الرئيسية / المقالات / موعظة العيد وواقع رعية اليوم

موعظة العيد وواقع رعية اليوم

د. صباح قيّا

لا يسع المرء إلا أن يقف مبهوراً بل خاشعاً إزاء ما كانت عليه المسيحية في بدء نشأتها وانتشارها، وما كان يقوم به المسيحيون الأوائل في الخفاء والعلن بالرغم من كل المخاطر التي تحيق بهم والموت الأليم الذي ينتظرهم عند اكتشاف أمرهم. لقد ازدهرت المسيحية وكبرت في عهود الظلم والإضطهاد، وضرب المسيحيون حينها أروع الأمثلة في التضحية ونكران الذات فداءً لمن بشر بالخلاص ومات على الصليب لإسعاد البشر أجمعين. لقد كانت المسيحية ذلك الوقت " طريق الحياة "، وكانت بالنسبة لإيمان المسيحيين العميق "أسلوب عيش"، وقد انجذب الكثيرون للسير في ذات الطريق والتشبث بنفس الأسلوب إعجاباً وإجلالاً، ومنهم اللاهوتي "ترتوليان 150م-250م" الذي ابهره الصمود الإيماني المسيحي وهو يشاهد بأم عينيه كيف تتقطع أجساد المؤمنين بأنياب الأسود الجائعة، وكيف تستقبل أجسامهم الطرية رماح الجند الرومان بكل هدوء وتقوى. فقرر أن يمشى بذلك الدرب بقناعة تامة مصحوبة بشجاعة فائقة…. ومن جهة اخرى، أثارت أواصر المحبة وروح الألفة والتعاون بين المؤمنين أتفسهم مشاعر الآخرين وأيقضت ضمائرهم فانقادوا طوعاً لهذا التعليم الجديد، إضافة إلى ما كان معروفاً عنهم ميلهم لمساعدة بعضهم البعض الآخر واقتسام قوتهم ومقتنياتهم فيما بينهم، وإقامة الصلوات في بيوت الميسورين منهم الذين لم يبخلوا أبداً في إيواء الجماعات المؤمنة وإداء متطلبات الضيافة على أكمل وجه دون تردد أو ملل. فما قاله الرب وبشر به الرسل مارسته بثبات والتزمت به الرعية بدقة خلال القرون الثلاث الأولى من البشارة…. وهكذا تنامت المسيحية وتوسعت بقوة وصلابة إيمان مبشريها ومن حمل صليبها بغض النظر عمّا لحق بالكثيرين منهم من تعسف وتعذيب وتنكيل وإزهاق.
 
 أستذكر ما حصل في تلك الحقبة من الزمن وأنا أستمع إلى موعظة راعي الكنيسة الجليل في أحد القيامة المجيد. أتساءل بيني وبين نفسي خلال متابعتي استرساله بالتفصيل عن مغزى القيامة الذي يعاد كل عام، هل سيتطرق إلى ما تصبو له ذاتي؟ هل سيقرأ ما يجول بفكري؟ نعم.. هذا ما أريده بالذات. أخذت الموعظة منحىً أخرى. إنتقلتْ بعد شرحها الوافي لمعنى القيامة إلى ركنين أساسيين من أركان المسيحية الأربعة، ألا وهما ألمحبة والغفران. سرحتُ إثناءها بخيالي إلى أيام الطفولة حيث كانت الأعياد مناسبات لإعادة الوئام بين العوائل المتخاصمة، مد جسور السلام بين المجاميع المتنافرة، وتنقية أجواء العلاقات المتوترة.. تتصافح الأيدي، تتسامح القلوب، تتسامى النفوس، تكبر العقول، وترتسم البسمات على الوجوه. ألصغير يعتذر من الكبير، والكبير يغفر للصغير. هل سيحصل اليوم ما كان مألوفاً بالأمس. إنتظرت وأنا أهمُّ بالخروج بعد انتهاء القداس. لم ألاحظ تقارب المختلفين فيما بينهم. لم يتقدم لي من خاصمني ولم أتقدم له. كل بقيَ على تعنته وبقيت أنا بكبريائي رغم أن الجميع تناول القربان المقدس. هل حقاً هم مسيحيون؟، وهل حقاً أنا مسيحي؟. هل تغير الإيمان عما كان عليه أيام زمان؟. كلا، لم يتغير الإيمان إطلاقاً بل من تغير، للأسف الشديد هو أنا وأنتَ.
من عمل في السلك الجامعي في الوطن الجريح يعلم جيداً أن أحد شروط القبول للتدريس هو النجاح في الدورة المسماة "طرائق التدريس"، ومن ثم اجتياز المقابلة أمام اللجنة المتخصصة في "الدين واللغة العربية". بادرني رئيس اللجنة عند جلوسي أمامها بسؤالي "هل أنت مسيحي؟ أجبته نعم. ثم أضاف: هل كنت تحضر دروس الدين الإسلامي؟ جوابي" أحياناً عندما لا يسمح المعلم بمغادرة المسيحيين الدرس. واستطرد: هل حفظت آية من القرآن الكريم؟ نعم. ما هي؟ ومن حسن الحظ تذكرت الآية الوحيدة التي أعرفها "قل ألله أحد….. ". بدأت على وجهه علامات الإستحسان. ثم أكمل: هل قرأت الإنجيل؟ نعم. فأردف: هل هنالك مقولة تأثرت بها كثيراً؟ نعم. قال ً؟ ما هي؟ أجبته: ألطوباويات. فسألني مبتسماً؟ هل بالإمكان شرحها؟ بدأت بالكلام عن " الموعظة على الجبل "، وتملكني شعور بأنه يمتلك المعلومات الكافية عنها من خلال أسارير وجهه المنفرجة بوضوح.
لقد نسينا أو تناسينا الفضائل المسيحية التي أرست أسس الحضارة الإنسانية وما زال العالم المتحضر يرتشف من ينبوعها لحد اليوم. غزت الحياة الدنيوية إنسان اليوم فابتعدنا عن دعائم الإيمان الحقيقي وبدأ البنيان الروحي بالإفول تدريجياً. لقد لخصت الطوباويات طريق الحياة لشرائح المجتمع المختلفة، وأضافت مواهب وثمار الروح القدس جوهر الخصال الحميدة لمن يبتغي النعيم من البشر. ومن ينشد الإلهام عليه الإطلاع على سيرة القديسين، فكما انه "ليس بالخبز وحده بحيا الإنسان"، فأيضا "ليس بحضور القداس وحده ندخل ملكوت السماء".
لمَنْ أشكو مَنْ مِنَ البشر عندهُ مواهبُ الروحِ القدسِ غدتْ حُطامهْ

مشورةٌ وفهْمٌ وعِلْمٌ وتقْوى كمْ عميقةٍ في معانيها العٍظامهْ

لا لمْ تعُدْ مع الحكمةِ والقوَّةِ كما كانتْ عندَ الأولين التزامهْ

وحتى مخافةُ الربِّ منسيَّةٌ ما دام المخلوقُ بالدولارِ اهتمامهْ
أما الثمارُ فحدثْ ولا حرجُ أينَ القديسُ بولصْ وأين إلهامهْ

لا محبةٌ ولا فرحٌ ولطفُ ولا صلاحٌ أو إيمانٌ أو سلامهْ

وأينَ التعففُ وكبحُ النفوسِ كأنها في هشيم النارِ اضطرامهْ

وما عنِ الإخلاصِ وطولِ الأناةِ فبديلها الزجر وغدر الوئامهْ

ولا تنسى التواضعَ والوداعةَ كيْ تقرأَ عليهما فعلَ الندامهْ

 

شاهد أيضاً

نداء عاجل ..أين رمزنا ، “صليبو دحايي”!؟

المونسنيور د. بيوس قاشا  بمناسبة الذكرى الثالثة لاحتلال أراضي سهل نينوى     نعم، أربعة عشر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*