الرئيسية / المقالات / بِمَ يُطَهِّرُ الشابُ سَبيله؟

بِمَ يُطَهِّرُ الشابُ سَبيله؟

الأب ريبوار عوديش باسه

تتميّز كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان بجمالتها ومتعتها من جهة، وبصعوباتها ومشقاتها من جهة أخرى. ولعل أصعب مراحل الحياة هي مرحلة الشبيبة مقارنة بغيرها بما يخص القرارات المصيرية وغيرها من التحديات، لأنه في مرحلة الطفولة هنالك من يهتم بالطفل ويتخذ القرارات لفائدته، وفي الشيخوخة يكون الفرد قد تجاوز ذلك وقد كوّن ذاته، بينما في مرحلة الشبيبة على الفرد اتخاذ قرارات صعبة ليُكون ذاته وليصبح عضواً فعالاً في مجتمعه.
    وبما أننا نعيش اليوم في زمن أصبح العالم فيه كقرية صغيرة بفضل الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال وكذلك بتأثير العولمة والتطور بكافة مجالاته وبمحاولة كل طرف كسب الشباب ليقوي موقفه ويروج لأيديولوجيته ومفاهيمه مطبقاً المقولة المعروفة "نكسب الشباب لنضمن المستقبل"، غدا الشباب حائرين ومترددين وقلقين بشأن مستقبلهم. فإنهم يدركون حق الإدراك بأن الآخرين يريدون كسبهم ليضمنوا مستقبلهم الخاص ويضيعوا مستقبل الشباب. وفي ظل هذه الحالة يتساءل كل شاب ذاته هذا السؤال: بِمَ يُطَهِّرُ الشابُ سَبيله؟ أي كيف يضمن مستقبله ويتخذ القرارات الصائبة ولا ينجرف مع التيارات المتطرفة أو النزوات العابرة أو المكاسب الرخيصة أو الموضة الزائلة، بل يكونّ ذاته وقناعاته ويبني شخصيته؟
    إن السؤال "بِمَ يُطَهِّرُ الشابُ سَبيله؟" يطرحه المزمور ١١٩، ٩. وجوابه هو في نفس الآية وفي سياق المزمور ذاته بشكل خاص وسياق سفر المزامير بشكل عام. فالجواب المباشر لهذا السؤال هو أن على الشاب تطهير سبيله بحفظه كلمة الرب "بحفظه كلمتك" (مز ١١٩، ٩). وبما يخص سياق هذه الآية فهو بالطبع المزمور ١١٩ الذي هو أطول مزمور في سفر المزامير حيث يتكون من ١٧٦ آية وموضوعه الرئيسي هو التوراة أي التعاليم الإلهية التي وهبت لنا من خلال الكتاب المقدس لتحريرنا وخلاصنا. إن هذا المزمور يبدأ بالطوبى: " طوبى للكاملين في سلوكهم، للسائرين في توراة الرب. طوبى للذين يحفظون شهادته وبكل قلوبهم يلتمسونه" (مز ١١٩، ١ـ٢).
    وبما يخص السياق العام لهذا المزمور أي سفر المزامير، فإننا نجد بأن سفر المزامير ذاته يبدأ بالطوبى حيث يرد في مستهله: "طوبى للإنسان الذي لا يسيرُ على مشورة الشريرين، وفي طريق الخاطئين لا يتوقف، وفي مجلس الساخرين لا يجلس، بل في توراة يهوه هواه، وبتوراته يُتمتمُ نهاراً وليلاً" (مز ١، ١ـ٢). من الملفت للنظر بأن الإنسان المذكور في المزمور ١، هو وحده أما الأشرار والخاطئون والساخرون فهم مجموعة. ولكن بالرغم من ذلك، هذا الإنسان لا يسير معهم، لأن طريقه يختلف عن طريقهم. فهو يدرك جيداً بأنه إذا سارَ معهم فأنه بعدئذٍ سيتوقف معهم وسيجلس في مجلسهم وبالتالي سيرفض السير في طريق الله الذي سيقوده إلى الخلاص: "فإن يهوه عالم بطريق الأبرار وإن إلى الهلاك طريق الأشرار" (مز ١، ٦).
    يعتبر المفسرون المعاصرون المزمورين الأول والثاني كمقدمة لسفر المزامير وبرنامج لملكوت الله ولمسيحه (قارن مز ٢). وبالتالي كل مؤمن مدعو بأن يجعل من هذين المزمورين بشكل خاص ومن سفر المزامير بشكل عام كبرنامج لحياته. إذن كل شاب مدعو لتطهير حياته وسبيله من خلال جعل المزامير صلاته اليومية وحفظه وترديده وتطبيقه لتوراة الله "وبتوراته يُتمتمُ نهاراً وليلاً" (مز١، ٢) بدلاً من إحداث الاضطرابات والتذمر مثلما فعلت الأمم والملوك ضد الربّ ومسيحه "لماذا ارتجت الأمم وبالباطل تمتمتِ الشعوب؟" (مز٢، ١).     
    بالرغم من صعوبات مرحلة الشبيبة فأنها من أجمل مراحل الحياة، ولكن للأسف الشديد إنها تمضي بسرعة الضوء، إلا أن من يتكلُ على الله ويثق به ويسير في سبيله، يجدد الله شبابه مثل النَّسر: "يُشبعُ سِنيكَ خيراً فيتجددُ كالنسر شبابك" (مز ١٠٣، ٥).

 

شاهد أيضاً

نداء عاجل ..أين رمزنا ، “صليبو دحايي”!؟

المونسنيور د. بيوس قاشا  بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال أراضي سهل نينوى     نعم، أربعة عشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*