الرئيسية / المقالات / توسّع الخرافات وامتدادها في أيامنا

توسّع الخرافات وامتدادها في أيامنا

+ المطران د. يوسف توما

للأسف ليس لدينا بعدُ في العراق فكرة تأسيس حزب سياسي يدافع عن البيئة كما هو الأمر في الدول المتقدمة، بل الأنكى أن بعض هذه الدول أدار ظهره لهذه المسألة كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخرا.
البيئة في عالمنا عموما وفي بلدنا ومنطقتنا مهدّدة بشكل خطير، من زحف الصحارى، والتقاء صحراء أفريقيا بالشرق الأوسط، وما تزايد عواصف رياح الغبار المتكرّرة – لم نكن نعرفها فيما سبق – سوى علامات تنذر بأخطار أكبر في المستقبل. الاحصائيات دقيقة لدى حماة البيئة على تناقص الكائنات الحيّة وانقراضها، وتجفيف الأهوار في جنوب العراق أحدث اختلالا في العالم، مما أثر على ملايين الطيور التي كانت تقضي الشتاء عندنا، هذا إلى جانب زوال أنواع كثيرة من الكائنات النهرية والمائية، وتخلخل الأراضي التي قطعت منها الأشجار، وزوال أكثر من 20 مليون نخلة من مجموع 28 مليون خلال أقل من ثلاثة عقود فقط من نخل العراق!
بالرغم من كل التحذير والانذار بشأن تردي البيئة اليوم، هنالك بكل بساطة من لا يصدّق، بل حتى أصبح الدفاع عن هذه الفكرة بحد ذاته مدعاة لسخرية الكثيرين، وصار الذين يدعون إلى الإصلاح البيئي عرضة للانتقاد فيُتهمون بأنهم يضيعون وقتنا ويؤخرون التقدّم ولا صحة لما يقال. فأصبحت حتى فكرة الاهتمام بالبيئة مجرد أوهام أو من باب التمني الفارغ والمستحيل.
إني أشبه غالبية الناس اليوم مثل معاصري أبينا نوح، الذين قال عنهم يسوع: "كان الناس يأكلون ويشربون ويتزاوجون، إلى يوم دخل نوح السفينة فجاء الطوفان وأهلكهم كلهم" (لو 17/27). أي عندما تموت لدى الناس قابلية قراءة العلامات لا يعودون يدركون ما يحدث، وحتى زمان قريب كان لدى الناس قوّة تفاعل وحدس مع البيئة، لكنهم فقدوا هذه القدرة بسبب التدمير المستمر للطبيعة وانقراض الأحياء. والحدس في الواقع مسألة مهمة جدا، لأنه يُحكم التفكير السليم والعقل الصافي. إلا أن الحدس يتجاوز العقل لأنه أقرب إلى حاسة الشم وكان القدامى يسمونه "النَفَسْ"، أي ما لا يمكن تعلمه من كل مهنة، لأنه من باب الإحساس المرهف. فتدمير الطبيعة يسبّبه فقدان الحدس بها، فالطبيعة كتاب والأميّة السائدة جعلتنا نعتبر كل من يقرأها من أصحاب الخرافات أو كمن يتكلم لغة لا نفقهها.
إن هذا التصعيد مع تدمير الطبيعة، يتزامن مع تناقص قوّة الحدس لدينا وازدياد سيطرة الخرافات الغيبية والماورائية. لأن اعتمادنا أصبح على التكنولوجيا أكثر فأكثر، في حين تقلصت قدراتنا الطبيعية الفطرية باطراد جنبا إلى جنب مع تردّي الطبيعة. وليس من الخطأ القول إن حقائق اليوم هي خرافات الغد!
لنلاحظ بكل بساطة غزو التقنيات في كل مكان وازدياد التهالك على وسائل الاتصال والتواصل وكثرة القنوات الفضائية والهجوم الكاسح للهواتف النقالة والانترنت يقابلها اختفاء المساحات الخضراء وجفاف الأنهر والينابيع وتلوثها وعدم اهتمام الناس بالزرع والضرع، والتهالك على الكسب المادي السريع. بحيث صار الناس يعرفون عما هو رقمي ووهمي أكثر من معرفتهم واهتمامهم بالطبيعة من حولنا.
كان للعديد من الناس، فيما مضى، قدرات طبيعية موروثة تتناقلها الأجيال، إلا أن تلك القدرات كانت تقوم على أساس التفاعل مع جانب من جوانب الطبيعة ومع العاملين معها. كل نبات تزرعه وتعتني به، أو شجرة تكبر في جوارك، أو حيوان أليف تكتشفه عن كثب، أو الطير الذي تربيه ويدهشك بتصرفاته أو صفيره أو مزاجه، أو حشرة دؤوبة تثير تساؤلك…الخ. كل هذه الكائنات عاصرتنا وعايشتنا وعلمتنا بل حتى أسهمت في تربيتنا، هذه اختفت من حياتنا، ولم يبق سوانا نحن البشر، متكدسين في مدن وبنايات حزينة، هل نتعجب أننا لم نعد نتحمل بعضنا البعض؟
كل يوم يشهد العالم انقراض أنواع من أشكال التنوع البيئي في الحياة، وعندما ينقرض نوع تختفي معه حلقة من حلقات السلسلة التي كان يشكلها هذا النوع وتنقرض معه حتى الرائحة المعينة لذلك النوع، ولن يعود لها من وجود. وبالرغم من بقاء بعض المحميات القليلة في الأرض بقيت طبيعية، إلا أن القاعدة مع قدراتنا الطبيعية هي: "استخدمني أو ستفقدني". أي إذا أهملنا العناية بطاقة ما أو بقدرة أو بلغة معينة ولم نحفظها ولم نستخدمها ستكون النتيجة فقدنا التام لتلك الطاقة، أي ضمورا لتلك القابلية والقدرة. وسيأتي يوم سيقول من هم حولك إن الكلام عن مثل تلك القدرات هو خرافة!
بالرغم من حياتنا القصيرة، سيصبح مثل هذا الاستنتاج عن المستقبل القريب حاضرا للكثيرين، وسيصبح المقياس هو أن الانسان العملي الواقعي الذي لا يفكر بالمستقبل بمثابة الملحد الذي يرفض ويقاوم عملا بمبدأ: "اليوم خمرٌ وغدا أمر"، معتبرا أن التفكير بالمستقبل خرافة، وأن العالم ثابت سيبقى كما هو ولن يتغيّر، وأن المدى واسع أمامنا و "لا جديد تحت الشمس"، حتى يأتي الطوفان… فيصرخ مثل معاصري نوح بأن الهواء النقي، والمياه النظيفة والأرض النظيفة لم تكن موجودة قط. بل قد يصرخ أنه لم تكن هنالك أي أشجار ولا غابات. وفي نهاية المطاف لن يجد من حوله سوى مقابر خردة معادن وآلات عاطلة غير قابلة للتصليح، عندئذ لن يختفي الحدس فقط بل جميع الأمور الأخرى.
أصدر البابا فرنسيس يوم في 24 أيار 2015 أول رسالة حبرية عن البيئة جاء في ختامها صلاة أقتطف منها: "يا إله المحبة، أرنا مكاننا في هذا العالم، كأداة لمحبتك تجاه كل كائنات هذه الأرض، أنر أصحاب السلطة والمال كي لا يسقطوا في خطيئة عدم الاكتراث، ويعتنوا بهذا العالم الذي نقطنه. إن الفقراء والأرض يصيحون: يا رب: إكتنِفنا بقوتك وبنورك، كي نحمي كل حياة ولنعدَ لمستقبل أفضل، ليأتي ملكوتك، ملكوت العدل والمحبة والجمال. كن مسبَّحا. آمين".
كركوك 15 حزيران 2017

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*