الرئيسية / المقالات / الإيمان بالمسيح مؤكَّدٌ وليس أعمى

الإيمان بالمسيح مؤكَّدٌ وليس أعمى

الشماس د. كوركيس مردو


نبذة موجزة عن يسوع المسيح المُتجسِّد ولماذا الإيمانُ به مؤكَّدٌ وليس أعمى؟
 
في الواقع ليس باستطاعتنا نحن البشر أن نُدرك إنْ كان الله موجوداً وبأيَّة طبيعة هو، إنْ لم يُبادِرْ هو ويكشف لنا عن كينونتِه. ينبغي أن نقف على ما يتَّصِف به ونتعرَّف على كيفية تعامُلِه معنا. لو عَلِمنا افتراضاً بوجوده كديكتاتورٍ، قاسٍ، مُتقلِّبٍ، مُخيفٍ، ومتحاملٍ، كما كان يتخيَّلُه مارتن لوثر أشنع الهراطقة في القرن السادس عشر. ألا تكون معرفتنا له بهذه الصفات مُرعِبة؟
 
مِن الواجب علينا أن نُجريَ مسحاً للأُفق الكوني لنتأكَّدَ إنْ كانت هناك دلائلُ تشهدُ على وجود الله! وها إنَّنا قد وجدنا دليلاً كاملَ الوضوح. إذْ في قريةٍ مِن قرى البلاد اليهودية المدعوَّة "بيتَ لحمَ" وقبل ألفين وسبعة عشر سنة وُلِدَ يسوع المسيح في مغارة، ووضعته العذراءُ مريمُ أمُّه في مِذودٍ، ومنذ ذلك وحتى اليوم لا زال العالَم بأسرِه يحتفل بميلاده.
 
لقد عاشَ يسوعُ المسيح بصمتٍ وهدوءٍ حتى بلغ الثلاثين مِن عُمره الذي يؤهِّله للتبشير برسالتِه علناً حسبَ التقليد اليهودي، واستمرَّ فيه طوال ثلاثةِ أعوام مُصمِّماً على تغيير مجرى التاريخ وتنقيتِه من كُلِّ الشوائب التي شابته عبرَ الأجيال. كان يسوع يتَّصِف بشخصيةٍ فريدة مُحبَّبة ولطيفة، جذبت الجماهيرَ للإصغاء إليه بشوقٍ وسرور < لأنَّه كان يُعلِّمُهم كمَن له سُلطان، لا مثل كتبتِهم > (متّى7: 29).
 
إذاً يسوع المسيح مَنْ هو؟
 لم يلبثْ يسوعُ المسيح طويلاً حتى بدأَ يُدلي بتصريحاتٍ عن ذاتِه، أذهلتْ المُصغين إليه وصدمتْهُم بعمقٍ، حيث كشفَ عن ذاتِه بشكلٍ يسمو على النبيِّ أو المُعَلِّم! شرعَ يُخاطبُهم بصراحةٍ ويقولُ لسامعيه مِن عامةِ الناس بأنَّه هو الله. تجلَّتْ هويتُه في محور تعاليمِه. ولدى وصول يسوع يوماً الى نواحي قيصرية فيلُبُّس سأل تلاميذه: < ومَن أنا في قولكم أنتم؟ فأجابَ سمعانُ بطرس: أنتَ المسيحُ ابنُ الله الحَي > (متّى16: 15-16) لم يسمعْ بطرسُ مِن يسوع انتهاراً ولا نفياً لقوله، بل أسْمَعَه مَدحاً ووهبَه الطوبى!.
 
قال يسوعُ لليهودِ علناً بأنَّه الله < إنَّ أبي ما يزالُ يَعمَلُ، وأنا أعملُ ايضاً. فاشتدَّ سعيُ اليهود لقتلِه، لأنَّه لم يقتصِر على استباحةِ حُرمةِ السبت، بل قال إنَّ اللهَ أبوه فساوى نفسه بالله > (يوحنا5: 17 – 18). وفي تصريحٍ آخر قال يسوع: < أنا والآبُ واحِدٌ > فأتى اليهودُ بحجارةٍ ليرجموه، فقال لهم: أرَيتُكم كثيراً من الأعمال الحسنة مِن عند الآب، فلأيِّ عملٍ منها ترجُموني؟ أجابَه اليهود: لا نرجمُكَ للعمَل الحسن، بل للتجديف، لأنَّكَ، وأنتَ إنسان، تَجعلُ نفسَك الله > (يوحنا10: 30 – 33)
 
يسوع يملك صفاتٍ لا يملكُها إلاّ الله وحده
 وفيما كان يسوعُ يُعلِّمُ الجموعَ في كفرناحوم ومِن ضمن الحاضرين كان بعضُ الفريسيين ومعلِّمي الشريعة، أتى أُناسٌ يَحمِلون على سريرٍ رجلاً كان مُقعداً، وإذْ لم يجدوا مجالاً للدخول إليه من شِدَّةِ الزحام، فصَعِدوا به الى السطح ودلّوهُ بسريره من بين القِرميد الى وسطِ المجلس أمامَ يسوع، فلما رأى ايمانَهم قال: < يا بُنيَّ غُفرتْ لكَ خطاياك. فأخذ الكتبة والفريسيون يُفكِّرون ويقولون في أنفسهم: مَن هذا الذي يتكلَّمُ بالتجديف؟ مَن يقدرُ أن يغفِر الخطايا إلاّ الله وحدَه. فعلِمَ يسوع أفكارَهم فأجابهم: لماذا تُفكِّرون هذا التفكير في قلوبِكم؟ فأيُّما أيسَر؟ أن يُقال: غُفِرَتْ لكَ خطاياك، أم أن يُقال: قُم فامشِ. فلكي تعلموا أنَّ ابنَ الإنسان له في الأرض سلطان يغفِرُ به الخطايا. ثمَّ قال للمُقعَد: لكَ أقول: قُم فاحمِل سريرَك واذهَبْ الى بيتِك > (مرقس2: 3 – 11 ولوقا5: 17 – 24).
 
وفي موقفٍ مُحرجٍ وكانت حياةُ يسوع قابَ قوسين من النهاية، < سأَلَه عظيمُ الكهنةِ ثانية قائلاً له: أَأَنتَ المسيحُ ابنُ الله؟ فقال يسوع: أنا هو. وسوف ترونَ ابنَ الإنسان جالساً عن يمين القدير، وآتياً في غَمام السماء، فشقَّ عظيمُ الكهنة ثيابَه وقال: ما حاجتُنا بعد ذلك الى الشهود؟ لقد سمعتم التجديفَ > (مرقس14: 61 – 64) وفي مشهَدٍ آخر قال اليهودُ ليسوع < أين أبوك؟ أجابَ يسوع: أنتُم لا تعرفوني ولا تعرفونَ أبي، ولو عرفتموني لعَرفتُم أبي أيضاً > يوحنا8: 19) < ومَن رآني رأَى الذي أرسلني > (يوحنا12: 45) < لا تضطرب قلوبُكم إنَّكم تؤمنون بالله فآمِنوا بي أيضاً > (يوحنا14: 1) < فلو كُنتُم عرفتموني لعرفتُم أبي أيضاً. منذ الآن تعرفونَه وقد رأيتموه > (يوحنا14: 7) < قال له فيلُبُّس: يا ربّ أَرِنا الآبَ وحسبُنا. قال له يسوع: إنّي معكم منذ وقتٍ طويل أَفلا تعرفني يا فيلُبُّس؟ مَنْ رآني فقد رأى الآب. فكيف تقول: أَرِنا الآب؟ ألا تؤمنُ بأنّي في الآب وأنَّ الآبَ فيَّ > (يوحنا14: 8 – 10) < فمَن لم يُكرِم الإبنَ لا يُكرِم الآبَ الذي أرسلَه > يوحنا5: 23) < مَنْ أبغضني أبغضَ أبي ايضاً > (يوحنا15: 23).
 
الإيمان بيسوع مؤكَّدٌ وليس أعمى
 إنَّنا أمام احتمالاتٍ أربعة في مواجهتِنا لإدِّعاءاتِ يسوع المسيح هي: إمّا كذبٌ او جنونٌ او اسطورةٌ او حقيقةٌ. فإذا لم نعترفْ بأنَّ ما قالَه هو الحقيقة، فإنَّنا سنضطرُّ الى تأكيدِ إحدى البدائل الثلاث الأخرى فيما إذا قبلنا بها أم لا.
 
الإحتمال الأول:
 هل كَذِبَ يسوعُ بإعلانِه عن آلوهيتِه عندما كان يُعَلِّمُ الجموعَ وهو يَعلمُ أنَّه ليس بإله؟ وإنَّما خَدَعَ المُصغينَ اليه هادفاً إضفاءَ سلطانٍ لتعاليمِه؟ بينما الناكرونَ لِلاهوتِه يؤيِّدون بل يؤكِّدون كَونَه مُعَلِّماً عظيماً، أليس في قولِهم هذا تناقضٌ واضح بين نكرانهم وتعظيمِهم؟ فكيف يُفَسِّرون بين عظمةِ تعاليمِه ونَسبِهم إليه الكَذِبَ بشأن سؤالِه لتلاميذِه "مَن هو بظنِّهم هُم؟".
 
الإحتمال الثاني:
 هل كان يسوع صادقاً في كُلِّ أقوالِه أم كان مخدوعاً في إدِّعائِه بأنَّه هو الله الإبن؟ ألا يُنظَرُ الى شخصٍ مثل هذا في زمنِنا الراهن بأنَّه مُصابٌ بالجنون، فهل ينطبق ذلك على يسوع؟ فإذا نظرنا بأمانةٍ الى حياةِ يسوع نظرة حيادية، هل نجد دليلاً واحداً يُثبِتُ وجودَ عَيبٍ أو خَلَلٍ واحدٍ في شخصِه؟ ألم يتحدَّى اليهود إنْ كان باستطاعة أحدِ منهم إثبات سوءٍ عليه! يسوع كان يتمتَّع برزانةٍ واتِّزان لم يمتلكهما أحدٌ قبلَه او بعدَه رغم كُلِ الضغوطات العظيمة التي مورسَت ضِدَّه.
 
الإحتمال الثالث:
 هل يُمكنُ أن يُنظرَ الى حياةِ يسوع بكونِها اسطورة؟ وهل إنَّ رُسُلَ وتلاميذَ يسوع أخذَ منهم العجبُ بهذه الروايةِ فتناقلوها وكتبوها لتصيرَ مدارَ حديثِ الناس عبرَ العصور؟ إنَّ الإكتشافاتِ تصدَّتْ لنظريةِ الأسطورة ودحضتها بالكامل، حيث أثبتتْ بشكلٍ قاطع بأنَّ كتبةَ الأناجيل الأربعة حولَ حياةِ يسوع كتبوها في أوقاتٍ متقاربةٍ لِما بعد صعودِه الى السماء، وقد أكَّدَ ذلك علماءُ الآثار ومن بينهم "وليم ألبيرت" أشهر علماءِ الآثار في العالَم حيث قال: < ليس هناك أيُّ سَبَبٍ للإعتقاد بأنَّ أيٍّ من الأناجيل الأربعة قد تَمَّ تدوينَه بعد عام تدمير اورشليم أي بعد عام 70م.
 
الإحتمال الرابع والأخير الثابت:
 كان يسوعُ يَنطِقُ بالحقيقةِ المُطلقةِ في كُلِّ أقوالِه وتعاليمِه، وتعريفُهُ لذاتِه بأنَّه هو الله أثبت ذلك < كيف تقولون للَّذي قدَّسَه الآبُ وأرسَلَه الى العالَم: أنت تُجدِّف، لأنّي قلتُ إنّي ابن الله؟ إذا كنتُ لا أعمَلُ أعمالَ أبي فلا تُصدِّقوني وإذا كنتُ أعملُها فصَدِّقوا هذه الأعمال إنْ لم تصَدِّقوني. فتعلموا وتُوقِنوا أنَّ الآبَ فيَّ وأَنّي في الآب > يوحنا10: 36 – 38). الإدِّعاءاتُ بحدِّ ذاتِها لا تعني شيئاً كثيراَ، بل لا أهمية لها إذا لم تَدْعَمْها الوقائعُ والأفعال، كم من الأفرادِ البشريةِ إدَّعوا أنَّهم آلهة. بإمكان الواحد أن يَدَّعي بأنَّه الله، ولكنَّ السؤالَ هوعلى ماذا بَنى إدِّعاءَه؟ لن يطولَ بك الأمرُ لِتكتشِفَ بأقل وقتٍ زيفَ إدِّعائه وبدون صعوبة. أما بالنسبة ليسوع فالأمرُ مُختلفٌ جداً فقد أثبتَ آلوهيتَه من خلال أقوالِه وأعمالِه الباهرة وكما تقدَّمَ بنا شرحُها.
 
استقاء البراهين مِن حياة المسيح يسوع
 
1 – شخصيتُه الخُلُقية المُفعَمة بالقِيَم لازمَتْ تعاليمَه
 كان يسوعُ بناسوتِه متميِّزاً وفريداً وبلاهوتِه مُساويا للآبِ في الجوهر، وُلدَ المسيحُ يسوعُ بدون خطيئةٍ ولم تَشُبْهُ في حياتِه شائبة أو خَطيئة. واجهَ جميعَ أعدائه بمقدرةٍ فائقة، ردَّ عليهم ودَحَضَ كُلَّ أسئلتِهم وتساؤلاتِهم وتحدّاهم علناً وأخزاهم < مَن منكم يُثبِتُ عليَّ خطيئة؟ فإذا كنتُ أقول الحقَّ فلماذا لا تُؤمنون بي؟ > (يوحنا8: 46).
 
سَمَحَ المسيحُ للمُجرِّب العدوِّ أن يُجرِّبَه في البريةِ فدَحَرَ الإبليسَ لأنَّه كان نقيّاً وخالياً من الإثْم، وطلبَ من أتباعِه أن يطلبوا الغفرانَ لخطاياهم ويُحافظوا على نَقاء قلوبِهم.
 
أليس الأمرُ مُذهلاً لخُلُوِّ المسيح يسوع مِن الإحساس بالخطيئة وهو الأقربُ الى الله؟ بينما كُلُّ شخصٍ ومهما كان اقترابُه من الله قوياً يشعر بأنَّه فاشلٌ وخاطيءٌ، وهذا ما أقرَّ بصِحَّتِه أعظمُ الروحانيين والقديسين!
 
إنَّ بطرسَ وبولسَ ويوحنا كانوا يعلمونَ ويُقِرّون بشموليةِ الخطيئة، لكنَّهم أقَرّوا بأنَّ المسيحَ يسوعَ بلا إثمٍ ولا خطيئة! < إنَّه لم يرتكِبْ خطيئة ولم يوجَدْ في فَمِه غِشٌّ > (1بطرس2: 22). حتى بيلاطسَ الحاكمَ الوثنيَّ والذي لم يكن صديقاً للمسيح يسوع تساءَل قائلاً: " وأيَّ شَرٍّ عَمَل؟ "وحتى قائدَ المائة الروماني والجنودَ الذين كانوا معه يَحْرسونَ يسوع، فإنَّهم لما رأوا الزلزالَ وما حدث، خافوا خوفاً شدياً وقالوا "كان هذا ابن الله حقاً " (متّى27: 54).
 
2 – يسوعُ أظهرَ سلطانَه بإيقاف أعمال الطبيعةِ التي لا يتحكمُ بها إلا الله وحده.
 بكلمةٍ واحدةٍ زجرَ يسوعُ الريحَ وقال للبحر أسكُت! إخرس! < فسكنتْ الريحُ وحَدثَ هدوءٌ تامٌّ، وقال لتلاميذِه: ما لكم خائفينَ هذا الخوف؟ أَإلى الآن لا ايمانَ لكم؟ فخافوا خوفاً شديداً وقال بعضُهم لبعضٍ: مَنْ تُرى هذا حتى تُطيعُه الريحُ والبحرُ؟ > (مرقس4: 39 – 41 ولوقا8: 24-25). وقام يسوع بإطعام 5000 رجلٍ في مُعجزة الخمس خبزات والسمكتين (لوقا 9: 16-17 ويوحنا6: 10 – 13). كما أعاد يسوع ابنَ الأرملة الميِّتَ الى الحياة، وكذلك أعاد الفتاة الميتة الى الحياةِ وأعطاها الى أبيها المُنهار. والعظمة في ذلك أنَّ أعداءَ المسيح يسوع يُقِرّون بهذه الأعمال الباهرةِ ولا يُنكِرونَها، ولكنَّهم لم يكُفّوا عن ايجاد عِلَّةٍ لقتلِه قائلين: < فإذا تركناه وشأنَه آمنوا به جميعاً، فيأتي الرومانيون فيُدمِّرون حَرَمَنا وأُمَّتَنا > (يوحنا11: 48).
 
3 – ليسوع قوةُ الخالقِ والسلطانِ على الأمراض والمرضى.
 ألم يُعِدْ المشيَ للكسيح والكلامَ للأصَم والبصرَ للأعمى، انذهلَ الرجلُ الأعمى منذ ولادتِه حيث كان يقولُ: إنَّ كُلَّ ما يَعرفُه هو أنَّه كان أعمى والآن يُبصِر. المسيح يسوع الحنّانُ كان هو الشافيَ والفاتحَ لعيونِ العميان (يوحنا9: 25).
 
4 – قيامة المسيح يسوع من بين الأموات أروعُ دليلٍ على آلوهيتِه.
 أنبأَ يسوعُ رُسُلَه بموتِه خمسَ مرّاتٍ وأعلمَهم بالشكل الذي به يموت، ثمَّ بعد ثلاثةِ أيام مِن صَلبِه ودفنِه يقومُ من بين الأمواتِ ويُظهِر نفسَه لتلاميذِه. ألا يُعَدُّ هذا أعظمَ دليل على آلوهيتِه؟!! فقد شهِدَ على قيامةِ المسيح يسوع أتباعُ يسوع وأصدقاؤه وحتى أعداءَه، فكان ذلك أساساً لإيمانِهم. لقد قال بولسُ رسولُ الأمم بحقِِّ قيامة يسوع قولاً مأثوراً < وإنْ كان المسيحُ لم يَقم، فتبشيرُنا باطلٌ وايمانُكم ايضاً باطلٌ > (1قورنتُس15: 14) فالمسيحية إذاً مبنية على قيامةِ المسيح يسوع من بين الأموات، فالقيامةُ هي الحدثُ الأعظمُ في التاريخ!!! وما دامَ المسيحُ قد قامَ حقاً من بين الأموات وهو بكرُ الذين ماتوا. عن يد انسانٍ أتى الموت، فعَنْ يدِ إنسان ايضاً تكونُ قيامةُ الأموات، وكما يموتُ جميعُ الناس في آدم، فكذلك سيحيون جميعاً في المسيح. والقيامة تُعطينا ايماناً وثقةً بأنَّ اللهَ موجودٌ فعلاً وبإمكانِنا التعرُّفَ عليه وبناءَ جسرِ التواصل معه.
 
ما كان للمسيحيةِ معنىً لو أنَّ المسيحَ يسوعَ لم يَقُمْ من بين الأموات، ولَما انتشرتْ بين مُختلفِ الشعوبِ كانتشار النار بالهشيم لِما تَملكُه مِن روحانيةٍ كبيرة وتعاليمَ مليئةٍ بالأمل، ولَما تملَّكتْ الغيرةُ العارمة المُبشِّرين بها ودَفعتْهم لنشرها رغم كُلِّ المُقاومةِ الشرسةِ التي جابهوها مِن قِبَل ملوكِ العالَم وحُكّامِه وسلاطينِه، ورغمَ كُلِّ جهودِ اليهودِ الكاذبةِ الإفترائيةِ الإيقاعية، واهبينَ حياتَهم بفرحٍ في سبيل جَذبِ الناس لإعتناقِها طوعاً لا قسراً!
 
تركَّزَتْ الهجماتُ اليهوديةُ والوثنيةُ التي شُنَّت على المُنادين بالمسيحيةِ على نُكرانِهم لقيامةِ المسيح المجيدة، مُصمِّمينَ على طمسِ هذا الحدثِ الجوهريِّ الذي عليه ترتكِزُ أُسُسُها، فنزلَ الى ميدان مُنازلتِها مُفكِّرو العالم آنذاك ومن مستوياتٍ علميةٍ متباينة، وعلى سبيل المثال فقد قامَ فرانك ماريون وهو مُحامٍ انكليزيٌّ شابٌّ في فترةِ الثلاثينيات من انتشار المسيحيةِ بهجوم على قيامةِ المسيح مُعتبراً إياها كذباً ووهماً، وراحَ يبحثُ عن أدِلَّة لدحضِ حقيقةِ القيامة، ولكنَّ الأمرَ لم يكن بالسهولةِ التي توَقَّعَها، فاصطدمَ بالواقع وشعرَ ببطلان ما كان مقتنِعاً به، فانتهى المطافُ به الى تأليفِ كتابٍ بعنوان " مَن دَحْرجَ الحجرَ " وفي الفصل الأول مِنهُ يَعترفُ بأنَّه قد قامَ بفحصِ مُختلفِ الأدِّلة، فتوفَّرَ لديه الإقتناعُ بأنَّ حدث قيامةِ المسيح هو حدثٌ يفوقُ إدراكَ البشر وقد حدثَ بالفعل، وإنَّ كُلَّ النظريات التي بُنِيَتْ ضِدَّه كانت باطلة ومن تلفيقِ اليهودِ صادرة.
 
موتُ المسيح
 لم يتِمَّ موتُ المسيح بشكلٍ خفيٍّ عن عيون الناس، بل ماتَ مصلوباً على الخشبةِ زيادةً في العار وتحت أنظارِ الناس، لأنَّ مُتَّهميه بالجحود أرادوا ذلك معتبرينَ إياه كافراً بالله وملعوناً، إلا أنَّ المسيحَ يسوع نفى هذه التُهمة، وقال عن صَلبِه بأنَّه ثَمَنٌ دَفعَه عن خطايانا وآثامِنا. سَمَّروا يديه ورجليه وعَلَّقوهُ على صليبٍ خشبيٍّ، وطَعَنَهُ أحدُ الجنودِ برُمحٍ ليتأكَّدوا مِن موته، أَنزَلَ يوسف الرامي جسدَه من الصليب ولَفَّهُ بكتّان أبيضَ تغمرُه العطورُ الغالية الثمن ووضعَهُ في قبرٍ حجري جديد لم يكن قد وُضِعَ فيه أحدٌ، وسُدَّ بابَ القبر بحجرٍ ثقيلٍ جداً، ولأنَّ المسيحَ يسوع كان قد قال: < يجب على ابن الإنسان أن يُسَلَّمَ الى ايدي الخاطئين ويصلب ويقوم في اليوم الثالث> وبينما مريم المجدلية ومريم الأخرى كانتا في طريقهما لإعلام الرسل بقيامة الرب كما قال الرب لهما، وعليهم المضيَّ الى الجليل ليروه، جاء بعض رجال الحرس من الذين وضعوا لحراسة القبر الذي كان قد خُتِم بالختم الروماني الرسمي الى المدينة وأخبروا عظماء الكهنة بكُلِّ ما حدث، اجتمعوا هم والشيوخ، وبعد التشاور، أعطوا الجنود مالاً كثيراً، وقالوا لهم: قولوا إنَّ تلاميذه جاؤوا ليلاً فسرقوه ونحن نائمون، وإذا بلغ الخبر الى الحاكم، أرضيناه ودفعنا الأذى عنكم. فأخذوا المال وفعلوا كما لقنوهم، فانتشرت هذه الرواية بين اليهود الى اليوم. (متّى28: 11 – 15) فكانت هذه كذبة اخرى مُختلقة أضافوها الى أكاذيبِهم السابقة ضِدَّ يسوع!
 
وفضحاً لهذه الكذبة المُختلقة كان ظهورُ المسيح لمريم المجدليةِ ومريم الأخرى ولِتلميذي عمّاؤس وللرسل مرَّتين، حيث تأكَّدوا من قيامتِه وأصغوا الى ما قاله لهم < إنّي أُوليتُ كُلَّ سلطان في السماء والأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمِّذوهم باسم الآب والإبن والروح القدس، وعلِّموهم أن يحفظوا كُلَّ ما أوصيتكم به، وهاءنذا معكم طوال الأيام الى نهاية العالَم > (متّى28: 18 – 20).
< إذهبوا في العالَم كُلِّه، واعلِنوا البشارة الى الخَلْقِ أجمعين. فمَن آمن واعتمذَ يخلص، ومَن لم يؤمن يُحكَمُ عليه. والذين يؤمنون تصحبُهم هذه الآيات: فاسمي يطردون الشياطين، ويتكلَّمون بلغاتٍ لا يعرفونها، ويُمسكون الحيات بأيديهم، وإن شربوا شراباً قاتلاً لا يؤذيهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون. وبعدما كلَّمَهم الربُّ يسوع رُفِعَ الى السماء وجلس عن يمين الله. فذهب اولئك يُبشِّرون في كُلِّ مكان، والربُّ يعمَلُ معهم ويؤيِّد كلمتَه بما يصحبُها مِن الآيات > (مرقس16: 15 – 20).
< كُتِبَ أنَّ المسيحَ يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتُعلَنُ باسمِه التوبة وغفران الخطايا لجميع الأمَم ابتداً من اورشليم، وأنتم شهودٌ على هذه الأمور. وإنّي أُرسلُ إليكم ما وعدَ به أبي، فامكثوا أنتم في المدينة الى أن تلبسوا قوة من العُلى. ثمَّ خرج بهم الى القربِ من بيت عَنْيا، ورفع يدَيه فباركهم. وبينما هو يُباركُهم، انفصلَ عنهم ورُفِعَ الى السماء. فسجدوا له، ثمَّ رجعوا الى اورشليم وهم في فرحٍ عظيم، وكانوا يُلازِمون الهيكل يُباركون الله > (لوقا24: 46 – 53).
 
لماذا اختلق الرؤساء اليهود الكذبة الشنيعة؟، ولماذا اتَّهموا تلاميذَ يسوع بسرقةِ جسدِه، وأغروا الحراسَ الرومان ولقَّنوهم لتأييدِ كذبتهم؟ فعلوا ذلك بسببِ الخوفِ والرعبِ لِئلا يعلمَ الشعبُ اليهودي بمكرِهم وإجرامِهم، وأيَّدوا ذلك بمواجهةِ ومقاومةِ التلاميذِ ومنعِهم من التبشيرِ بقيامةِ المسيح، وبذلوا قصارى جُهدِهم ليمنَعوا انتشارَ خبرِ قيامةِ المسيح يسوع من بين الأموات.
 

 

شاهد أيضاً

الأحد الأول من زمن الصيف: يسوع شاهد لشيء مختلف!

البطريرك لويس روفائيل ساكو الصيف زمن الراحة – العطلة، فالحصاد قد انتهى. وهذا الزمن الليترجي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*