الرئيسية / المقالات / ألطريق إلى القداسة وواقع العلماني في كنيسة الرب

ألطريق إلى القداسة وواقع العلماني في كنيسة الرب

د. صباح قيّا
لا يسع المرء المنصف إلا أن يقف خاشعاً ومبهوراً إزاء الصفحات المضيئة من تاريخ المسيحية التي أرست ركائزها ولا تزال الدماء الغزيرة التي سالت وتسيل في كل بقعة من أرجاء المعمورة منذ القرن الاول الميلادي ولحد اليوم، وحتماَ سوف تستمر غداَ وبعد غدِ كما تشير الدلائل المنظورة في عصرنا القاسي، ولن تتوقف بل ربما تشتد إلى أن يحل موعد الخلاص، وكما نقله عن لسان الرب الإنجيليون الأربعة في بشارتهم وبعض الرسل في رسائلهم ورؤياهم، تم غاص في شرحه وتعليمه اللاهوتيون الأوائل، وأذكر منهم اللاهوتي "ترتوليان 155 م – 250 م" الذي قال "دماء الشهداء بذور الكنيسة".
لقد افلحت المسيحية في القرون الثلاث الأولى من نشأتها على جذب وكسب الكثيرين إلى رحبة الإيمان والذين تقبلوا المعمودية أبان عهود الظلم والتعسف عن قناعة وصدق لما كان يتحلى به المؤمنون من مزايا وفضائل تنعكس على سلوكهم اليومي حيث كانت المسيحية بالنسبة لهم "طريقة عيش بل طريق الحياة" تتبلور ممارسة أركانها الأساسية المتمثلة بالمحبة والغفران والعطاء بالإضافة إلى الصلاة والتعبد بأسمى وأحلى صورها.
ورغم المشاق والصعاب وسيل الإضطهادات التي صادفت الكنيسة خلال الألفين سنة الماضية من جهة، وحجم الأخطاء التي صدرت عنها في فترات متفاوتة من ذلك الماضي من جهة أخرى، برز من بين رعاتها ورعيتها رجال وبرزت نساء، والكل، بأعمار مختلفة ومنابع متباعدة وأصول متباينة، ساهم بطريقة أو أخرى في النتشال الكنيسة من كبوتها وتشذيب جذورها من البدع المضللة للمحافظة على وحدتها وبنيانها فهي "الصخرة التي لن تقوى أبواب الجحيم عليها ". ومن ثم حصل البعض من ذلك الكل على نعمة القداسة…
 يتفق معظم الباحثين بأن طريق القداسة تعبده أربع عوامل رئيسية التزم بها بحماس متميز واندفاع ذاتي كافة القديسين لإدراكهم أن مفهوم المسيحية ليس إلا " طريقة عيش " يتمتع المسيحي الحقيقي بضلالها ويسره التزود من قوتها، فهي السبيل لنعيم الآخرة.
يتبادر الآن السؤال التالي: ما هو واقع العلماني مقارنة بالمربع المتساوي الأضلاع الذي يرسم طريق القداسة والذي تشمل أضلاعه بالتسلسل: ألصلاة، الدراسة، ألعطاء، والبشارة؟ قبل الإجابة لا بد من الإشارة بأن السواد الأعظم من رواد الكنيسة ينتمي إلى المجموعة التي تدخل الكنيسة كواجب أو فرض أو دافع معين ثم تخرج منها لتظهر ثانية في القداس اللاحق، وقد يكون ملتزماً بواحد أو أكثر من العوامل أعلاه ولكن يصعب التكهن بذلك كونه بعيد عن المجهر. اما القلة المتبقية التي لا تتجاوز ال 7% من مجموع الرعية بحسب الدراسات الإستطلاعية فهي التي تنتمي إلى "جماعة الخدمة"، أي أنها تخدم الكنيسة طوعاً في أحد مفاصلها كمجلس الخورنة أو لجنة التعليم المسيحي أو الكتاب المقدس وما شاكل. ومن دون شك أن أفراد هذه المجموعة هم من يرصدهم المجهر كونهم واجهة الكنيسة وبتماس مباشر مع الكاهن. وإنطلاقاً من الطبيعة البشرية، سيُنظر إليهم وكأنهم قدوة ويتأمل الآخرون أن يكونوا مثال المسيحي الصالح والتقي الورع. ولكن، للأسف الشديد، سيفشل البعض منهم من أول إختبار عندما يظن أن الموقع الذي يشغله هو "وجاهة مرموقة" وليس "خدمة طوعية كنسية".
لا يختلف إثنان بأن الارتياح سيغمر الرعية عندما تكون "جماعة الخدمة" معروفة بعمق إيمانها وانتظام حضورها القداديس ومواظبتها على الصلاة التي لا تقتصر على إدائها داخل الكنيسة ’ بل بالإمكان ترديدها في أي وقت ومكان وحتى إثناء قيادة العجلة أو السير في الطريق. هذا ما كان يفعله القديسون. صلوات مستديمة ودعوات مستمرة.
من المؤلم حقاً أن يكون من ينتمي إلى "جماعة الخدمة" غير ملمٍ بالمبادئ الأساسية للتعليم الكاثوليكي وبالأخص في هذا العصر الذي تختلط فيه التفسيرات اللاهوتية والشروحات الإنجيلية بسبب الكم الهائل من المعلومات المتناقضة المتوفرة في الشبكات العنكبوتية ومواقع التواصل الإجتماعي. ألتثقيف الذاتي ضروري ومهم جداً ولا تقل أهميته عن حضور جلسات دراسة الكتاب المقدس وبالذات التي تدار من قبل راعي الكنيسة. يمكن التعلم كثيراً من قراءة خمس صفحات يومياً من أي كتاب يتعلق بالإيمان وما معناه 1825 صفحة خلال السنة والتي قد تعني مطالعة ما يقارب 10 – 15 كتاب سنوياً. لقد كتب القديسون بغزارة بعد أن قرأوا بنهْمٍ وشهية غير محدودة.
كثرة الأعمال الخيرية وتنوعها سمة يتميز بها العالم الغربي، ومن دون شك أنه قد ورثها من العقيدة المسيحية حيث العطاء أحد أركانها الأربعة. والمطلوب أن تتصف "جماعة الخدمة" بهذا الركن الإنساني الرائع. ولا يعني بالعطاء ألتبرع بالمال وحسب بل يشمل كل ما يمكن أن يقوم به الفرد من تضحية بالوقت والجهد لأجل الآخرين. وكمثل على ذلك مرافقة القادمين الجدد لإكمال أعمالهم، زيارة المرضى، تنظيم العجلات في موقف الكنيسة، وما شاكل من الأمور التي تتطلب "التواضع ونكران الذات" كي تحقق الغرض المطلوب. من يطالع سيرة القديسين سيصاب بالذهول لحجم التضحيات التي قدمها كل منهم لإسعاد الإنسان وسلامته.
الدعوة الإرسالية الكبيرة التي وجهها يسوع للكنيسة بأسرها "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (متى 28، 19). والملاحظ، للأسف الشديد، شيوع التسرب من الكنيسة إلى كنائس أخرى لأسباب وحجج غالباً ما تكون واهنة. من الضروري أن تتدرب "جماعة الخدمة" على التبشير. وحسب رأيي المتواضع أن التبشير يجب أن لا ينشر فقط بين الأديان الأخرى وبين من لا إيمان لهم، بل لا بد وأن يوجه إلى أبناء الرعية للمحافظة على التصاقهم بالكنيسة. ألترحيب بالوجوه الجديدة والإستفسار عن الغائبين وتنظيم اللقاءات العائلية الهادئة بدون صخب الموسيقى والرقص والأغاني الحفلاتية بل برفقة التراتيل الجميلة والموسيقى الكلاسيكية ذات البعد الديني.. كل هذه ستصب في خانة التبشير غير المباشر كي يظل المؤمن ضمن حضيرة الإيمان. ألتبشير كان ملازماً لكافة القديسين والكثير منهم ضحى بحياته من أجل تنفيد رسالة الرب أعلاه.
بالرغم من التركيز على "جماعة الخدمة" للسير في طريق القداسة كونهم القدوة من الناحية النظرية وليس بالضرورة أن يكونوا كما تتشوق له الرعية إلا أن المطلوب من الجميع وأنا بضمنهم أن يسلك ذلك الطريق.. قد يكون شاقاً على الأرض ولكن ثماره اليانعة مع الرب في السماء.

 

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*