الرئيسية / المقالات / الأسقف الإيبارشي وتجديدات البابا فرنسيس في إجراءات دعاوى بطلان الزواج

الأسقف الإيبارشي وتجديدات البابا فرنسيس في إجراءات دعاوى بطلان الزواج

الاب سالم ساكا


المقدمة:
في تاريخ الكنيسة الحديث، أجرى بابوان فقط إصلاحات بشأن قضايا إعلان بطلان الزواج. الاصلاحات الأولى قام به البابا بندكتس الرابع عشر عام 1741. أمّا الاصلاحات الثانية فقد قام بها البابا بيوس العاشر عام 1908. وفي أيامنا هذه وبالتحديد بتاريخ الخامس عشر من شهر آب عام 2015، أصدر قداسة البابا فرنسيس إرادتين رسوليتين (Motu proprio) بخصوص إجراءات الدعاوي لبطلان الزواج في الكنيسة الكاثوليكية. واحدة تخصّ الكنيسة اللاتينية وتحمل العنوان: (Mitis Iudex Dominus Iesus) (ربُّنا يسوع القاضي الوديع)، والأخرى تخصّ الكنائس الشرقية الكاثوليكية وتحمل العنوان: (Iesus Mitis et Misericors) (يسوع العطوف الرحوم).
دخلت كلتا الارادتين الرسوليَّتين مجال التطبيق بتاريخ الثامن من شهر كانون الأول من العام المنصرم 2016. فيهما جدَّد قداسته بطريقة عميقة الاجراءات التي تتعلَّق بدعاوي بطلان الزواج. إذ من خلالهما يسَّر من هذه الاجراءات وسهَّلها لكن دون أن يمسَّ خاصّتي الزواج الكاثوليكي الجوهريَّتين وهما: "الوحدة وعدم الانفصال، أي الديمومة". أعني أنَّ الزواج القانوني والمقدَّس يبقى رباط أو وثاق لا يمكن حلّه من قبل أيّ سلطة كانت ما عدا الموت. إذن بإمكاننا أن نؤكِّد على أنَّ غاية التجديدات تخصّ فقط شكل الدعاوي الخارجي من الاجراءات وتسهيلها كي يحصل أصحاب الدعوى أو طرفي النزاع على حقوقهم في أسرع وقتٍ وبأيسر طريقة ومجاناً إذا أمكن. لكن تبقى أسباب البطلان كما هي دون أيّ تغييرات.  


هدف الاصلاحات:
في الواقع تمَّ تعديل 21 قانونا في مجموعة الحقّ القانوني الخاصّ بالكنيسة اللاتينية، وكذلك في مجموعة قوانين الكنائس الشرقية الكاثوليكية. إنَّ الهدف من تعديل هذه المجموعة من القوانين، موجَّه الى:
1- بالدرجة الأولى الاصلاح موجَّه الى أساقفة الإيبارشيات وكهنة الرعايا لكي يكونوا أكثر قرباً من المؤمنين وخاصّة من المتألمين والذين يعانون في حياتهم الزوجيَّة من مشاكل وأزمات، أو الذين تعاني عائلاتهم من تفكّك وإنقسام. وهذا ما سوف نركِّز عليه في مقالتنا هذه.
2- إنَّ الروح الذي يقود إصلاحات قداسة البابا فرنسيس حول دعاوي إعلان بطلان الزواج هو الإسراع في البتّ بها، لا من أجل تعزيز البطلان، بل إحتراماً للمؤمنين الذي من حقّهم أن ينالوا، خلال مدّة معقولة، جواب الكنيسة لمطلبهم، وأن يحصلوا على العدالة. بهذا، الكنيسة التي هي أمّ، تعتني بأبنائها وبناتها، وتعيش بالقرب منهم لتضمّد جراحهم بالرحمة والعدالة. ومن خلال قوانينها تسعى دائماً إلى خلاص نفوسهم، الذي هو شريعتها الأسمى.
3- الهدف الثالث والمهمّ أيضاً من جراء إصلاحات قداسة البابا فرنسيس حول إجراءات دعاوي بطلان الزواج هو المحاكمة المجانيَّة. فضمان مجانيَّة المحاكمة على قدر الامكان حسب مار ورد في كلتا الإرادتين مطلوبة. إذ بهذا تكون الكنيسة أمّاً سخيَّة تظهر للمؤمنين أنَّ الاجراءات "مرتبطة بخلاص النفوس" وليس ذات طابع تجاري. في هذه الحالة، يدعو قداسة البابا الأسقف المحلي، أو الهيئات الأسقفيَّة، الى إيجاد طرق أخرى للحفاظ على دفع أجرٍ عادل للعاملين في المحاكم الكنسيَّة.


مكانة الأسقف الإيبارشي في الإرادة الرسوليَّة:
في مقدَّمة الإرادة الرسولية التي أصدرها قداسة البابا فرنسيس للكنائس الشرقية الكاثوليكية والتي تحمل العنوان: (Iesus Mitis et Misericors) (يسوع العطوف الرحوم)، وعن مكانة الأسقف الإيبارشي أو دور وخدمته في قضايا دعاوي بطلان الزواج، جاء ما يلي: "إنَّ الكنيسة، عبر تعاقب الأجيال، مستنيرة بوضوحٍ كامل بكلمات الربّ يسوع حول الزواج، أدركت وعرضت بأكثر تعمّق عقيدة عدم إنفصام رباط الزواج المقدَّس، وأقامت نظام بطلان الرضى الزواجي، ونظَّمت بشكلٍ أكثر ملاءمة التشريع القضائي، بحيث يكون أكثر إنسجاماً مع حقيقة الإيمان الأكيدة في عمقها. كلّ هذا جرى على قاعدة شريعة خلاص النفوس الأسمى… تندرج خدمة الأسقف، بصورة أساسيَّة وهامّة في هذا الاطار، فهو، كما يدعوه الآباء الشرقيون في تعليمهم، "قاضٍ وطبيب". ذلك أنَّ الإنسان المجروح والساقط بسببِ الخطيئة الأصليَّة وخطاياه الشخصيَّة، أصبح مريضاً، فيحصل من الله بدواء التوبة، على الشفاء والمغفرة، ويتصالح مع الكنيسة. فالأسقف، المقام من الروح القدس صورة المسيح ومكانه، هو قبل أيّ شيء خادم الرحمة الإلهيَّة. لذا، تُشكِّل ممارسة السلطة القضائيَّة المكان المميَّز حيث يحمل، من خلال تطبيق مبدأي "الإكونوميا" (التدبير) و"الأكريبيا" (الرحمة)، رحمة الربّ الشافية إلى المؤمنين المحتاجين إليها". إذن، من خلال مقدمة الإرادة الرسوليَّة هذه، أراد قداسته، أن يكون الأسقف الإيبارشي المحور لهذه الخدمة القضائيَّة والروحيَّة في آنٍ. فهو، أي الأسقف، الأب والمعلِّم والقاضي في إيبارشيَّته. ويمارس مهمّته هذه سواء في محكمته الخاصّة، أم في المحكمة الإبتدائية الموحَّدة بين الإيبارشيّات أو تلك المشتركة بين عدة كنائس متمتّعة بحقّ خاصّ (sue iuris) كما هو الحال عندنا في العراق؛ وسواء في الدعاوي العادية أم في تلك التي تقتضي محاكمة أقصر أمام الأسقف، أم في المحاكمة الوثائقية، أم في قضايا الأحوال الشخصيَّة ومفاعيل الزواج المدنية.


الأسقف= الأب:
الأسقف هو الأب الذي يعتني بأبناء إيبارشيته وبناتها، أكانوا قريبين أم بعيدين. ويعقد علاقات مباشرة معهم وخاصّة مع الذين إبتعدوا عن الكنيسة لأيّ سببٍ من الأسباب. وسلطته تشمل كلّ أبناء كنيسته المقيمين ضمن نطاق ولايته، والذين لهم في إيبارشيته مسكن أو شبه مسكن، وإن كانوا أصلاً من إيبارشية أخرى. وكونه أباً، فهو، أي الأسقف، رأس الإيبارشية، وبهذه الصفة يحمل سلطة الولاية بأبعادها الثلاثة: التشريعيَّة والقضائيَّة والإداريَّة وفقاً للقوانين الكنسيَّة.


الأسقف= القاضي:
يُعتبر الأسقف القاضي الأول في إيبارشيته، وله حقّ إصدار الأحكام وتنفيذها. وينوب عنه نائبه القضائي في محكمة إيبارشيته إذا وُجدت. لذلك، له الحقّ في أن يعيِّن نائباً قضائياً، في دائرة الإيبارشية، يتولّى النظر في سائر القضايا غير المحفوظة لصلاحية المحكمة الموحّدة أو المشتركة. كما من حقّه تعيين قاضٍ أو أكثر لمعاونه النائب القضائي الإيبارشي، في مهامّه عند الحاجة وفقاً لما ترسمه القوانين والإرادات الرسوليَّة.


الأسقف= الطبيب:
الأسقف هو الطبيب الذي يقارب بروح الرحمة والعدالة المؤمنين والمؤمنات الذين تركوا الكنيسة أو جحدوا إيمانهم بسببِ حالتهم الزواجية كالمطلّقين مدنياً أو الذين حصلوا على الطلاق لدى كنائس غير كاثوليكية أخرى، وخاصّة الذين عادوا فعقدوا زواجاً جديداً خارج الكنيسة الكاثوليكية، ويسعى جاهداً إلى تفهّم أوضاعهم ومساعدتهم على إعادتهم إلى حضن الكنيسة "على الأسقف الإيبارشي، لدى ممارسة مهمّته الرعوية، أنْ يُبديَ إهتماماً بجميع المؤمنين المعهودة إليه العناية بهم، أيّا كان عمرهم أو وضعهم أو وطنهم أو كنيستهم المتمتّعة بحكمٍ ذاتي، سواء المقيمون في منطقة الإيبارشيَّة أو الماكثون فيها مؤقتاً، ويعطف بروح رسوليَّة على الذين لا يمكنهم الإفادة من العناية الرعويَّة المألوفة على وجهٍ وافٍ، بسببِ ظروف حياتهم، وكذلك على الذين أهملوا الممارسة الدينية" (القانون/192 –البند1، القانون/289 –البند3). وهذا ما تؤكِّد عليه فعلاً المادة رقم/1 من القواعد العامة للإرادة الرسوليَّة التي جاء فيها: "الأسقف الإيبارشي، ملزم، بحكم القانون/192 –البند1، أن يواكب بغيرة رسوليَّة الأزواج الذين هم في حالة هجر أو طلاق، والذين ربّما وبسبب ظروف حياتهم أهملوا الممارسة الدينية. إنَّه بالتالي يتشارك مع كهنة الرعايا العناية الراعوية بالمؤمنين المتعثِّرين".


مكانة كاهن الرعيَّة في الإرادة الرسوليَّة:
من أخصّ واجبات كاهن الرعيَّة التي يُشدِّد عليها قداسة البابا فرنسيس في إرادته الرسوليَّة: (Iesus Mitis et Misericors) (يسوع العطوف الرحوم)، الاهتمام بكلّ فئات رعيَّته، وخاصّة بالعائلات، لأنَّها "كنائس بيتية" (Ecclesia Domestica) وهي النواة المكوِّنة للرعيَّة. فسلامة الرعيَّة من سلامة العائلات المسيحيَّة التي منها تتشكَّل، لذا يجب على كاهن الرعيَّة ما يلي:
1-    متابعة العائلات والأزواج وزيارتهم وبخاصّة الجُدد منهم والذين يعيشون حياة زوجيَّة وعائليَّة متعثِّرة وغير مستقرَّة أو التي تعاني من خلافات ومشاكل.
2-    إيجاد وسائل للتدخّل من أجل حلّ الخلافات بين الزوجين، والسعي على مصالحتهما بأقرب فرصة مناسبة.
3-    إبعاد الأطفال إنْ وُجدوا عن خلافات والديهم، وإفهامهم على مدى خطورة الكشف عنها أمامهم.
4-    نصح الزوجين على عدم اللّجوء الى المحاكم المدنية أو الكنسية مباشرة بعد أول خلاف زوجي، أو سوء فهم يحصل بينهما، مع دعوتهما الى التهدئة. إذ غالباً ما للزمن ما يقوله لطرفي النزاع.
5-    في حالة تعثّر المصالحة، على كاهن الرعيَّة أنْ يُطلعَ أسقف الإيبارشيَّة، ليعمل هو شخصيّاً على مصالحة الأطراف المتنازعة.
6-    إذا أحد ما من أبناء الرعيَّة سبق وأن إنفصل عن الكنيسة وإنتمى إلى كنيسة أخرى بهدف الحصول على فسخ زواجه، وعقد زواجاً جديداً خارج الكنيسة الكاثوليكية، يتوجَّب على كاهن الرعيَّة أو الأسقف الإيبارشي، العمل على إعادته إلى حضن الكنيسة ومساعدته لإخضاع دعواه إلى حكم الكنيسة، من أجل إصلاح وضعه.

 

مركز الإصغاء والإرشاد والمصالحة:
لم تعد بضع محاضرات أو جلسات كافية لغرس الرسالة المسيحيَّة المرتبطة إرتباطاً وثيقاً بتأسيس العائلة. إذ الحقائق المؤلمة تُندِّد بهشاشة هذا النهج. إنَّ نسبة الدعاوي المرفوعة أمام المحاكم الكنسيَّة لطلب بطلان الزواج في حالة إزدياد، وكثرة العائلات المتعثِّرة والتي تعاني من الخلافات أو الأزمات الزوجيَّة، وغالباً ما تكون أسبابها تافهة، يمكن حلَّها بمجرَّد اللقاء بطرفي النزاع وإعطائهم نصائح وإرشادات بسيطة، علاوة على التحدّيات الهائلة التي تواجهها عائلاتنا اليوم في كلّ جوانب الحياة، لذا هناك ضرورة مُلحّة لإعادة الصياغة الهيكليَّة والبشرية في إطار مراكز الإعداد للزواجات الجديدة.
إنَّ إنشاء مركز الإصغاء والإرشاد والمصالحة، في إطار راعوية الزواج والعائلة، في كلِّ إيبارشية، إلى جانب مركز الإعداد للزواج، يُعتبر اليوم من الضرورات الملحّة. لأنَّ غايته الإعلام والمشورة والوساطة. ومهمّته مرافقة الزوجَين وتأمينهم الإرشاد الروحي، ومحاولة مصالحتهما ومساعدتهما على حلّ مشاكلهما الزواجيَّة إذا حصلت، وعلى إيجاد الحلول لتلافي إنعكاس الخلافات سلباً على الأولاد. بعد أنْ يستنفذَ المركز مساعيه، وإذا تعثَّرت المصالحة بين الأطراف المتنازعة، حينذاك فقط، يُعنى المركز بنصح الأطراف المتنازعة وإرشادهم للّجوء الى المحاكم الكنسيَّة المختصّة.

 

شاهد أيضاً

الأحد السادس: المرأة الكنعانية “من صبر ظفر”

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الاولى من سفر تثنية الاشتراع (9: 13-22) تظهر أن الشعب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*