الرئيسية / المقالات / خِدَع العدو ومصادر الخطيئة للقديس افرام الكلداني النصيبيني

خِدَع العدو ومصادر الخطيئة للقديس افرام الكلداني النصيبيني

الشماس د. كوركيس مردو


صلاة تأمل من كتاب المزامير الروحية للقديس افرام الكلداني النصيبيني / ترجمة الدكتور عدنان طرابلسي

ننقلها بتصرُّفٍ صياغي دون المساس بالمضمون
لنتأمل جيدا كيف يشرح القديس خِدَع العدو ويدخل الى اعمق ما في النفس ويحللها كعالم نفساني عظيم والأمور التي يتحدَّث عنها القديس تحدث مع كُلٍّ مِنا. فلنطلب ان يرحمنا الله بشفاعته

 

 
إنّي أُخِرُّ ساجداً عند قَدَمَي سيِّدي، متوسِّلاً، متضرِّعاً، وصارخاً إليه بخوفٍ. أيها السيِّد إصغي الى نُواحي، وتقبَّل أنّات تضرُّعي المُقدَّمة مِني أنا الخاطئ المُخزى.
مِن فيض رحمتِك أطمع أنا البائس، أن تسكبَ ولو نقطةً صغيرة واحدة مِن بحر نعمتِكَ، لتُعطيني فَهماً وتحَوُّلاً يدفعاني للقيام بجهدٍ مهما كان صغيراً لتصحيح ذاتي.

فإنْ كانت نعمتُكَ لا تُنير نفسي، فلن يسهل عليَّ رؤية الإهمال والتواني اللذين أحدثتهما الأهواء الجسدية فيَّ بسبب بلادتي وتهوُّري.

واحسرتاه! لقد استحوذتْ عليَّ الخطيئة كلبوءَةٍ جائعة، فوجدت فيَّ لها مرعىً. مع كُلِّ يوم ينقضي تبخسني حقي وتُغمِطني في أعماقها أكثر وأكثر. وأنا البائس لا أكُفُّ عن إغضاب الله ولا أخشى النار التي لا تنطفيْ ولا أرتعِد من العذابات الأبدية.

صارت الخطيئة لديَّ عادةً قادتني الى هلاكٍ تام، وبالرغم من تمييزي لضلالي، ولا أكُفُّ عن الإعتراف بسوء أعمالي، لا زالت الخطيئة ملازمة لي، إني بصري سليم ولا أرى إذ في التوبة أخطأ لعدم تفحُّصي لأفعالي.

كعبدٍ للخطيئة لا إرادياً أُمارس أعمالاً دنيئة، وكمُحاربٍ تحت إمرتها عليَّ أن أُطيعها، ورغم سنوح الفرصة لي لهجرها، لا ألبث أن أعود إليها وأُكرِّرَها، لأنَّ أهواء الجسد تصعب مقاومتها.

أعلمُ أنَّ الفساد قد استشرى بقوَّةٍ فيَّ، وأنا بذاتي اؤيدُه وكأنّي مأخوذ بفعلةٍ سِحرية. كم اوَدُّ أحياناً الهرب، لكني مثل كلب مربوط بسلسلة، أعود ثانية الى موضعي الأول خائبا.

غالباً مايطرأ في داخلي كُرهٌ للخطيئة واشمئزاز من الإثم، إلا أنَّ سلطان الهوى قويٌّ يُثبط العزم. لقد امتلكني أنا المنكود الحظ الضعيف، وبلحظة يقودني للإستمتاع بفعل غير عفيف.

قد يَسلبني الهوى إرادتي الحُرة، ويرميني بقيء الخطيئة كُلَّ مرة، لقد استحوذت الأهواء بغليانها على عقلي دون رغبتي، والتحمت بجسدي ولا تسمح له بالإنفصال او الإرتداد.

أجتهد أن أُعيدَ توجيه إرادتي، فتحول حالتي السابقة دون إحراز أيِّ نجاح في محاولتي. أنا تعيس أحاول تحرير نفسي من ديونها، لكنَّ المُرابي الشرير يُغريني في الحال لزيادتها. يُقرُضني ديوناً بسخاء، ولا يُذكِّرني بشيءٍ عنها أبداً حتى الوفاء.

لا يُريد أن يستردَّ أيَّ شيءٍ من ديوني، لأنَّ رغبتَه شديدة لإستمرار عبوديتي. يُقرضني بلا حساب ولا يجدُّ في استردادها مِني. يُريدني أن أُتاجرَ بالأهواء لأغتني، ومتى ما أردت تسديد شيءٍ مِمّا اقرضني، يبدأ يُلهيني ويُعطيني ما يضاعف ديني.

إذا أكرهتُ نفسي على الصراع ضِدَّ الأهواء، هيَّأ لي مُغرياتٍ جديدة وبها يغلبني. ولكم يفرح أنَّ ديوني المتراكمة على الخطيئة تُجبرني، فيتفنَّن في إرشادي الى شهواتٍ جديدة، لتكون مانعاً لي من الإعتراف بها وعن أهوائي تُنسيني.

تُصادفني أهواء جديدة فتُشغلني وأنسى السابقة، وفي التهائي بها تزداد المديونية. أجري نحوها كجريي صوب الأصدقاء، وإذا بالمُرابين يجرون نحوي ويتصرَّفون كالأسياد.

وأنا أجعل ذاتي عبداً لهم وفيّا، في حين كنتُ فبل فترة يسيرة أسعى الى الحرية. أُسارع تارة الى كسر قيودهم، وتارة اخرى أُكبِّل يديَّ بقيودٍ جديدة. أسعى الى تحرير نفسي من القتال في صفِّهم، ولأني قبلت عطاياهم الكثيرة أجدني تلقائياً مقيَّداً بهم لا مختارا.

آهٍ، كم أنتَ فاحش يا سلطان الهوى الخاطيء! آهٍ، كم هي جبروت الثعبان الشرير الماكر، بحسب الطبيعة يتصرَّف ذاهباً الى السوق لدفع عُربون للخطيئة. يُقنعني أن أُرضيَ الجسدَ لكي استخدمه في خِدمة النفس.

ما أشدَّ قهري من الأهواء الشهوانية، وانغماسي مباشرة في نوم غير مشروط، ونفسي محرومة من اداء وظيفتها، يا وَيلي منها.

عنطما أصلي يُثيرُ فيَّ فكرة ما فانية، ومعها يُقيِّد ذهني بما يُشبه سلسلة نحاسية، لا يستطيع ذهني كسر القيد، ولا بإمكانه الفرار.

الخطيئة تضع ذهني تحت الحراسة، وتوصِدُ عليَّ أبواب المعرفة. العدو يُراقب الذهن باستمرار، حتى لا يدعه يتقرَّب من الله ويتَّفق معه. ومن بيع الجسد يمنعه!

لهذه الغاية يُوظِّف كثرة من الأفكار المشوَّشة، مؤكِّداً لي بأني لن أُحاسَبَ عن مثل هذه التفاهات لدى الدينونة. ويستحيل على أيِّ واحد معرفة هذه الأفكار، وسيُنسى كُلُّ ما يُشبهُها. لكني أتخيَّل في عين ذهني كيف سيُكشف ضلالي، وإنني لن اكون بمنجىً من العقاب.

بهذا الشكل تُقيدني الخطيئة، تشتريني وتبيعني، ثمَّ نحو الضلال تقودني. تتملقني لكي لذاتها تُخضعني. إنَّ الخطيئة الساكنة في
جسدي هي التي تُوجِّهُ ذهني، وبسبب فعلي أنا تستغل جسدي لتُثقِل على نفسي. إن تعهَّد أحدٌ أن يصوم او يسهر او يتحمَّل ما ينغِّص الجسد، تنبري الخطيئة باستنهاض الجسد ضِدَّ النفس وكأنَّه مُلكها وقد سُلب منها، لتُقيِّد النفس بالسلاسل، ومثل نعجةٍ مُعَدَّةٍ للذبح تُحرِّك الجسد ايضاً لتقطيع يديها وقدميها.

فلم أعُد قادراً على الفرار، ولا متمكِّنا من إنقاذ نفسي. واحسرتاه! هل أنا حيٌّ أم جثة لا حراك فيها؟ أنظر ولا أُبصر، قد تحوَّلت من إنسان الى كلبٍ، ورغم امتلاكي عقلاً فإني أُعامَل مثل حيوان.

إرحمي ذاتَكِ يا نفس، ولا تستسلمي بل سارعي للإلتحام في المعركة الفاصلة ضِدَّ الخطيئة قبل مغادرتك الجسد، لئلا تبقي خارج الأبواب مثل العذارى الحمقى، فبالموت ينتهي الدور الحياتي للتأمُّل في البِر، وتنتهي المعركة بين الحياة والموت، وينتهي دور العدو للعثور على الجسد ليلعنه كما يفعل في حال الهزيمة.
 

 

شاهد أيضاً

الاحد الخامس “الغني ولعازر” الدنيا دوارة، الغني تعيس والفقير سعيد

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر إشعيا (28 : 14 – 22) تنقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*