الرئيسية / المقالات / بَينَ الخالِقِ والمَخْلوقِ هنالِكَ خَلاّقٌ

بَينَ الخالِقِ والمَخْلوقِ هنالِكَ خَلاّقٌ

 الشماس د. كوركيس مردو
 
لكي نُدركَ علاقة كُلٍّ واحدةٍ مِن المُفْرَداتِ الثلاث ببعضِها يَتحَتَّمُ تعريفُ كُلٍّ منها: الخالِقُ هو الله، وهو المُوجِدُ مِن اللاوجود، كُلَّ ما نُحِسُّ بوجوده، ونُطلِقُ عليه المخلوق.
 
الخَلاّق هو الإنسان، وقد خَلقَه الخالقُ الواحِدُ والوحيدُ نفسُه، وصوَّرَه على مثالِه، وهو الوحيدُ بين كُلِّ المخلوقات الموهوبُ قدرةً على معرفة الله خالِقِه وإقامةِ علاقةٍ معه. فالإنسان هذا هو وحدَه مِن بين كُلِّ الكائناتِ المخلوقةِ القادرُ على الإتِّصال بالله. هذا الإنسان الخَلاّق يتميَّز بالإبداع والتفَنُّن في تكييف ظروفِ حياتِه وتطويرها مُستغِلاًّ الخليقة في استخداماتِه، باستطاعتِه تحويلَ المادةِ الجامدةِ الى شكلٍ ناطقٍ، أو تشييدَ بنايةٍ شاهقة، أو صناعة يختٍ أو سفينةٍ من الخشب ويتعدّى ذلك الى قيامِه بتجزئَة الطاقة المخزونة في الذرة والكثيرِ غيرها.
 
تُرى، هل تنتهي قدرةُ الإنسان الإبداعية والفنية عند هذه الحدود؟ إنَّ أروعَ وأعظمَ إنجازٍ فنّيٍّ يصل إليه الإنسانُ لا يكمُن في تركيب العناصر الطبيعية وتجميلِها، بل في رَفْعِ الشكر لله وتقديمها قرباناً إليه! ثمَّ اعتمادها سبيلاً لبناء علاقةٍ مع الله خالقِه! وليعلَم بأنَّ إتقانَ الصلاة ورفعَها الى الله هو الفنُّ الأعظم بل فَنُّ الفنون!!!
 
إعلَم أيها الإنسان الخلاّق، إنْ لم تُقرن تعامُلَكَ مع الخليقة بتذكُّر الخالق، فإنَّكَ تستخدِمُها كمُجرَّد فنّان، ولكنَّكَ لو تذكَّرتَ مَعَها واهِبَها حينَها تجدُ نظرتَكَ إليها مُختلفة، بحيث لا تراها مُجرَّدَ موادٍ مُفيدةٍ بل هِباتٍ مؤثِّرة!
 
في الواقع، إنَّ التعرُّفَ على الخليقةِ يَتِمُّ عن طريق الحواس، وعن طريق العقل يَتِمُّ تحليلُها والسيطرةُ عليها. إلاّ أنَّنا لا نعرفُ اللهَ عن طريق الحواس، إذْ إنَّه غيرُ مخلوقٍ وغيرُ منظورٍ، ولكنَّنا نعرفه بالعقل الذي يرى بوجود الخليقةِ حكمةَ خالِقِها. إذاً نستمِدُّ معرفتَنا للهِ مِن أعمالِه وليس بالحواس! وإنَّ الخليقة هي إحدى أعمال الله، وتاريخ التدبيرِ الإلهي يشملُ الوعدَ والتجسُّدَ والفداءَ والقيامةَ والعَنْصَرة … وجميعها أعمال الله ومِنها يتعرَّفُ الإنسانُ الى خالقِه.
 
وكما قلنا فإنَّ معرفة الخليقة أمرٌ ليس بالعسير على الإنسان لأنَّ للحواسِ قدرةٌ على إدرك المخلوق واستيعابِه، ولكنَّ معرفة الخالق ليست بحاجةٍ الى بَصَرٍ وحواسٍ فحسب، بل الى بصيرة وعقلٍ وحِكمة! وانغماسُ الإنسان في استخدام المخلوقاتِ الطبيعيةِ وإبداعِه في التفنُّنِ بها، أنْسَته أن يرى فيها واهبَها، فغدَتْ لديه "الخليقة معبوداً دون الخالق" ومع كون الخليقة تُمثِّلُ إشارةً واضحة الى الله خالقِها، نرى البعضَ يتوقَّفُ عندها دون النظرِ الى ما تُشيرُ إليه.
 
إنَّ الإنسانَ الحُر غيرَ المُستعبَد لعناصر الخليقةِ بل هو المتسيِّدُ عليها، هو الذي يتعرَّفُ الى الله مِن خلال مخلوقاتِه وتدابيره وأعمالِه. ويقتضي ذلك التحرُّرُ والقراءةُ الحكيمة للخليقة بعيداً عن المبالغات غير المُجدية، وهذه القراءةُ يجب أن تجري في هدوءٍ تام بعيداً عن الإنهماكِ بأمور الدنيا حيث يُربكُنا ويَحْرُمُنا عن إدراكِ معناها.
 
ولا نعني بالهدوء مجرَّدَ الإنعزال أو الإنفراد بالرغم مِن فائدتِهما للوهلةِ الأولى. بل نعني به التأمُّلَ بالخالق مِن خلال خليقتِه. كما لا يعني الهدوءُ الفرارَ مِن العالَم إلا بقدرِ تَوفيره التقرُّبَ الى اللهِ والإتحادَ به والسجودَ له. ويُعتبَرُ الهدوءُ فَنّاً لقراءةِ حضور القدير اللامخلوق في المخلوق! وهو ايضاً فَنٌّ للإتصال بالخالق مِن خلال خليقتِه.
 
في الهدوءِ تَتِمُّ ممارسةُ الصلاةِ والتأمُّل والتحرُّر مِن الأمور الدنيويةِ، وإبعادِ الذهن عن المخاوفِ الحياتيةِ والحواسِ عن العبودية الذاتية، وبغير ذلك يَجْنَحُ الإنسانُ الى عِبادةِ الخليقةِ وينسى خالِقَها. وما أجملَ أن يكتشِفَ الإنسانُ اللهَ الأزليَّ غيرَ المخلوق، إذْ عند ذاك يُدركُ ما تعنيه الخليقةُ من الحقيقة.
 
ولأنَّ الله هو محبّة، فقد وَهَبَ للخلاّق الخليقةَ كفعل محبّة، وأمام كُلِّ ما في الخليقةِ مِن عظمةٍ! على الإنسان أن يَقِفَ أمامَها وقفةَ ارتعاشٍ وهَيْبة، لأنَّ الخليقةَ هي هبةُ المحبّةِ الإلهيةِ للإنسان، وهي باهضةُ الثمنِ عند الله، وقد أهداها للإنسان الخلاّق! فينبغي على الإنسان احترامَ خليقةِ الله برهبةٍ ومحبَّة!
 
يتميَّزُ كُلُّ إنسانٍ حكيمٍ بإحساسٍ مُرْهَفٍ روحيٍّ نحوَ عناصِر الخليقةِ كُلِّها، وفي أوَجِها الإنسان ذاته، وإنْ لم يَكُن هناكَ حضورُ اللهِ المُحِبِّ، لَغَدَت الخليقةُ بالنسبة للإنسان بِما فيها البشر مادةً للمُتعةِ والإستهلاك! ولكنَّ الخليقةَ ليست مادةً جامدة ليستخدِمَها الإنسانُ لأهوائِهِ الإبداعية، وإنَّما هي رسالةُ محبَّةِ الإلهِ واهِبِها تُحرِّكُ في مُستَخدِمِها ارتعاشَ سجودٍ لذيذٍ، لتغدوَ مادةً مُلِذَّة ومحبوبة أكثرَ منها ضرورية!
 
بهذا الشكل يعمل الهدوءُ بنا حيث يُنَحِّى بنا عن العالَم في البداية، ولكن ليُعيدَنا مِن ثَمَّ بمعرفةٍ جديدةٍ له، يجُرُّنا إليه في حالةِ استخدامِنا له، ويُعيُدنا إليه ونحن نَكُنُّ له المحبة! فيا لها مِن روعةٍ عذبة مُمارستُنا للهدوء!
 
إنَّ التقاءَنا بالخليقةِ بهذا الحُبِّ يُفضي بنا الى "ألَمٍ عَذْبٍ" مَنْ يُحِبُّ لا بُدَّ له أنْ يُعاني! يُعَبِّر رسولُ الأمَم بولس بأنَّ الخليقةَ المادية تَتَنَهَّدُ، والإنسان المخلوق مِن ضِمنِها يُجابهُ في حياتِه الكثيرَ مِن أصناف الألم والعديدَ مِن الإحتياجات! إنَّنا نمتليءُ خشوعاً نتيجة الحُبِّ وما يُقابِلُه مِنْ الألَم، والخشوعُ هذا يستَوعِبُ آلامَ الناس كُلَّها، وكُلَّ تَنَهُّدات الخليقة.
 
إنَّ قراءة الإنسان الروحية للخليقة بمِنظار الحُبِّ، تُغَيِّرُه الى متخَشِّعٍ مسؤول، وقادرٍ على مُجابهةِ العالَم بعينَين مُدمِعتَين دوماً! لا شَكَّ بأنَّ ثمرةَ الحُبِّ هي سعادة! ولكنَّكَ حينَ تُحِبُّ بِعُمقٍ تشعُرُ بانسيابِ الألَم الى عذوبة الحُبِّ! وهو ضروريٌّ جداً ليجعل مِن الحُبِّ فعلاً عملياً! فالدموع تُعطي عَزْماً للمُحِبِّ، ولا سيَّما عندما تنهَمِرُ في الصلاة الى الله، مُبرهِناً أنَّهُ ابنٌ له! وليس عبداً أو أجيراً.
 
خالقٌ ومخلوقٌ وخَلاّقٌ، هذا الثُّلاثيُّ الفريد تُجَدِّدُ علاقتُه ببعضِه حكمةُ الخلاّق! الحِكمة تَرى في الخليقة محبَّةَ الخالق فتُحِبّ المخلوقَ وتُقَدِّسه!
 
< هذه المقالة مستوحاة مِن كتاب (السائحان بين الأرض والسماء) الله والإنسان – الجزء الثاني >
 

 

 

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*