الرئيسية / المقالات / مَن هو روح الحق

مَن هو روح الحق

الشماس د. كوركيس مردو

ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين تتذكَّر البشرية التجاربَ المريرة والنكباتِ الهائلة التي مَرَّتْ بها خلال القرن العشرين الذي كان أسوأَ القرون السابقة كُلِّها، فتعلَّمَتْ بأنَّ الإنسان غيرُ قادرٍ للعَيش بالخبز وحده، لأنَّ حياتَه أكثر استحقاقاً بكثير من المأكل والمشرب والمأوى وإن كان بُعدُها المادي ضرورياً، ولكنَّ هناك ما هو أسمى مِن ذلك إذ على الإنسان أنْ يسعى الى علاقةٍ روحيةٍ حميمة مع رَبِّه وخالِقِه. وهنا يتبادرُ السؤال بشأن مصيرنا: كيف نجِدُ السبيلَ السليم الى علاقةٍ قوية مع إلهنا وبارينا، ونحن نحيا على أديم هذه المسكونة المُترَعة بكُلِّ ما هو مادي؟
إنَّه سؤال منطقي لا نستطيع تجاهلَه بل لا بُدَّ مِن الردِّ عليه. وما دُمنا نُقِرُّ بقول يسوع المسيح رَبِّنا رداً على سؤال المُجرِّب الخبيث "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" علينا مُجابهة الجانب الثاني من الحقيقة "كيف نعيش في علاقةٍ روحية مستديمة مع الله؟" لم يشأ الله أن نعتمِدَ على قوانا الذاتية في البحث عن هذه الكيفية. بل بادر هو بإرسال أنبيائه ثمَّ رُسلِه وتلاميذِه ليُرشدونا الى الطريق المُستقيم. وفي ملءِ الزمَنْ أرسل ابنَه الوحيد الى عالَمِنا بمُهمَّةٍ خاصة هي خلاص العالم. لقد طالت مدة بقاء المسيح على الأرض ثلاثاً وثلاثين سنة، وفي الثلاثين من عمره المناسب لبدءِ رسالتِه حسب التقليد اليهودي، ابتدأَ باختيار تلاميذه وباشر بتعليم الناس تعاليمَه الخلاصية، مُدعِماً إياها بالآيات والمُعجزات الباهرة التي شملت عدداً كبيراً منهم. إلا أنَّ رؤساء اليهود الدينيين وقفوا بالضِدِّ من رسالتِه السماوية عناداً وحسداً وخوفاً، انتهى بهم الى تآمُرهم عليه والتخلُّصِ منه.
وقال يسوع لتلاميذه: < لو لم أعمل بينهم تلك الأعمال التي لم يعملها أحد لَما كانت عليهم خطيئة… وما كان ذلك إلاّ لتَتِمَّ الآية المكتوبة في شريعتِهم وهي: أبغضوني بلا سبب. ومتى جاء المؤيِّد الذي أُرسله إليكم من لدن الآب روح الحق المُنبَثِقُ من الآب فهو يشهدُ لي وأنتم ايضاً تشهَدون لأنَّكم معي منذ البدء > (يوحنا15: 24– 27). كانت اقوال يسوع هذه لتلاميذه إعلاماً لهم لكي لا يعثروا، وليتذكَّروا عند مجيء الساعة أنَّه قد أنبأهم بها، وعدم إعلامِهم بها منذ البدء لأنَّه كان معهم وهو كان يحفظهم.
وكلَّمَ يسوع تلاميذه قائلاً: < أما الآن، فإنّي ذاهبٌ الى الذي أرسلني وما مِنْ أحدٍ منكم يَسألُني: الى أين تذهب؟ لا بل ملأَ الحزنُ قلوبَكم لأنّي قلتُ لكم هذه الأشياء. غيرَ أنّي أقول لكم الحَقَّ: إنَّه خيرٌ لكم أن أذهب. فإن لم أذهب، لا يأتيكم المؤيِّد. أما إذا ذهبتُ فأُرسِلَه إليكم. وهو، متى جاءَ أخزى العالَمَ على الخطيئة والبِرِّ والدَينونة: أما على الخطيئة فلأَنَّهم لا يؤمِنون بي. وأما على البِر فلأَنّي ذاهبٌ الى الآب فلن تروني. وأما على الدينونة فلأَنَّ سيِّدَ هذا العالَم قد دين. > (يوحنا16: 5 – 11).
في الواقع كان الحزنُ آخِذاً مأخذَه من التلاميذ وقد تملَّكتهم الكآبة وهذا أمرٌ طبيعي أربكهم جداً وهم يسمعون سيِّدَهم يُخبرُهم بأنَّه عائد الى الآب الذي أرسلَه، فكيف سيكون وضعهم بدونِه؟ وكان صمتُهم وامتناعُهم عن سؤاله عن كيفية عودتِه الى السماء دليلاً واضحاً على شدَّة حزنِهم. لم يقصُد المسيحُ يسوع أن يترك تلاميذه إلاّ بابتعادِه عنهم جسدياً، ولكنَّه وعدَهم بإرسالِه إليهم الروح القدس الذي دعاهُ بالمؤيِّد أو المُعزِّي ليُلازمَهم هم وكُلّ الجماعات المؤمنة به الى انقضاء الدهر. إنَّ ذهابَ المسيح الى السماء عند الآب، لم يعنِ أنَّ حضوره الى جانب تلاميذه والمؤمنين به سيتقلَّص عَمّا كان عليه في سِني رسالته العلنية على الأرض، بل سيكون أكثر حيوية بواسطة الروح القدس الذي سيحِلُّ على كُلِّ مؤمِنٍ به!
وقد اكَّدَ يسوع بأنَّ الروح القدس متى جاء سيبكِّت أبناء العالَم الساقطين في حمأَة الخطيئة بتشبُّثِهم بارتكاب المعاصي والآثام وانغماسهم بشهواتِه الزائلة، ويُرشدهم الى الإيمان بيسوع المسيح الذي أرسله الله الآب لإفتدائهم بإنقاذِهم من خطاياهم، وبذلك يعلم المؤمنون بأنَّ الشيطان سيِّد هذا العالَم قد دين وأنَّ مصيره العودة الى الهلاك الأبدي.
كان لدى الربِّ يسوع المسيح أشياء كثيرة أخرى لم يكشِفها لتلاميذه أثناء بقائه الى جانبهم طيلة السنوات الثلاث الأخيرة التي انهمك فيها بنشر رسالتِه السماوية وإن كان قد أشركهم بها. < لا يزال عندي أشياء كثيرة أقولها لكم ولكنَّكم لا تُطيقون الآن حَمْلَها. فمتى جاء هو، أي روح الحق، أرشدكم الى الحقَّ كُلِّه لأنَّه لن يتكلَّمَ مِن عندِه، بل يتكلَّمُ بما يسمع ويُخبرُكم بما سيحدث، سيُمجِّدني لأنَّه يأخذ مِمّا لي ويُخبركم به. جميع ما هو للآب فهو لي ولذلك قلتُ لكم إنَّه يأخذ مِمّا لي ويُخبركم به. > (يوحنا16: 12 – 15). حيث كان يعلم يسوع بأنَّهم لا يستطيعون حمل تلك الأشياء واستيعابها ما لم يُسعِفهم بها الروح القدس الذي سيُرشدهم الى الحقِّ كُلِّه. وإنَّ العمل الذي يقوم به الروح القدس نُسمّيه "الوحي" فالروح القدس أوحى الى الرُسل وكتبة الإنجيل بمضمون محتوى أسفار العهد الجديد. والبرهان الساطع لمعرفة عمل الروح القدس المُميَّز جداً هو تمجيده ليسوع المسيح في كافة أعماله وشهادته له في قلوب الرسُل وعقولهم أي أنَّ نطقَه بالحقِّ الإلهي يُطابق كُلِّياً على ما نطق به المسيح يسوع في تعليمه العلني أمام تلاميذه وهو يكرز في كُلِّ أنحاء البلاد اليهودية.
ولِعِلم يسوع بأنَّ تلاميذه لم يكونوا على مقدرةٍ لفهم الأمور واستيعابها بطريقةٍ سليمة، ففي العشاء الأخير مع تلاميذه في ليلة عيد الفصح، أخبرهم عن أنَّ رؤساء الكهنة والفريسيين قد عقدوا العزم على القبض عليه وتسليمه الى ايدي المستعمرين الرومان مُطالبين بصلبه، فبدلاً من أن يُفكِّروا بطريقةٍ واعية فيما أخبرهم، دعوا للحزن أن يملأَ قلوبَهم، فاضطرَّ يسوع ليُكرِّرَ كلامَه عن آلامِه وموتِه وقيامتِه: < بعد قليل لا ترونني ثمَّ بعد قليل تُشاهدونني > (يوحنا16: 16).
بقول يسوع بدايةً: "بعد قليل لا ترونني" قصد بكلامِه بأنَّ أعداءَه رؤساء الكهنة والفريسيين كانوا له بالمرصاد للقبض عليه وتسليمه الى الرومان يطلبون منهم الحكمَ عليه بالإعدام صلباً. وبقولِه ثانيةً "ثمَّ بعد قليل تشاهدونني" أشارالى قيامتِه المجيدة من بين الأموات في فجر يوم الأحد وترآى لهم. كان عسيراً على التلاميذ إدراك أقوال يسوع هذه، وراحوا يتساءَلون فيما بينهم، ما معنى هذا القليل؟ لا ندري ما يقول. فعلم يسوع بأنَّهم راغبون بسؤاله عن ذلك فقال لهم: < الحقَّ الحقَّ أقول لكم: ستبكون وتنتحِبون، وأما العالمُ فيفرح. ستحزنون ولكنَّ حُزنَكم سينقلبُ فرحاً. إنَّ المرأَة تحزن عندما تلد لأنَّ ساعتها حانت. فإذا وضعت الطفل لا تذكر شِدَّتها بعد ذلك لفرحها بأن قد ولد إنسان في العلَم. فأنتم أيضاً تحزنون الآن ولكنّي سأعودُ فأراكم فتفرح قلوبُكم وما مِن أحدٍ يسلبُكم هذا الفرح. >.
إنَّه لأمرٌ بديهي أن ينال الحزنُ من تلاميذ يسوع، لأنَّه سيِّدُهم القادمُ مِن عليائه لإتمام رسالتِه الفدائية وسيُحاكم باعتباره واحداً من المُجرمين الخطرين. وكيف لا تكتئب قلوبُهم وهم سيُحرمون من رؤية معلِّمِهم الذي ذاقوا عذوبة صُحبتِه طوال ثلاث سنين؟ وقد قال لهم: يجدر بكم النظر الى المستقبل الى زمن ما بعد الصلب، وتوجيه أنظاركم نحو يوم النصر يوم القيامة المجيد الذي فيه تمَّت الغلبة على الموت واندحرت قوى الشر أمام المسيح الظافر على الموت بالموت!
يا لِغِنى دقائق تلك الليلة الأخيرة! التَأَمَ فيها شملُ الأعداء المناوئين للمسيح يسوع، وأجمعوا على إلقاء القبض عليه واقتياده الى دار رئيس الكهنة لإستجوابه ومن ثمَّ الذهاب به الى دار الولاية الرومانية. اختتم يسوع خِدمتَه التعليمية العلنية في تلك الدقائق الحاسمة والوداعية قائلاً: < قلتُ لكم هذه الأشياء بالأمثال. تأتي ساعة لا أُكلِّمُكم بالأمثال بل أُخبِرُكم عن الآب بكلام صريح. في ذلك اليوم تسألون باسمي ولا أقول لكم إنّي سأدعو الآبَ لكم فإنَّ الآبَ نفسَه يُحِبُّكم لأنَّكم أحببتموني، وآمنتم أنّي خرجتُ من لدن الله وأتَيتُ الى العالَم. أما الآن فإنّي أترك العالَم وأمضي الى الآب.> يوحنا16: 25 – 28).
فقال تلاميذه: " ها إنَّك تتكلمُ الآن كلاماً صريحاً ولا تضربُ مثلاً. الآن عرفنا أنَّكَ تعلم كُلَّ شيء، لا تحتاج الى مَن يَسألك. فلذلك نؤمن بانَّكَ خرجتَ من الله ". أجاب يسوع: "الآن تؤمنون؟ "
< ها هي ذي ساعة آتية، بل قد أتَتْ فيها تتفرَّقون فيذهبُ كُلُّ واحدٍ في سبيلِه وتتركوني وحدي. ولستُ وحدي، فإنَّ الآب معي. قلتُ لكم هذه الأشياء ليكون لكم بيَ السلام. تُعانون الشدَّة في العالَم ولكنْ ثقوا إنّي قد غلبتُ العالَم. >
لقد كان لنا تأمُّلٌ عميقٌ في التعاليم التي نطق بها المسيح قبل انتهاء حياتِه الأرضية، فوقفنا على أهميتِها القصوى ليس لِمُعاصريه فحسب بل لكُلِّ البشر ايضاً ومنهم نحن الذين أعطانا الله أن نتعدَّى السنين الأخيرة من القرن العشرين وندخل الى بوابة القرن الواحد والعشرين. لا زالت الأفكار والآراء والنظريات الإلحادية المادية تزداد طغياناً على عددٍ كبير من البشر الذين غدوا أسرى في سجنِها، حتى وصل الأمر بهم بأنَّ الإنسان يحيا بالخبز وحده، لا حياة له بعد الموت ومثلُه في الحياة كمثل الحيوان. يُنكرون القيامة السعيدة للأبرار والمُخيفة للأشرار البعيدين عن التوبة. ليكن في عِلمِكم أيها القراء الأعزاء بأنَّ الناسَ لن يذوقوا طعم الحياة السعيدة ولا ينعمون بالسلام الداخلي الحقيقي إلاّ بالرجوع الى الله تائبين ويؤمنوا بالمسيح يسوع الذي جاء من الله ليُخلِّصنا من الآثام والشرور العالقة بنا. كم نحن مدينون بتقديم الشكر لله الآب الذي يحِنُّ علينا ويرسل إلينا روحَه القدوس ليُجدِّد نفوسَنا بمكوثِه معنا على الدوام، يُعزينا طوال مدة حياتنا، ويُساعدنا أن نعيش بشراكةٍ روحية مقدسة مع كافة المؤمنين. آمين.

 

 

شاهد أيضاً

شعار البطريركية الكلدانية: “فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه”

 البطريرك لويس روفائيل ساكو الكلدان قبل المسيحية: الكلدان كانوا مكوناً رئيسياً من فسيفساء البشرية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*