الرئيسية / المقالات / اعتقال يسوع ومُحاكمتُه

اعتقال يسوع ومُحاكمتُه

الشماس د. كوركيس مردو
 
في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ وبمُناسباتٍ كثيرةٍ يُلاحَظُ أنَّ حقوقَ الإنسان تُهْضَمُ بسبب عدم الإلتزام بثوابتِ القانون، وإذا ألقينا نظرةً على أحداث التاريخ، نرى وقائعَ كثيرة قد تَمَّتْ بهذا الشكل، وهي حالاتٌ شاذة يَقِفُ الإنسانُ عندها عاجزاً عن إصلاح ما حدث بالماضي، لأنَّه شيئٌ قد وقع في الماضي وصار من المستحيل تغييرُه!
 
ليس مِنْ شَكٍّ بأننا نشعرُ بشيءٍ من الإنزعاج بمثل هذه الأمور، ولكنْ ما هو الدافع الذي يُشعِرُنا بهذا الإشمئزاز والإنزعاج؟ وأعتقِد بأنَّ الإجابةَ سهلة وليست بعسيرة. إنَّ القلبَ الإنساني يتحرَّكُ فيه شعورٌ فظيعٌ لنُصرَةِ القرار المُطابق للحقِّ والتنديد بما يُخالفُه. ولكون القلب الإنساني مَيّالاً بطبعِه الى الشر، فإنَّ هذا الشعور مُعرَّضٌ للخضوع لضغوطاتٍ قوية، يقودُ صاحبَه الى سلوك طريقٍ مُلتويةٍ تكونُ نهايتُها فقدانَ الضمير أو إسكاتَه، وهذا بحدِّ ذاتِه مُخالفة للوصية الإلهية التي تُطالبُنا بصَون حقوقِ بني البشر التي حَباهم إياها الخالقُ العظيم.
 
وما دُمْنا نُواصلُ التأمُّلَ بسيرة المسيح يسوع خلال السنين الثلاثِ مِن حياتِه الأرضية، فإنَّ القديسَ يوحنا البشير يَروي لنا في الإصحاح الثامن عشر مِنْ انجيلِه تفاصيل حَدَثِ اعتقالِ يسوع لمُحاكَمَتِه بدايةً أمام عظيم الكهنة ثمَّ يُقتادَ الى الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، بالرغم مِن عدم وجود ما يدعو الى مُحاكمة يسوع، إذْ لم يكُن مُستوجباً للوم على أيِّ عملٍ مِن أعماله التبشيرية. ولكنَّ رؤساءَ الدين اليهود والمُوالين لهم من الرؤساء الآخرين ضاقوا به ذرعاً وناصبوهُ العِداءَ ومنذ الوهلة الأولى لبدءِ رسالتِه، واستمرّوا واقفين له بالمِرصاد مُقرِّرين بالإجماع الخلاص منه نهائياً، مُنتظرين أول فرصةٍ سانحة لإلقاء القبض عليه وجَلْبِه أمام السلطات الدينية للقصاصِ مِنه على استهانتِه بالشريعة الموسوية على حَدِّ زعمِهِم. كانت عمليةُ اعتقال يسوع ومحاكمته مأساوية، وما زاد في أساها قيامُ أحَدِ تلاميذِه بالتسهيل لها عن طريق خيانتِه لسيِّدِه يسوع بطريقةٍ غير مُلفتة لأنظارالناس الذين كانت تربطهم بمُعلِّمِه نظرةً مليئةً بالحُبِّ والإحترام، وكما أشار إليها النصُّ الإنجيلي.
 
< قال يسوعُ هذه الأشياء، وخرجَ مع تلاميذِه، فعَبَرَ واديَ قَدْرون، وكان هناك بُستانٌ، فدخلَه هو وتلاميذُه. وكان يهوذا الذي أسْلَمَه يعرفُ ذلك المكان لكثرةِ ما اجتمعَ يسوعُ مع تلاميذِه. فجاءَ يهوذا بحرس الهيكل والحَرَس الذين أرسلهم عظماءُ الكهنة والفريسيون حتى بَلغَ ذلك المكان، ومعهم المصابيحُ والمشاعِلُ والسلاح. وكان يسوعُ يعلمُ ما سيحدث له، فخرجَ وقال لهم: مَنْ تطلبون؟ فأَجابوهُ: " يسوعَ الناصِري". قال لهم: "أنا هو". وكان يهوذا الذي أسْلمَه واقفاً معهم. فلما قال لهم: "أنا هو" رجعوا الى الوراءِ ووقعوا على الأرض. فسأَلهم يسوعُ ثانيةً: " مَنْ تطلُبون؟ " قالوا: "يسوع الناصري". أجابَ يسوع: " قُلتُ لكم إنّي أنا هو، فإذا كنتُم تطلبوني أنا فدعوا هؤلاء يذهبون ". فتمَّتْ الكلمةُ التي قالها: " إنَّ الذينَ وهبتَهم لي لم أدَع أحداً منهم يَهلِك ". وكان سمعانُ بطرسُ يَحْمِلُ سيفاً، فاستلَّه، وضرَبَ خادِمَ رئيس الكهنة، فقطعَ أُذنَه اليُمنى، وكان اسمُ الخادِم ملْخُس. فقال يسوعُ لبُطرس: " أَغمِد السيف. أفلا أشربُ الكأسَ التي ناولني إيّاها أبي". >.(يوحنا18: 1 – 11).
 
أليس مِنْ حَقِّنا أن نَعجَبَ مِنْ موقفِ يسوع؟ ما سببُ سماحِه للخائن يهوذا بأنْ يصطحِبَ الجموع لإعتقالِه؟ ولماذا ارتضى بمثل هذه المُعاملة المُهينة؟ هل لم يكُنْ قادراً على الدفاع عن ذاتِه؟ لماذا زجرَ بطرسَ بعد أنْ استلَّ سيفَه وأسرع للدفاع عنه؟ وكيف لنا تفسيرُ موقِف الله الآب مِن هذا كُلِّه؟ ما أيسرَ ذلك! كان تدبير الآب الأزلي أن يُرسل في ملءِ الزمَن إبنَه الوحيد، الإقنوم الثاني من الثالوث الأقدس الى بني البشر، ليقوم بعملية فداء البشر وتطهيرهم مِن حمأَة الشرِّ والخطيئة وإنقاذهم مِن استعباد الشيطان، فكانت تلك مُهِمَّةً خاصة ساميةً وفريدة، وما كانت ستَتِمُّ إلاَّ بتألُّم يسوع على الصليب وموتِه الكفاري، ولذلك نعتبرُ تدبيرَ الله الآب بإرسال إبنه يسوع الى البشر عملاً فدائياً فائق الأهمية لإنقاذ كافةِ المؤمنين به بدون تمييزهم أصلاً وفصلاً!

ولتَتِمَّ كلمَةُ يسوع بالحفاظ على تلاميذِه < لما كنتُ معهم حفِظتُهم باسمِكَ الذي وهبتَه لي وسَهِرتُ فلم يَهلِكْ منهم أحدٌ إلاّ ابن الهلاك > (يوحنا17: 12). وهذا ما فعله يسوع، فلم يدَع أن يُلقى القبضُ على تلاميذه، وهو يُعلِنُ عن نفسِه للذين قَدِموا لإعتقالِه. كما لم يسمح لبطرس بالدفاع عنه بالسيف، لأنَّ مُهمَّتَه كانت تقضي بأن يذوق الآلامَ الجسيمة والموتَ على الصليب تكفيراً عن خطايا أبناء البشر وآثامِهم: " رُدَّ سيفَكَ الى غِمدِه. أفلا أشربُ الكأس الذي ناولني إيّاها أبي؟ ". ثمَّ سمح يسوع للمُرسلين مِن قبل أعدائه بتوثيقِه واقتيادِه كمُجرمٍ الى حنان الذي كان آنئذٍ حما قَيّافا رئيس كهنة هيكل اورشليم لتلك السنة.
 
تُرى، ألا يُثيرُ موقف بطرس من معلِّمِه يسوع انذهالاً كبيراً لدينا؟ إذْ عند دخولِه الى دار رئيس الكهنة خانته تلك الشجاعة التي أبداها أول الأمر عندما استلَّ سيفَه وقطع أُذنَ خادم رئيس الكهنة مَلخُس دفاعاً عن مُعلِّمِه، بينما أنكر معرفته ليسوع الناصري أمام جاريةٍ وإليكم ما رواه يوحنا البشير عن هذا الموقف: < وتبعَ يسوعَ سِمعانُ بطرُس وتلميذٌ آخر، وكان عظيمُ الكهنة يعرفُ ذاك التلميذ، فدخلَ دارَ عظيم الكهنة مع يسوع. أما بطرس فوقف على الباب في خارج الدار. وخرج التلميذُ الآخرُ الذي يعرفُه عظيمُ الكهنة، فكلَّمَ البوَّابة وأدخلَ بطرس. فقالت الجارية التي على الباب لبطرس: "ألستَ أنتَ ايضاً مِن تلاميذ هذا الرجل؟ " قال: " لستُ مِنهم". وأوقدَ الخدمُ والحرسُ ناراً لِشدَّة البرد، ووقفوا يستدفِئون، ووقفَ بطرس يستدفيءُ معهم.> (يو18 15-18).

أليس غريباً أنْ يُنكِرَ بطرسُ سيِّدَه أمامَ جاريةٍ شابة غير قادرةٍ على عَمَل أيِّ شيءٍ يأتيه مِنه ضَرَرٌ. أليست هناك دوافعُ لهذا الإنكار؟ أكان الخوف الذي جعل مِن الشجاع أن يُقِرَّ بعدم معرفتِه يسوع؟ ولنرى كيف وصف البشير يوحنا ما حدث. < وكان سمعانُ بطرس واقفاً يستدفيء. فقالوا له: " ألستَ أنتَ ايضاً مِن تلاميذِه؟ " فأنكر قال: " لستُ مِنهم ". فقال خادِمٌ مِنْ خَدَمِ عظيم الكهنة، وكان مِن أقاربِ الرجل الذي قطعَ بطرُسُ أُذنَه: " أما رأيتُكَ أنا بنفسي معه في البستان؟ " فأنكرَ بطرس ثانياً. وعندئذٍ صاح الديك. > يو18: 25 – 27).
 
لو اقتصَرَ بطرسُ بإنكاره لرَبِّه يسوع على المرَّة الأولى لعَزَونا الأمرَ الى شجاعتِه التي خانته في لحظةٍ لم يكُن يتوقَّعُها، ولكنْ عند تكراره الإنكار لمرّاتٍ ثلاث أظهرَ لنا بأنَّه كان نابعاً مِن رغبتِه الجامحة بألاّ ينال الألمُ مِن سيِّده المسيح، ويموتَ مُعلَّقاً على الصليب تكفيراً عن خطايانا نحن البشر.
 
إنَّ زعماء الدين والفريسيين ومنذ بداية يسوع التبشيرَ برسالتِه الخلاصية، كانوا يتحيَّنون الفرص لِلإيقاع به وقتلِه، إلاّ أنَّهم كانوا يخشون ردَّة فعل الشعب السلبية ضِدَّهم، ولذلك كان الفشل يُلازمهم في كُلِّ مرَّة، وأخيراً فكَّروا ملياً وأظهروا أنفسهم أمام الناس بأنَّهم لا يقومون بأيِّ عمل خلاف القانون بل طبقاً للشريعة، فأقدموا على اعتقال يسوع والإتيان به أمام عظيم الكهنة، فأُجريَتْ له مُحاكمة صورية، وها هو يوحنا البشير يروي لنا تفاصيلها:

< فسأَل عظيم الكهنة يسوعَ عن تلاميذِه وتعليمِه. أجابَه يسوع: " إنّي كَلَّمتُ العالَم علانيةً، وإنّي عَلَّمتُ دائماً في المجمع والهيكل حيث يجتمعُ اليهود كُلُّهم، ولم أقُل شيئاً في الخفية. فلماذا تسألني أنا؟ سَلِ الذين سمعوني عَمّا كلَّمتهم به، فهم يعرفون ما قُلتُ " فلما قال يسوعُ هذا الكلام، لَطَمَه واحدٌ من الحرس كان بجانبِه وقال له: " أهكذا تُجيبُ عظيمَ الكهنة؟ " أجابَه يسوع: " إنْ كُنتُ أسأتُ في الكلام، فبيِّن الإساءة. وإنْ كُنتُ أحسنتُ في الكلام، فلماذا تضرِبُني؟ > (يوحنا18: 19 – 23).
 
وللعِلم بأنَّ البلاد اليهودية كانت ترزح تحت سلطة الإستعمار الروماني، ولم يكن للشعب اليهودي صلاحية الحكم بإعدام أيِّ انسان، ولذلك اضطرَّ الزعماء اليهود للذهاب بيسوع الى دار الولاية الرومانية في اورشليم ليُحاكم هناك. وإليكم ما في النض الإنجيلي: < وساقوا يسوعَ من عند قيافا الى دار الحاكم. وكان ذلك عند الفجر، فلم يدخلوا دار الحاكم مخافة أن يتنجَّسوا فلا يتمكَّنوا مِن أكل الفِصح. فخرجَ إليهم بيلاطس وقال: " بماذا تتهِمون هذا الرجل؟ " فأجابوه: " > (يوحنا18: 28 – 29). وبخُبثٍ لم يذكروا نوعية الإتهام المُوجَّه ليسوع، بل أعلنوا عن مدى كُرهِهم وحِقدِهم له، وعدم التزامهم ببنود الشريعة الموسوية فقالوا لبيلاطس:

< " لو لم يكُنْ فاعِلَ شَرٍّ لَما أسلَمْناه إليك. " > فقال لهم بيلاطس: " خُذوه أنتم فحاكموه بحسب شريعتكم " قال له اليهود: " لا يجوز لنا أن نقتُلَ أحداً " > وهذا الجواب قصدوا به بأنَّ السلطة المُستعمِرة لهم لا زالت تحظر عليهم إعدام أحدٍ. فما كان من بيلاطس إلاّ مُجاراتهم والأخذ بمنطقهم الملتوي. لكنَّ بيلاطس أخذتْه الحيرة بشأن المسيح، وراح يبحث الأمرَ من حيث القانون الروماني مُتأمِّلاً في اتِّهام اليهود ليسوع بقولِه عن نفسِه بأنَّه ملكٌ!
 
< فعاد بيلاطس الى دار الحاكم، ثمَّ دَعا يسوع وقال له: " أأنتَ مَلِكُ اليهود؟ " أجابَ يسوع: " أَمِن عندِكَ تقول هذا أم قاله لكَ فيَّ آخرون؟ " أجابَ بيلاطس: أَتُراني يهودياً؟ إنَّ أُمَّتَكَ وعظماءَ الكهنة أسلَموكَ إليَّ. ماذا فعلتَ؟ اجابَ يسوع: " ليست مملكتي مِن هذا العالَم. لو كانت مملكتي مِن هذا العالَم لدافَعَ عنّي حرسي لكي لا أُسلَمَ الى اليهود. لكنَّ مملكتي ليست مِنْ هَهُنا "فقال له بيلاطس: " فأنتَ مَلِكٌ إذَن! " أجاب يسوع: " هو ما تقول، فإنّي ملكٌ. وأنا ما وُلِدتُ وأتَيتُ العالَم إلاَّ لأشهَدَ للحقِّ. فكُلُّ مَن كان مِن الحق يُصغي الى صوتي " قال له بيلاطس: " ما هو الحق؟ ". >
 
يبدو أنَّ بيلاطس لم يكُن مُهتمّاً بتساؤلِه "ما هو الحق" < إذْ خرجَ ثانيةً الى اليهود فقال لهم: " إنّي لا أجِدُ فيه سبباً لإتهامِه. ولكن جَرَت العادة عندكم أن أُطلقَ لكم أحداً في الفِصح. أفتُريدون أن أُطلقَ لكم مَلِكَ اليهود؟ " فعادوا الى الصياح: " لا هذا بل بَراَبّا! " وكان بَرأبّا لِصّاً. > (يوحنا18: 38 – 40). لفظ بيلاطس بتهكُّمٍ عبارة "ملِك اليهود". فصاح اليهود: أطلِق لنا بَرأبّا الذي كان مُجرماً ولصاً.
 

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*