الرئيسية / المقالات / التبني ثقافة لا يعلمها سوى الرحماء

التبني ثقافة لا يعلمها سوى الرحماء

 بسام متي

في عام 2010 ضرب زلزال مدمر جزيرة هايتي احدى جزر الساحل الكاريبي بلغ قوته 7.0 درجة على مقياس ريختر، استمر لما يزيد عن دقيقة واحدة خلف دمارا هائلا في حين قدر الصليب الأحمر الدولي أعداد المتأثرين بالزلزال بثلاثة ملايين شخص بين قتيل وجريح ومفقود، وقد قتلت شخصيات عامة بارزة عديدة جراء الزلزال، فيما أعلنت الحكومة الهايتية عن دفن أكثر من 230.000 قتيل.
عقب الزلزال بيومين أعلنت الأمم المتحدة عن الآلاف الأشخاص في عداد المفقودين أكثرهم من متوسط العمر وبين كبار السن، كما وأكدت الأمم المتحدة عن وجود عدد كبير من الأطفال فقدوا ذويهم تحت الأنقاض لهذا ناشدت دول العالم لتقديم المساعدات الإنسانية لجزيرة هايتي لكونها من الدول الأكثر فقراً في منطقة السواحل الكاريبية، لهذا سارعت دول كثيرة لتقديم المساعدات بشتى أنواعها وكانت دولة كندا على رأسهم، حيث تعتبر هايتي ثاني أكبر متلقي للمساعدات الكندية، كما تتواجد جالية هايتية كبيرة في كندا لهذا لم تختصر المساعدات الكندية فقط بأرسال فرق الإنقاذ والمواد الغذائية بل كان لكندا دوراً إنسانياً اكبر بكثير حيث حثت الحكومة الكندية مواطنيها على تبني الأطفال الذين فقدوا ذويهم في الزلزال، فسارعت إعداد كبيرة من العوائل دون أن يهتموا ببعد المسافة بين كندا و هايتي فتبنوا إعداد كبيرة من الأطفال.
هذا الحدث الإنساني يجعلنا نقف احتراماً لدولة كندا حكومتاً وشعباً ومن وجهة نظري أن المناهج و المدارس الكاثوليكية كان لها دوراً بارزاً في تطوير كندا حتى وصولها الى هذا المستوى الإنساني والرقي في التعامل مع البشر بصرف النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية؟
حقيقة ما جعلني اكتب او أسلط الضوء على هذه الحادثة والتي مر عليها اكثر من سبعة سنوات، هو الخبر الذي قرأناه قبل أيام على المواقع التواصل الاجتماعي الذي كان تحت عنوان (حاكم دبي يختار 5 من صناع الأمل لـ"وظيفة المليون درهم" بينهم العراقي هشام الذهبي)
هشام الذهبي: هو شاب عراقي ذو 25 عاماً حائز على شهادة الماجستير في علم النفس من الجامعة المستنصرية، وكان يعمل باحثا نفسياَ من عام 2004 إلى عام 2007 في "منظمة حماية أطفال كوردستان" التي كانت قد فتحت لها فرعاً في بغداد عقب الإطاحة بالنظام السابق عام 2003.
وإبّان الأحداث الطائفية عام 2007 قُتل أحد الباحثين الاجتماعيين التابعين لهذه المنظمة، فقررت الأخيرة إغلاق المشروع وتسليم الأطفال اليتامى الى الدولة، لكن هشام الذهبي قرر أخذ المهمة على عاتقه، ووقّع أمام المنظمة على محضر تسلم الأطفال اليتامى البالغ عددهم 33 يتيماً يؤويهم في بيته أغلبهم يعانون من أمراض نفسية كثيرة أبرزها الاكتئاب والتوحد، بسبب الحروب والأوضاع الأمنية المتردية التي عاشها ويعيشها العراق.
يسهر لخدمتهم يوفر لهم ما يلزمهم في حياتهم اليومية، ويضحي بجُلِّ وقته لأجلهم.
تم تكريمه من قبل حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في حفل تحت عنوان صناع الأمل الذي أقيم في مدينة دبي وقدم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مكافأة مالية بقيمة مليون درهم للشاب العراقي وهي جائزة العطاء الأغلى من نوعها في العالم تكريماً لجهوده الإنسانية التي لا توصف ولا تقدر بثمن.
حقيقة هناك سؤال يطرح نفسه يا ترى أين الحكومة العراقية الم يكن الاجدر بها ان تكون هي السباقة في تكريم هذا الشاب الذي لم يرضى بتسليم اليتامى للدولة خوفاً على مصيرهم الذي قد يكون مجهولا في ضَل ظروف العراق الحالية!؟
شكرا لدولة الإمارات على هذه الالتفاتة الجميلة بتكريمها للشاب هشام الذهبي الذي استحق التكريم لجهوده المبذولة في رعاية هؤلاء اليتامى، وهنا لابد أن نتوقف و نرجع بذاكرتنا الى الوراء بالأمس كان الشهيد مثلث الرحمات مار فرج رحو يترأس و يدير احد مراكز إيواء ورعاية الأيتام التابع للكنيسة الكلدانية في الموصل، تكريماً لخدماته و مواقفه الإنسانية تجاه أبناء نينوى تم خطفه وتعذيبه وقتله ثم رميت جثته في احدى المقابر في الموصل!!.
ومن الأمور المحزنة ايضاً البحث الذي أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) لعام 2017 أفاد بوجود خمسة ملايين يتيم في العراق الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما بسبب الحروب!
والسؤال ألاخر الذي يطرح نفسه يا ترى ما هو مصير هؤلاء اليتامى في ظل الظروف الراهنة وكم من هيشام يحتاج العراق كي يأوون هذا العدد الهائل من اليتامى!؟ و ماهو دور المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني وماهو دور الكنيسة الكلدانية في حماية أو رعاية الأيتام!؟. هنا، قد يتساءل البعض لماذا زج الكنيسة الكلدانية في أمور هي من مسؤوليات الدولة؟
حقيقة الكنيسة الكلدانية كانت و مازالت لها دور إنساني كبير في المجتمع العراقي دون أن تنظر الى أي عقيدة أو طائفة وهذا جزء من رسالتها التي تبشر بخلاص النفوس وبرغم الظروف التي يمر بها العراق و ضغوطات وهموم الكنيسة الكلدانية بسبب المأسي التي حلت بشعبنا المسيحي من تهجير وسلب الممتلكات، فما كان على الكنيسة سوى أن ترمي بثقلها لمساعدة وإيواء المهجرين وبرغم تزاحم الآلاف في المخيمات أعدت على عجل لاستقبالهم في الوقت الذي عجزت فيه حتى المنظمات وفرق الاستجابة من استيعاب الكم الهائل من اعداد المهجرين قسراً، لكن الكنيسة الكلدانية مارست دورها الإنساني برغم امكانياتها المحدودة مقارنة بأعداد العائلات النازحة وتآمين حاجياتها وتلبية متطلباتها كان بالأمر الصعب ويتطلب أموال هائلة لكن حين امتدت يد الرب زالت كل الصعوبات.
لا نريد تحميل الكنيسة اكثر من طاقتها، رعاية الأيتام هي من مسؤولية الدولة، لكن بإمكان الكنيسة حث مؤمنيها لتبني عدد من الأيتام و ما المانع اذا ما بادر بعض الأزواج الذين حرموا نعمة الإنجاب أو من النساء اللواتي لم تتح لهن فرصة الزواج وتكوين أسرة، يبادروا بتبني طفل ومنحه حياة عائلية كريمة وتعليما جيدا ودفءا عاطفيا!؟
وهذا التساؤل أو الكلام ليس موجه فقط للذين يعيشون في العراق، فقد تكون قوانين في العراق تمنع المسيحي من ان يتبنى الأطفال من مراكز الأيواء الحكومية!، لكن الكلام موجه ايضاً الى الكلدان او المسيحيين الذين يعيشون في دول الشتات هناك أزواج طال بهم العمر لم ينعموا بنعمة الأطفال مازالوا ينتظروا معجزة كمعجزة (زكريا و أليصابات) لا يوجد شيء مستحيل مع الرب، لكن في المقابل عدم الإنجاب اللاطوعي قد يكون الامر حكمة الله، فالحكمة الإلهية تعتمد على علاقة الإنسان بالله وعلى اختباره الإيماني.
فعدم الإنجاب لا يعني الاستسلام أو الرضوخ لواقع الحال بل الله أعطى الأمل للزوج والزوجة في أن يمارسا حياة الأمومة والأبوة من خلال التبني، فالكتاب المقدس قد تكلم عن أعظم عملية تبني والتي بها تم الخلاص لجميع الأمم، حيث ولدت السيدة العذراء إبنها البكر من الروح القدس وقام يوسف خطيب مريم بتبني الطفل وإعتبره أبنا له أمام الناس خوفا من وحشية اليهود على زوجته طبقا للشريعة اليهودية.
ختاماً أقول أن الله تبنانا و فدانا بدم المسيح فلماذا لا نكون رحماء وان ندعوا الأولاد إلينا وان نقبلهم في أحضاننا!؟

 

 

شاهد أيضاً

التطويبة الثامنة “طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات…”

المطران بشار وردة طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ فإِنَّ لَهم مَلكوتَ السَّمَوات. طوبى لكم، إِذا شَتَموكم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*