الرئيسية / المقالات / الكرمة الحق

الكرمة الحق

الشماس د. كوركيس مردو

 هناك سؤالٌ صعبٌ يتبادرُ الى أذهان الناس في أيامِنا هذه مفاده: كيف يستطيع الإنسان أن ينعمَ بحياةٍ هادئة يسودُ فيها الإتزانُ في خِضَمِّ هذا العالَم الغارقِ في بحر الأفكار الإلحادية التي تُنكرُ وجودَ الله وتتجاهلُ القِيَمَ والمُثُلَ الأخلاقية التي مارسها السلف الى زمن ليس بالبعيد؟ في حين أنَّه يعلمُ بأنَّ العالَمَ ليس عالَماً بَواراً قاحلاً ظهرَ الى الوجود بشكل تلقائي. وإنَّما هناك صانعٌ لهذا الكون وخالقٌ للإنسان الذي يسمو مصيرُه على أُفقِ الحياة الأرضية. ولكن عندما يجدُ الإنسان ُنفسَه مُحاصَراً بأفكار وآراءٍ تدعي بأنها نابعة مِن العِلم والمنطق تُصوِّر له بأنَّ العالَم لا علاقة له بالله ولا بوحيِه المقدَّس. وهنا نسأل: أينَ الحقيقة إذن وأين نجِدُها؟ وكيف نهتدي الى طريق الصلاح والنجاح؟
وفي هذه الحال نرى أنفسَنا نُجابَه بأسئلةٍ تتعلَّق بحياتنا ومصيرنا، ونحن قد تخطّينا القرن العشرين الموصوف بأقسى القرون التي مَرَّت بها البشرية منذ فجر التاريخ، وقطعنا أقلَّ مِن عقدين بقليل من القرن الواحد والعِشرين. فإذا كنَّا نتوق للحصول على أجوبةٍ ناجعة يتحتَّمُ علينا أن نُصغيَ بجِدٍّ الى أقوال سيدنا يسوع المسيح التي نطق بها قبل ساعاتٍ مِن مغادرتِه الأرض. إذ بعد أن شَجَّعَ المسيحُ يسوع تلاميذَه الأوفياء ناصحاً إياهم بأن لا يدعوا للإضطراب أن يساورَ قلوبَهم، وعليهم أن يضعوا كامل ثِقتِهم في الله ومسيحِه، ثمَّ خاطبَهم قائلاً لهم:
أنا الكرمة الحق وأبي هو الكرّام. كُلُّ غصنٍ فيَّ لا يُثمِرُ يَفصِلُه. وكُلُّ غصنٍ يُثمِرُ يُقضِّبُه ليكثُرَ ثمرُه. أنتُم الآن أطهارٌ بفضل الكلام الذي قُلتُه لكم. أُثبُتوا فيَّ وأنا أثبُتُ فيكم. وكما أنَّ الغصنَ، إنْ لم يثبُتْ في الكرمة لا يستطيعُ أن يُثمِرَ من نفسِه فكذلك لا تستطيعون أنتُم أنْ تُثمِروا إنْ لم تَثبُتوا فيَّ. أنا الكرمة وأنتُم الأغصان. فمَنْ ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فذاك الذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً لأنَّكم بمَعزَلٍ عنّي لا تستطيعونَ أن تَعملوا شيئاً. مَن لا يَثبُتُ فيَّ يُلقَ كالغصن الى الخارج فيَيبَس فيجمعونَ الأغضانَ ويُلقونَها في النار فتشتعِل. (يوحنا15: 1 – 6)
إنَّه لأمرٌ في غاية الأهمية أنْ نؤمِنَ بالله وبيسوع المسيح المُرسَل مِن الآب لكي يُخلِّصَ العالَمَ مِن خطاياهم. هذا هو الأمرُ الهام والكبير جداً الذي يُجابِهُهُ المؤمِن! الإنسان المؤمن بالمسيح المُخلِّص، هو ضعيفٌ وليس بمنجىً من التعرُّض لمختلف التجارب، هل بإمكانِه الثبات على ايمانِه وكيف؟ أين يجد القوة لتدعَمَه في متابعتِه لمسيرتِه التي بدأَها بتسليم أمور حياتِه للمسيح يسوع مُخلِّصِه؟ لا يجِدُ الجواب إلاّ في أقوال يسوع الوداعية التي خاطبَ بها تلاميذَه : < أنا الكرمة الحق وأبي هو الكرّام. كُلُّ غصن فيَّ لا يُثمِرُ يفصِلُه. وكُلُّ غصن يُثمِرُ يُقضِّبُه ليَكثُرَ ثمرُه… >
إعلَمْ أيها المؤمِن بأنَّكَ لَستَ كائناً مُستقِلاً لتُخطِّط لحياتِكَ ومُستقبَلِكَ للسلوك في طريقٍ خاص. لأنَّ المسيح يسوع شبَّهَ كُلَّ مؤمِن بغصنٍ في الكرمة الحق، وهذه الكرمة هي يسوع المُخلِّص. لذلك فالإستقلالية غير مقبولة بل مرفوضة مِن الأساس، لأنَّها في النهاية تَقودُكَ للإنفصال عن المسيح يسوع. كما إنَّها تتعارض مع المبدأ الأساسي للحياة وهو: المواظبة على المسيرة الإيمانية أي الثبات الراسخ في علاقتِكَ الحيَّة والوثيقة بالمسيح يسوع. لتكون كالغصن في الكرمة الذي يبقى حياً ومثمِراً ما دام ثابتاً في الكرمة، هكذا يحيا المؤمنُ وينمو ويُثمِرُ في حياته طالما يختار العيشَ مع رَبِّه ومُخلصِه يسوع المسيح. إنَّ ايمان المؤمن بالمسيح ليس جسرَ عبورٍ الى النعيم الأبدي فحسب، وإنَّما يوصِله الى الإتحاد بربِّه وفاديه في حياة الدنيا هذه، حيث يُثمِرُ ثِماراً صالحة ومقبولة.
رُبَّ قائل يقول: كيف يَتِمُّ ذلك والمسيح قد غادر الأرض منذ ألفي سنةٍ مضت وجلس عن يمين القدرة في السماء؟ الجواب يكمن في المبدأ الثاني للحياة المسيحية وهي: الثبات في المسيح هو التمسُّك القويُّ بكلمتِه، إذْ عن طريق كلمتِه يتِمُّ حضورُه معنا، فهي تُشيرُ الى إرادتِه ونستمِّد القوَّة منها! وكلمتُه هذه منقوشة في الكتاب المقدس لكلا العهدَين القديم والجديد < أثبتوا فيَّ وأنا فيكم … أنا الكرمة وأنتم الأغصان … >.
ما سببُ تكرير يسوع لهذه الكلمات؟ لأنَّ المسيح يسوع يعلم مدى ضعف طبيعتنا البشرية، ومع ذلك تكمن فيها الأنانية! إذْ مع ايمانِنا المُطلق به واختبارنا لقدرتِه، قد نقوم نجنحُ للإتكال على قوتِنا الذاتية وحكمتِنا البشرية في إنجاز مسيرتِنا، ولذلك سبق وأعلمنا بقولِه: < لأنَّكم بمعزلٍ عَنّي لا تستطيعونَ أنْ تَعملوا شيئاً > أي بدون قوة المسيح يسوع لا جدوى من جهودِنا الذاتية ويُحذرنا من بقولِه: < مَنْ لا يَثبُت فيَّ يُلقَ كالغصن الى الخارج فيَيبَس فيجمعون الأغصان ويُلقونها في النار فتحترق. >
كلمات يسوع التحذيرية هذه قالها بلهجةٍ صارمة، ولكنَّها مطلوبة لكي نأخذ منها العِبرة ونتجنَّبَ الغرور، ونستوعب المقصود مِن كلمات الكرمة وأغصانِها! إذْ كذلك يحصل للقائلين بأنهم يؤمنون بالمسيح يسوع، ولكنَّهم لا يعملون في الثبات به وتطبيق أقواله.
ولكنَّ المسيح يسوع لم يقتصر بكلامِه على التحذير بل أتبعه بكلام تشجيعيٍّ ومُعَزٍّ: < إذا ثبتُّم فيَّ وثبتَ كلامي فيكم فاسأَلوا ما شئتُم يكُنْ لكم. ألا إنَّ ما يُمَجَّ به أبي أن تُثمِروا ثمراً كثيراً وتكونوا لي تلاميذ > تُرى، هل هناكَ أروع وأجمل من هذه الكلمات؟ فإذا عُشنا في المسيح يسوع وثبتنا في كلمته المحيية، نكون قد أرضينا مشيئَتَه الإلهية، وركَّزنا على تمجيد الله بصلواتِنا وأدعيتِنا وهو بدوره يستجيب لإستغاثتِنا. ما يُثَبِّتنا في المسيح يسوع هو الحفاظ على كلامِه والتقيُّد به، إنَّ محبة المسيح لنا ومحبتنا له هي الرابط القوي لثباتنا فيه. ويجب أن تكون محبتنا كما يُريدها يسوع المسيح < كما أحبَّني الآب فكذلك أحببتكم أنا ايضاً. اثبُتوا في محبتي. إذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أنّي حفظتُ وصايا أبي وأثبُتُ في محبتِه. قلتُ لكم هذه الأشياء ليكون بكم فرحي فيكونَ فرحُكم تاماً >.
إنَّ محبة الآب السماوي للمسيح يسوع هي محبة ابدية أزلية، كذلك هي محبة المسيح يسوع لنا هي أبدية لا حدود لها. إنَّها المحبة التي بها تحقَّقَ أمرُ خلاصِنا حيث تمَّ في ملءِ الزمان حسب التدبير الإلهي. مات المسيح تكفيراً عن خطايا العالَم أجمع، وبعد قيامته المجيدة مِن بين الأموات، ربط المسيحُ يسوع المحبة بحفظ وصايا الله حيث قال: < إذا حفظتم وصاياي تثبُتون في محبتي كما أني حفظتُ وصايا أبي وأثبُتُ في محبَّتِه >
هنالك أمور عقائدية يحتويها الإيمان المسيحي، تَمَّتْ صياغتُها عبر القرون من قبل آباء الكنيسة وعُرفت " بقانون الإيمان ". إنَّ المسيحية الحقَّة هي أسمى روحياً من مُجرَّد الإقرار بالعقيدة الكتابية، وبدراستنا للتاريخ لاحظنا عبره الكثير مِن الأفراد والجماعات أعلنوا عن أنفسهم بأنَّهم مِن أتباع المسيح، ولكنَّ واقعهم أثبتَ عكس ذلك مِن خلال تعاملهم مع أقرانهم وإخوتهم المُخالف لوصايا المخلِّص يسوع، لأنَّ الأنانية ومحبة الأمجاد الدنيوية أبعدتهم عن تنفيذ صُلب العقيدة.
وتابع يسوع توصياتِه بشأن المحبة وضرورتها القصوى في حياة المؤمنين به: < وصيتي هي: أحِبوا بعضُكم بعضاً كما أحببتكم. ليس لأحدٍ حُبٌّ أعظم مِن أن يبذِلَ نفسه في سبيل أحِبائه، فإنْ عملتُم بما اوصيكم به كنتم أحِبائي. لا أدعوكم خَدَماً بعد اليوم لأنَّ الخادمَ لا يعلم ما يَعمَل سيُّدُه. فقد دعوتكم أحِبائي لأنّي أطلعتُكم على كُلِّ ما سمعته مِن أبي. لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتُثمِروا ويبقى ثمرُكم فيُعطيكم الآب كُلَّ ما تسألونَه باسمي. ما اوصيكم به هو: أحِبوا بعضُكم بعضاً >
لا شكَّ أبداً بأنَّ المسيح يسوع أحبَّنا حُباً ابدياً، فقد بذل نفسه عنا، افتدانا حاملاً وِزرَ خطايانا، كُنّا عُصاة مُتمَرِّدين، خالفنا وصايا الله فعلاً وقولاً وفِكراً، فانبرى يسوع للتكفير عن ذنوبِنا وآثامِنا فمات عوضاً عنا، فهل هناك حُبٌّ أعظم مِنْ حُبِّ المسيح لنا؟ ألا يتحتَّمُ علينا أن نقتدي بيسوع فادينا فنُحِبَّ بعضنا بعضاً؟ مَنْ كان بمقدوره فعل ما فعله يسوع مِن أجل خلاصِنا؟ هل بإمكان أيٍّ منا أن يفيَ المسيح عَمّا فعله لنا إن اعتمد على قوتِه الذاتية؟ بالمطلق لا: ولكنَّنا إنْ ثبتنا في المسيح وعشنا أحراراً في نطاق كلمتِه الحُرة المحيية، عندها نستطيع تنفيذ وصيته المباركة بأن نُحِبَّ بعضَنا البعض!
ما أعظمَكَ وما أبهاكَ يا يسوع فقد أزلتَ عنا صفة العبيد < لا أدعوكم خَدَماً بعد اليوم لأنَّ الخادِم لا يَعلم ما يعمَل سيُّدُه. فقد دعوتكم أحِبّائي لأنّي أطلعتُكم على كُلِّ ما سمِعتُ مِنْ أبي > هل هناك ما يفوق العطية العظمى التي حبانا بها المسيح أن نُدعى أحِبّاءَه!؟ ولكي لا نتباهى بأنفسِنا قطع علينا درب التباهي قائلاً: < لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتُكم وأقمتُكم لتذهبوا وتُثمِروا ويبقى ثمرُكم فيُعطيكم الآب كُلَّ ما تسألونَه باسمي. ما اوصيكم به هو: أحِبّبوا بعضَكم بعضاً >
قُرّائي الأعزاء: أتمنّى مِنْ صميم قلبي، أن تؤمِنوا بيسوع المسيح وتَتَّخِذوه فادياً ومُخلِّصاً لحياتكم! إنْ أدَّيتم هذا المطلب الهام، إعلموا أنَّكم أغصان في الكرمة، والكرمة هي يسوع المسيح. أُثبُتوا فيها واصغوا الى كلمتِه المُحيية، عيشوا في محبة الله وتبادلوها مع سائر أفراد المسكونة. ولله المجد آمين
الشماس د. كوركيس مردو
في 20 / 5 / 2017

 

شاهد أيضاً

نداء عاجل ..أين رمزنا ، “صليبو دحايي”!؟

المونسنيور د. بيوس قاشا  بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال أراضي سهل نينوى     نعم، أربعة عشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*