الرئيسية / المقالات / دخول يسوع الى اورشليم

دخول يسوع الى اورشليم

الشماس د. كوركيس مردو

< ولما كان الغدُ سمِعَ الجمعُ الكثيرُ الذين أتوا للعيد أنَّ يسوعَ قادمٌ الى اورشليم. فحملوا سَعَفَ النَّخل وخرجوا لإستقبالِه وهم يهتِفون: اوشعنا! تباركَ الآتي باسم الرَّبِّ ملكُ اسرائيل! > (يوحنا12: 12 – 13). (اوشعنا كلمة عِبرية تعني خَلِّصنا)
ما أعجبَكَ أيها الإنسان، فإنَّكَ مخلوقٌ عجيبٌ وغامضٌ معاً، فقد قُمتَ بمآثر ومُنجزاتٍ جمّة عبرَ الزمَن منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، بَيدَ أنَّكَ لم تُفلِح للعيش بسلام وانسجام مع قريبِكَ الإنسان، ولفرط اهتمامِكَ بامور الحياة المعيشية اليومية ومُجابهة الأمراض الفتّاكة التي تُصيبُ أبناء البشرية، فإنَّنا وللأسف نُلاحِظ بأنَّ الإنسان يسعى وبكُل جُهدٍ الى تطوير آلات التدمير والهلاك وتكديسِها.
وفي الواقع إنَّ المشاكل التي يتخبَّط بها الإنسان هي مِن صُنعِه في الغالب، وهو المسؤول عن ايجاد حلولٍ لها، ولكن مِن العسير جداً أن نتوَّقع مِنه النجاح في مسعاه ما دام بعيداً عن استنجادِه بالله طالباً عَونَه، لأنَّ الله وحدَه القادرُ على إرشادِنا الى الطريق السليم والمُستقيم الذي إذا سلكناه نجد فيه الطُمأنينة والسلام. وبما أنَّ الإنسان مَيّالٌ بطبعِه الى الشرِّ لأنَّ الشرَّ هو أحد عناصر الطبيعة البشرية، لِذا فإنَّنا بأمسِّ الحاجة الى مُرشِدٍ بل الى مُخلِّصٍ يكون قادِراً الى تحريرنا مِن استعباد الخطيئة وينزع عنا المَيل السلبي لإرتكابنا أموراً مُنافية للوصايا الإلهية.
وما إنْ نقرأ الإنجيل ونتأمَّل في أقوالِه نَلحظ في الحال بأنَّ يسوع المسيح لم يأتِ مِنْ عَليائِه ويأخذ جسداً بشرياً إلاّ مِنْ أجل إنقاذنا مِنْ خطايانا وآثامِنا وليمنحنا العزم والقدؤة لنُشاركَ إخوتَنا في الإنسانية العيشَ في سلام وتفاهمٍ متبادل، ولم يجرِ ذلك إلا بموافقة ومُباركة الله الآب الذي منح ابنَهُ الوحيد يسوع المسيح اعتماداً لإنجاز رسالتِه الخلاصية المتضمِّنة لتعاليمه الإلهية المُدعَمة بالآيات والعجائب والمُعجزات التي اجترحها لصالح بني البشر مُعاصريه في مختلف انحاء البلاد اليهودية، شافياً مرضاهم، مُقوِّما مُعاقيهم، مطعِماً آلاف الجموع المُحتشدة حوله لسماع تعاليمِه مِنْ بضعة أرغفة الخبز وسمكتَين. كانت هذه الأمور دليلاً واضحاً على أنَّ المسيح كان مُرسَل الآب السماوي للقيام بمُهمةٍ فريدة وجبّارة من أجل إنقاذ البشرية جمعاء من وهدة معاصينا وآثامِنا.
وفي الثلاثين من عُمره وما إنْ بدأ يسوع المسيح بنشر رسالته التعليمية والتبشيرية. فاختار له تلاميذاً ليُشاركوه في تجواله في عموم الأرض اليهودية كارزاً ومعلِّماً وشافياً! حتى قادَ رؤساء الدين اليهود في اورشليم مُعارضة شديدة ضِدّه مُعلنين رفضهم لتعاليمه وعدم اعترافهم بشهادتِه عن نفسِه ولا الإقرار بالهدف السامي لمُعجزاتِه التي فعلها لصالح عدَدٍ كبير مِن أبناء الشعب باذلين أكبر جهدٍ افترائي للتقليل مِن شأنها! وإذْ أعياهم الفشلُ في رَدِّ الجموع الشعبية عن الإصغاء إليه جنحوا الى حبكِ المؤامرات عليه سعياً للتخلُّص نهائياً مِنه. وقد أحدثتْ إقامة لعازر من بين الأموات ردَّة فعل مزدوجة: الإيجابية كانت ذات تأثير بالغ على مُختلف الجماهير الغفيرة الوافدة الى اورشليم للإحتفال بمناسبة حلول الأعياد مجَّدوا الله عليها، والسلبية كانت مُخيبة لآِمال قادة الدين والكتبة والفريسيين، فتآمروا جِدِّياً على قتل يسوع في أسرع فرصة تسنح لهم، ولنرى ما كتبه القديس يوحنا البشير بهذا الصدَد:
< وعَلِمَ جمعٌ كثير مِن اليهود أنَّ يسوع هناك فجاؤوا، لا مِن أجل يسوعَ فَحَسْبُ، بل ليروا لعازر الذي أقامَه مِن بين الأموات.. فعزَمَ عُظماءُ الكهنة على أنْ يقتلوا لعازر ايضاً، لأنَّ كثيراً مِن اليهود كانوا ينصرفون عنهم بسببِه ويأتون الى يسوع > ما أغلظَ قلوب هؤلاء وما أقسى كلماتُهم! فبدَلاً مِن قيامِ عُظماء الكهنة وأتباعهم بتمجيد الله ورفع الشكر إليه بمناسبة هذه المُعجزة الخارقة التي تَمَّت في ضواحي اورشليم، راحوا يتآمرون على قتل يسوع ولعازر ايضاً، فهل هناك شَكٌّ مِنْ أنَّ خللاً فظيعاً يكمن في صُلب الحياة البشرية؟ وفي مجلسٍ عقده عظماء الكهنة والفريسيون قالوا < ماذا نعمل؟ فإنَّ هذا الرَّجل يأتي بآياتٍ كثيرة. فإذا تركناه وشأنَه آمنوا به جميعاً… فقال أحدُهم قيافا… " أنتم لا تُدركون شيئاً، ولا تفطُنون أنَّه خيرٌ لكم أنْ يموتَ رجل واحدٌ عن الشعب ولا تهلِكُ الأمة بأسرها " > وكان القائل عظيم الكهنة في تلك السنة، فتنبَّاَ أنَّ يسوع سيموت عن الأمة، وليس عن الأمة فحسب، بل ليجمع ايضاً شمل أبناء الله المشتَّتين. فعزموا منذ ذلك اليوم على قتلِه.
< وقبل الفِصْح بستة أيام أُقيم ليسوع وتلاميذه عشاء في بيت عَنيا، وكان لعازر في جملة المدعويين. فتناولت مريم اخت لعازر حُقَّة طيبٍ من الناردين الخالص الغالي الثمَن، ودهنَتْ قدَمَي يسوع ثمَّ مسحتهما بشَعرِها. فعَبِقَ البيتُ برائحة الطيب. فقال يهوذا الإسخريوطي وهو الذي كان مُزمِعاً على تسليمِه " لماذا لم يُبَع هذا الطيبُ بثلاثمائة دينار، فتُعطى للفقراء. ولم يقُل ذلك لإهتمامِه بالفقراء، بل لأنَّه كان سارقاً، وكان صندوق الدراهم عنده، فيختلس ما يُلقى فيه. فقال يسوع: "دَعها، فإنَّها حَفِظَتْ هذا الطيبَ ليوم دفني. إنَّ الفقراء هم عندكم دائماً وابداً، وأمّا أنا فلستُ عندكم دائماً أبداً > (يوحنا12: 1 – 8).
أعزائي القراء، ألم تُلاحظوا في كلام يسوع إنباءَه لجماعة المدعويين بموتِه بعد اسبوع مِنْ ذلك الحين؟ إنَّ موتَ المسيح مَثَّلَ الوسيلة الناجعة لشفائنا مِنْ أدران خطايانا وآثامِنا! إضافةً لمنحِنا القوَّة التي تُعينُنا للعيش بسلام مع الله ونُظرائنا البشر.وربَّما هناك مَن يسألني قائلاً: إننا نعلم بأنَّ المسيح مُحَدرٌ مِن نسل ذاود الملك، فكيف يُمكن أن يُقتَل؟ أَجَل، كان كذلك وكان ملكاً، ولكنَّ ملكوتَه لم تكن على شُبهِ ممالك هذه الدنيا. وقد برهن على ذلك بشكل جليٍّ يوم دخولِه الى اورشليم في موسم الأعياد ممطدياً صهوة جحشٍ بن أتان ليتِمَّ ما قاله النبيُّ زكريا < ابتهجي جداً يا ابنةَ صهيون واهتُفي يا ابنة اورشليم، لأنَّ هُوَذا ملكُكِ مُقبِلٌ إليكِ. هو عادلٌ ظافرٌ، ولكنَّه وديعٌ راكِبٌ على أتانٍ، على جحشٍ ابن أتان > (زكريا9: 9).
كانت الجماهير الوافدة الى اورشليم لتحتفل بعيد الفِصح تصرخ قائلة: اوشعنا أي خَلِّصنا يا مسيح الله! إنَّ الكثير مِن الجماهير لم يفقهوا بأنَّ الخلاص الذي عزم المسيح على إتمامِه كان تخليص البشر وتنقيتهم من أدران الخطيئة والشر اللذَين يكمُنان في قلب كُلِّ إنسان. لم يكن المسيح ملكاً مِن هذا العالم كما كان يتصوَّرُه بنو اسرائيل، وأعلن ذلك بنفسه أمام الحاكم الروماني بيلاطس " ليست مملكتي من هذا العالَم " ولذلك لم يفعل كما يفعل ملوك العالَم الأرضيين، الذين يركبون صهوات الجياد أو يستقلون المركبات. وإنما ركب على ظهر جحشٍ ابن أتان رمزاً لتواضعِه ووداعتِه.
لم يكن تلاميذ المسيح يسوع بمستوىً يُتيحُ لهم فهم هذه الأمور، ولكنَّهم استطاعوا فَهمَها بعد أنْ تمجَّدَ يسوع، أي بعد موتِه وقيامتِه من بين الأموات وصعودِه الى السماء. حيث تذكَّروا وقتئذٍ أنَّها فيه كُتبَتْ، وأنَّها هي نفسُها له صُنِعَت كما أشار إليها زكريا النبي في الفصل التاسع من نبوَّتِه. وكان الجَّمعُ الذي صَحِبَه، حين دعا لعازر مِن القبر وأقامَه مِن بين الأموات، يشهَدُ له بذلك. وما خرج الجمْعُ لإستقباله إلاّ وقد سَمِعَ أنَّه أتى بتلك الآية. فقال الفريسيون بعضُهم لبعضٍ: " ترونَ أنَّكم لا تستفيدون شيئاً. هوذا العالَمُ قد تَبِعَه ".
كان ترحيب الكثير مِن الناس بالمسيح يسوع عظيماً وإلحاحُهم عليه كبيراً أن يمنحهم الخلاص. رافعين آيات المجدَ والشكرَ لله الآب الذي أرسلَه لإنجاز مُهِمَّتِه الفدائية الفائقة الأهمية، على العكس مِنْ القادة الدينيين الذين رفضوه وعاهدوا أنفسهم على قتلِه، والموقِف هذا لا يختلف عن موقِف العدد الغفير عبر القرون المتعاقبة الذين أصَرُّوا على عدم الترحيب بالمسيح وببشارتِه الخلاصية، وما أكبر الأسف الذي يؤلمنا لوقوع عددٍ كبير من الناس في الخطأ الفادح نفسِه الذي وقع فيه مُعاصِرو المسيح! كانوا يتطلَّعون الى ملكٍ أرضيٍّ شبيه بالإمبراطور الروماني، لكي يرفع وطأة الإستعمار عن كاهلهم ويُعيدَ إليهم عظمة داود وسليمان. والمسيح يسوع لم يكن غافلاً عن قساوة وبطش الرومان التي يُمارسوها على الشعوب الواقعة تحت سيطرتِهم الإستعمارية، لكنَّه شَدَّدَ على ما يلي: < هدف مجيئه من السماء الى الأرض هو لتدشين ملكوت الله عن طريق مُجابهة الخطيئة والشَّر اللذين لا تخلو منهما حياة الإنسان الأرضية، يهودياً كان أو وثنياً. الكُل أخطأوا والكُل يحتاجون الى الإنقاذ، والمُنقِذ الوحيد هو الله!!!
المسيح يسوع جاء لإنجاز عملٍ فدائيٍّ للبشرية عظيم وفريد، لم يرضخ لأِيِّ مطلبٍ بشري لثنيه عن عزمِه الهادف الى انتشال بني البشر مِنْ هُوَّة الخطيئة التي تستعبد الإنسان وتجعله أليماً ومعذَّباً. بينما أراد زعماء بني اسرائيل ملكاً بطلاً مغواراً على غِرار بعض أبطالهم الذين أبلوا بلاءً حسناً في مُحاربة الإستعماريين السلوقيين خلال القرن الثاني قبل الميلاد. لذلك لم يمتثلوا لتعاليم الكتاب المقدس " العهد القديم " التي كانت كُلُّها تُشير الى مجيء المسيح المخلِّص المُنتظر وفي الزمن المُحدَّد مِن الله الآب!
ما أعظم الفرح الذي يملأُ قلوبنا عندما نتأمَّل بأُولئك البعض أعني بهم صيّادي السمك وجُباة الضرائب الذين كان يُنظَرُ إليهم باحتقار، انصاعوا لدعوة المسيح يسوع لهم وقبلوها بلا تردُّد، بل بفرحٍ وترحاب شاركوا مُعلِّمهم بنشر رسالتِه الخلاصية. وبعد موت يسوع مصلوباً على الخشبة وقيامتِه من بين الأموات في اليوم الثالث، تسلَّموا زمام نشر البشارة السارة مُنادين بها في كُلِّ انحاء العالَم المعروف آنذاك مُتحدّين كُلَّ الأهوال والإضطهادات. ونحن اليوم ننضمُّ إليهم مُعلنين ايمانَنا بالمسيح يسوع المُخلِّص، كما كشف عن ذاتِه هو بنفسِه في الإنجيل المقدس ونُردِّد بفرحٍ وتهليل " مُبارك الآتي باسم الرب " ومع إحيائنا لهذا الحدث التاريخي علينا النظر الى المُستقبل برجاءٍ حَيٍّ منتظرين مجيء المسيح الثاني ملكاً جباراً ودياناً للأحياء والأموات آملين أن يمنحنا السلام في ملكوته.

 

 

شاهد أيضاً

الاحد السابع من الرسل: الباب الضيق: الايمان متطلب

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى من سفر إشعيا (5: 8 – 11) تقول: الويل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*