناس ونيقولاوس دخيلا انطاكيا. الذين أقاموهم أمام الرسل فصلّوا ووضعوا عليهم الأيادي" (أعمال الرسل 6/1-6). كما أنَّ مجمع خلقيدونية/451م يُلزم الأسقف بتعيين مدير مالي يدير أموال الإيبارشية وممتلكاتها: "بما أنَّه قد بلغنا أنَّ بعض الأساقفة يديرون مصالح الكنيسة الماليَّة بدون ايكونومس (مدبّر)، فلاحَ لنا أنّه يحسن بأن يُعيَّن مدبِّر لكلِّ كنيسة فيها أسقف ينتخبه الإكليريكيون عنده ويُعهَد إليه بالإعتناء بمصالح الكنيسة الماليَّة وإدارتها بموافقة الأسقف ومراقبته لمنع حدوث تلاعب أو تبذير في أموال الكنيسة ممّا يُسبِّب اللّوم على أرباب الثوب الاكليريكي. وإذا رفض الأسقف العمل بموجب هذا القانون يكون عرضة لما تفرضه القوانين الإلهيَّة من عقوبات… ليعتنِ الأسقف بأمتعة الكنيسة وليديرها بمراقبة الله، على أنه لا يجوز أن يتَّخذ شيئاً لنفسه ولا أنْ يهبَ ما يخصّ الله لأقربائه أو أصدقائه، أمّا إذا كانوا فقراء فليساعدهم بالاسعاف العامّ كسائر المحتاجين ولا يؤذَنْ له أن يتَّخذ ذلك حجّة لبيع أمتعة الكنيسة" (القانون/26).


تعيين المدير المالي الإيبارشي:
المدير المالي إذاً هو القيِّم على إدارة أموال الإيبارشيَّة. ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية، بموجب القانون/262 –البند1، تُلزم الأسقف الإيبارشي بتعيين مدير مالي إيبارشي لمدة يُحدِّدها الشرع الخاصّ، لكن بعد إستشارة هيئة المستشارين الإيبارشيين (القانون/271) ومجلس الشؤون الماليَّة (القاانون/263). نعني بالإستشارة هنا، الإستماع إلى رأيهم دون إلزام الأخذ بمضمونه. فللأسقف الإيبارشي إذاً أن يُعيِّنه بملء حريَّته.
يُعيِّن الأسقف الإيبارشي المدير المالي لمدة يُحدِّدها الشرع الخاصّ. علماً أنّ مجموعة الحقّ القانوني اللاتيني تُحدّد هذه المدّة بخمس سنوات "يُعيَّن الوكيل لفترة خمس سنوات، غير أنَّه يمكن تعيينه لفترة خمس سنوات أخرى بعد انقضاء هذه الفترة…" (القانون/494 –البند2). وبعد تعيينه، ومادام شرعاً في وظيفته، لا يعزله الأسقف الإيبارشي إلاّ لسببٍ هامّ وخطر، يُقدِّره بعد إستشارة هيئة المستشارين الإيبارشيين ومجلس الشؤون الماليَّة. فكما كان بالنسبة لتعيين المدير المالي كذلك بالنسبة لعزله يحتاج الأسقف الإيبارشي إلى إستشارة مؤسَّستي هيئة المستشارين ومجلس الشؤون المالية (القانون/262 –البند2).


صفات المدير المالي الإيبارشي:
على هذا المدير المالي الإيبارشي، يطلب الشرع، أن يتحلّى بصفات يُحدِّدها بــــ الإيمان والخبرة والنزاهة والإستقامة. فالإيمان يربطه بالله وبالكنيسة وتعاليمها والعقائد، وفيه يكمن البُعد الديني؛ أمّا الخبرة فمهنيَّة، إذ ترتبط بمهارة إدارة الممتلكات والمحاسبة، وكلّ الشؤون الماليَّة؛ وأمّا الإستقامة فترتبط بصدقه مع ذاته وبالوفاء والإخلاص والأمانة بما يعمل، وهي تتنافى مع الإنحراف والفساد والسرقة والتبذير والضياع. فمن يدير أموال الكنيسة يجب أن يتحلّى بكلِّ هذه الصفات لأنَّ المال موضوع تجربة.


واجبات المدير المالي الإيبارشي:
1- إدارة أموال الكنيسة تحت سلطان الأسقف الإيبارشي الذي يُحدِّد بالمزيد من الدقة حقوقه وعلاقاته بمجلس الشؤون المالية.
2- السهر على إدارة الأموال الكنسيَّة في الأيبارشية كلّها دون إستثناء. في كلتا الحالتين (إدارة الأموال والسهر عليها)، هو يُدبِّر أمر حفظها من التبديد والضياع، وحمايتها من التعدّيات والتجاوزات وغيرها، وإنمائها بتشغيلها وإستثمارها، لتصبح موضوع إهتمامه. وإن أهمل إدارة الممتلكات الكنسيَّة، فهو يعوِّض عن الإهمال.
3- من جهةٍ أخرى، على المدير المالي أن يؤدّي حساباً عن إدارته الماليَّة للأسقف الإيبارشي بمناسبتين: مرة كلّ سنة، وكلَّما طلب الأسقف الإيبارشي ذلك. طبعاً، ليس من الضرورة أنْ يكونَ الأسقف الإيبارشي خبيراً مالياً، لذلك يجب عليه أنْ يراجعَ الحساب الذي قدَّمه المدير المالي عن طريق مجلس الشؤون الماليَّة.
4- أمّا في حالة شغور الكرسي الإيبارشي فهناك واجبات مفروضة على المدير المالي الإيبارشي القيام بها؛ مثلاً عليه أنْ يقوم بوظيفته تحت سلطة مُدبِّر الإيبارشية، وتُحال إليه إدارة الأموال الكنسيَّة التي ليس لها مُدبِّر بسبب شغور الكرسي الإيبارشي، ما لم يُدبَّر غير ذلك (القانون/232 –البند1)، وعند وصول الأسقف الإيبارشي الجديد يُقدِّم له المدير المالي حساباً عن إدارته (القانون/232 –البند4).

 

يتبع…

 

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*