الرئيسية / المقالات / الربح والخسارة على ضوء القيامة

الربح والخسارة على ضوء القيامة

البطريرك لويس روفائيل ساكو

 بمناسبة قيام معظم الرهبانيات برياضة روحية سنوية في الصيف أحببت أن أقدم لهم/هن هذا التأمل البسيط.
تروي يوميات أحد الأديار النسائية من القرون الوسطى، انه كان يعرف ازدهاراً كبيراً من ناحية العدد والمعيشة وممارسة المحبة تجاه الفقراء بسبب ما يملكه من عقارات يزرعــها، ومواش، لكن حدث جفاف شديد في المنطقة، فيبس الزرع، وماتت المواشي، وانقلب الوضع على الراهبات بحيث لم يبق لهن ما يسد رمقهن. وأخذن يصلين إلى الرب لينقذهن من هذه المصيبة ويخرجهن من الخوف والقلق. وحصل ان رأت الرئيسة خلال ثلاث ليال متتالية حلما يدعوها للذهاب إلى الساحة العامة، أي سوق البلدة حيث يحتمل وجود كنز مدفون يمكن اكتشافه يحل ازمه الدير.
قامت الرئيسة بجمع الراهبـات لتحكي لهن الحلم، فتحمسن وشجعنها للذهاب إلى الساحة العامة. وفي اليوم التالي قامت الرئيسة منذ الفجر مسرعة إلى البلدة التي لم تكن قد زارتها منذ ثلاثين سنة، ووصلت إلى الساحة ووقفت في وسطها تنظر حائرة إلى الناس ذاهبين آيبين في حركة شراء وبيع. وعند حلول المساء اغلق التجار محلاتهم ولم يبق في الساحة سوى الرئيسة وتاجرين. فتقدم أحدهما إلى الراهبة وقال لها: أيتها الأخت، ماذا قادك إلى ههنا؟ لماذا لا تعودين إلى ديرك فالليل قد حل؟ أجابت: إني رأيت حلما ثلاث مرات يدعوني للمجيء إلى هذه الساحة لأجد كنزا يحل مشكلة ديري. فقال لها الثاني: وهل يصدق الأحلام غير المجانين؟ أنا أيضا حلمت قبل أشهر بوجود كنز، في مطبخ الدير الذي في الوادي الكبير، هل تعتقدين أن علي الذهاب إلى هناك والبحث عنه؟ ولما تركها الرجلان، اخذ قلبها ينبض بسرعة من الاستحياء، وعادت أدراجها إلى الدير. وحالما وصلته طلبت أن يقرع الجرس لتجمع الراهبات وقادتهن إلى المطبخ حيث أمام دهشة الجميع. أخذت بنفسها تحفر بحثاً عن الكنز. ولما رفعت الأحجار وجدت جرة فيها مخطوطة قديمة تعود إلى القرن الثاني تتضمن مقطعين من إنجيل متى: "يشبه ملكوت الله تاجراً وجد جوهرةً باهظةَ الثمن في حقل، فباع كل ما يملك وذهب واشترى الحقل"
(متى 13-44) والثاني "إذا أراد أحد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لان من وجد نفسه خسرها، ومن خسر نفسه في سبيلي وجدها. وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلَه وخسر نفسه" (متى 16/ 24-26).
وقامت الراهبات ببيع الجرة ودفع الديون وإصلاح بناء الدير وزرع العقارات ومساعدة الفقراء.
 من المؤكد ان كل واحد منا يفسر القصة بطريقته الخاصة: ماذا يقترح علينا وضع الدير، ما معنى حلم الرئيسة وذهابها الى الساحة العامة بحثا عن لقمة العيش، انتـظارها الطويل والشاق في الساحة، قيمة صبرها، موقف التاجرين، والنهاية المدهشة باكتشاف الكنز مخفيا في قلب الدير وليس في الساحة، والكلمات العجيبة في لعبة الحياة: ربح وخسر.
 اقترح أن نقرأ القصة تحت هذا العنوان: ربح وخسر. شخص محتاج جدا يبحث عن منفذ محتمل، يأكله الشوق إلى إيجاد الكنز. وهذا يجعله قادرا على خسارة الراحة ومواجهة مخاطر الوضع، ينتظر في عدم الاستقرار وأمام استهزاء الآخرين (التاجران) من دون أن يجد الكنز المنشود، ولكن بالرغم من الحلم فالكنز ليس في المكان الذي تصوره لذا عليه ان يبحث عنه في مكان آخر (في قلبه)!!
لنقرا نصي الإنجيل ولنسلط الضوء على نص الجوهرة ولنحلله ونكتشف عناصره الأساسية من الداخل، ونرصد ردأة فعل الناس الذين سمعوه لأول مرة. إطار هذا النص يعكس النور على النص الثاني. فقد وبخ يسوع بطرس: "أنت لا تفكر مثل الله، بل مثل الإنسان" (متى 16-23). ثم يعلم تلاميذه معنى أن يفكروا مثل الله وليس مثل الإنسان وذلك بقوله: " إذا أراد أحد أن يتبعني " يضع يسوع الشوق- الرغبة أساسا للتلمذة. ان الشوق هو العنصر الأول لاتباع يسوع. أما الخسارة فهي نتيجة حتمية لما يتطلبه الاتباع: “نكران الذات ". هذا يعني ان تلميذ يسوع ينبغي أن ينكر ذاته بشكل مطلق ونهائي.. والفعل "نكر" لا يلين. لنتخيل دهشة مستمعي يسوع وحركة رفضهم لهذا المطلب. أتذكر وانا كاهن صغير كنت أرافق أحد أساقفة الشمال وكيف تحسر عند مرورنا أمام قصر فخم: قال بحزن: أ ترى هذا القصر ليته كان لي. فأجبته باستغراب: سيدنا هذا الكلام لا يليق بك، أردف: العين تشهد وتشتهي!! الله يرحمه! وكأن يسوع قد سمعنا فقال قولا مطلقا:" من أراد أن يخلص نفسه يخسرها ومن يخسر نفسه يجدها "(متى16/25) ومرقس يضيف: " من أجلى ومن أجل الإنجيل" (8/35). والسببية "لان" التي بها تبدأ الجملة تكشف مدى أهمية التفكير بـ" ينكر ذاته".
ان الفعل " أراد" يركز على الاتباع للحصول على الخلاص – الحياة. ومعنى الخلاص – السعادة في المزاج العام للناس هو في الحفاظ على الصحة والسلامة من كل الجوانب والحرية والتمتع بثروات الحياة، الا أن يسوع يقلب الحالة: الخلاص- السعادة هو عكس ما يفكر به الناس: الخلاص يكمن في بذل الذات … من بذلها ربحها – خلصها … والجملة اللاحقة تجلب فعلين بنفس المعنى " ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه". اتباع يسوع يتطلب ديناميكية الربح والخسارة كنموذج عاشه هو.
 وسط الظروف الصعبة التي نعيشها، يدعونا يسوع لنكون قادرين على الدخول في مغامرة الربح والخسارة (الفصح- العبور) مؤسسة على رسالة مندمجة برسالته: “أتيت لأخلص ما هو ضائع"(لوقا 19/10)، وجعلها نمط عيش في الكنيسة. من هذا المنطلق علينا اتباع ثلاث مراحل لتحقيقه.
1-    الشوق لاكتشاف الجديد في العلاقة.
2-     التفكير الدائم والواعي بالربح والخسارة.
3-    خلق نمط متواصل لفرح(الأمل).
" اذا اراد احد ان يتبعني..". الاتباع ناتج عن انجذاب القلب والإعجاب والانبهار. يقول يسوع " لا أحد يقدر أن يأتي إلى إلا إذا جذبه أبي " (يوحنا 6/44). بالحقيقة أن معظم المشاكل التي تواجهنا ناتجة عن فقدان الانجذاب – الشوق. وعندما ندخل من جديد في علاقة الانجذاب، نقدر أن نستمر بانفتاح متجدد دوما على نمط الحياة على طريقة يسوع التي يستعرضها الإنجيل.
– الشوق -الرغبة هي ضمان الانفتاح على الله لذلك يظهر للذين هم غير مكتفين، انهم ينجذبون إليه ويتبعونه و يشتركون بوليمته (لوقا 6/21 متى 22) في حين أن المتكبرين المملوئين من ذاتهم – يعودون فارغي الأيدي (لوقا 1-53) لنتأمل في نص الفريسي و العشار (لوقا 18-9 و ما يتبع).
– ان نصلي يعني ان نشتاق ونسجد لأننا معجبين. وتعلم صلاة "الابانا" بأسلوب تربوي مشوق (متى 6/9-13، لوقا 11/1-4)، التلميذ الخروج من نطاق رغباته المــــــــحدودة من اجل اسم الآب وملكوته وإرادته. بالنتيجة يملئ الله فراغنا إن اردنا (لوقا 12/22).
– ان نخسر رغبتنا الشخصية من اجل كلمة الله: " لي طعام اشتاق أن أكله أنتم لا تعرفونه.. طعامي هو أن اعمل بمشيئة من أرسلني (يوحنا 4/32-33)، أي أن نعمل على مثاله. لنتأمل في موقف المرأة الخاطئة (لوقا 7/36-50) كيف تركت جسدها السجين لتبدأ بأيدٍ فارغة مسيرة جديدة غنية إلى الله بالروح والحق مثل السامرية (يوحنا 4/1-42)!
نحن بحاجة إلى شحنة كبيرة من الصراحة والمصارحة حتى نتخلص من همومنا الكثيرة: شغل، منصب، صحة، تحقيق أحلام، الهجرة الى الفردوس المنشود، الأنسان الراشد يبقى على الواحد، أما الباقي فالعناية الإلهية تدبره من حيث لا ندري كما يقول الإنجيل (متى 6: 25-34). ان حياتنا كأفراد وجماعة يلزم إن تتجه لتحقيق الشركة والشراكة في إطار صوفي لعيش قيم الإنجيل بعمق.
وسط عالم مضطرب ومتغير، عندما نصب أنظارنا واهتمامنا على نقطة الركز. الكنز وهو في داخلنا. انه ينمي ويحرك ويلهب فينا وحولنا "المحبة والفرح " بدلا من الحزن كالذي انتاب قلب الشاب الغني (متى 19:16- (22..

النسوة الخمس اللواتي يذكرهن الإنجيل مثال حي للربح والخسارة.
1-    السامرية: مهتمة بضروريات صغيرة: جرة، ماْ، جسد(زواج). وعندما تكتشف يسوع تترك جرتها التي تمثل عطشها العادي لتبدأ بأيدٍ فارغة طريقا للربح الرسولي لقد فجّر فيها نبع ماء حي: الحرية الداخلية التي عاشتها بلقاء يســــــوع جعلتها تترك جرتها والبئر وتنسى كل شيء (عطشها لا ينضب).
2-     الأرملة: لما أعطت فلسها الثاني الذي كان لها كل شيء لم تفكر كيف ستعيش، حريتها الداخلية جعلتها تتعلق بواحد. ربحت مدح يسوع وصارت معلمة للتلاميذ (العطاء الكامل)،
3-    العذراء الحكيمة: كانت تتنظر بشوق وتسهر بيقظة، لم تهتم بالتعب ولما دخلت قاعة العرس لم تفكر بالزيت الذي أحرقته خلال الانتظار.
4-    صاحبة الخميرة: تعلمنا كيف نخضع أنفسنا لمراحل التطور: أشياء بسيطة يومية (خفية) بإمكاننا أن نطورها. الأمور العظيمة تبدأ بأشياء بسيطة.
5-    المرأة صاحبة الطيب. شوقها إلى يسوع جعلها تكسر العادات والتقاليد والأفكار الثابتة،، حبها أوصلها الى القمة: العطر: مجانية العلاقة.

 

شاهد أيضاً

الاحد السابع من الرسل: الباب الضيق: الايمان متطلب

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر إشعيا (5: 8 – 11) تقول: الويل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*