الرئيسية / المقالات / المسيح رجاؤنا

المسيح رجاؤنا

+المطران رمزي كرمو


الى القراء الكرام
سلام الرب يسوع معكم ونعمته ترافقكم

يطيب لي ان اشارككم هذا التأمل عن "فضيلة الرجاء المسيحي" على ضوء تعاليم الكتاب المقدس ونحن نعيش منذ سنوات عديدة احداثا مؤلمة جدا يمكنها ان تقودنا الى اليأس والاحباط والكآبة.

يشكل الرجاء مع المحبة والايمان الفضائل المسيحية الثلاث الكبرى والتي تدعى الفضائل الالهية لان مصدرها هو الله ذاته والتي يجب ان تزين حياة كل واحد منا وان تتلألأ فيها كالنور المشع. يقول بولس الرسول في رسالته الاولى الى مسيحيي قورنتس " فالآن تبقى هذه الامور الثلاثة، الايمان والرجاء والمحبة ولكن اعظمهما المحبة" ) فصل 13 آية 13 (.

الرجاء المسيحي فهو كالمحبة والايمان عطية مجانية يهبها الله لنا لكي لا نياُس ولا نقطع الامل بسبب الصعوبات والتحديات التي نجابهها خلال حياتنا الارضية. يسوع المسيح الذي مات وقام هو الأساس القوي والمتين الذي يرتكز عليه رجاؤنا، في ليلة ميلاده العجائبي انشد الملائكة قائلين: "المجد لله في العلى وعلى الارض السلام والرجاء للناس ذوي الأرادة الصالحة ". ) لوقا 2 / 4 (. لنشكر الله على نعمة الرجاء التي وهبها لنا بواسطة ابنه الحبيب ربنا والهنا يسوع المسيح.

الرجاء المسيحي هو مصدر خبرة روحانية عميقة وينبوع نعم غزيرة تعطينا القوة والشجاعة لنشهد شهادة حسنة امام الشعوب التي نشاطرها الحياة حتى وان تطلبت هذه الشهادة الصعوبات والشدائد والآلام والموت لأجل اسم يسوع المخلص. لنسمع ما يقوله لنا بولس الرسول في هذا المضمار: "ونفتخر بالرجاء لمجد الله لا بل نفتخر بشدائدنا نفسها لعلمنا ان الشدة تلد الثبات والثبات يلد فضيلة الأختبارو فضيلة الأختبار تلد الرجاء والرجاء لا يخيب صاحبه لأن محبة الله افيضت في قلوبنا بالروح القدس الذي وهب لنا" ) رومة 5 / 2 – 5 (. نقراُ في كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي ما يلي حول فضيلة الرجاء: "الرجاء هو القدرة التي بها نتوق بشدة وعلى الدوام الى الهدف الذي نحن موجودون على الأرض من اجله، اي ان نخدم الله ونمجده، والى ما تقوم به سعادتنا اي ان نجد في الله امتلاءنا والى حيث نلقى وطننا النهائي في الله".

الرجاء المسيحي يعطينا القوة والنعمة على ان نثق ثقة كاملة ومطلقة بما وعدنا به الله بواسطة الأنبياء وخاصة بواسطة ابنه الحبيب يسوع المسيح، وبناء عليه تدعونا فضيلة الرجاء الى ان نبحث بشوق كبير وارادة ثابتة وفرح عميق عما لا يرى ويشاهد بالعين المجردة وهذا يعني ان الأنسان المسيحي لا يستطيع ان يرضي نفسه بالعالم المادي والمنظور والمتجه نحو الزوال بل يتوق من اعماق قلبه الى رؤية الله وجها لوجه وهذه الرؤية ستكون مصدر سعادته الأبدية واللامتناهية. لنسمع الى ما يقوله بولس الرسول بهذا الخصوص: " واذا كان رجاؤنا في المسيح مقصورا على هذه الحياة فنحن اتعس الناس اجمعين". اما في رسالته الى اهل رومة هذا ما يقوله رسول الأمم عن الرجاء الذي هو انتظاران نشاهد ما نرجوه: " لأننا في الرجاء نلنا الخلاص فاُذا شوهد ما يرجى لم يكن رجاء وما يشاهده المرء كيف يرجوه ايضا؟ ولكن اذا كنا نرجو ما لا نشاهده فبالثبات ننتظره". ) 8 / 24 – 25 (. ولنصغ ايضا الى القديس اوغسطين الكبير الذي عاش في القرن الخامس معبرا عن خبرته الشخصية بعد ان امضى فترة من حياته في ارضاء شهواته الجسدية وطموحاته الدنيوية بعيدا عن الله قائلا: " يا الهي لقد خلقتني لك ولا شيئ يرضيني سواك".

كيف ينمو ويتقوى الرجاء المسيحي: اذا نقرأ بدقة وامعان رواية تلميذي عماوص كما رواها لنا القديس لوقا في أنجيله، سوف نكتشف أن هناك مصدرين او ينبوعين اساسيين لتنمية الرجاء المسيحي وتقويته. يكشف لنا لوقا في هذه الرواية كيف يهدي يسوع هذين التلميذين الى الرجاء بعدما فقداه على اثر حادثة الصليب التي انتهت بموته. الينبوع الأول الذي يستقي منه يسوع هو الكتاب المقدس أي كلام الله الحي. يقول نص الأنجيل:" وبينما هما يتحدثان ويتبادلان اذا يسوع يدنو منهما وأخذ يسير معهما لكن اعينهما حجبت عن معرفته. وعندما سألهما عن الموضوع الذي يتحدثان فيه أجابه احدهما وأسمه قليوفا: ان حديثنا يدور حول يسوع الناصري الذي كان نبيا مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كله، كيف اسلمه عظماء كهنتنا ورؤساؤنا ليحكم عليه بالموت و كيف صلبوه. وكنا نحن نرجو انه هوالذي سيفتدي اسرائيل. ومع ذلك كله فهذا هو اليوم الثالث منذ ان جرت تلك الأمور…… فقال لهم يسوع: يا قليلي الأيمان وبطيئي القلب عن الأيمان بكل ما تكلم به الأنبياء. أما كان يجب على المسيح ان يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده. فبدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسر لهما في جميع الكتب ما يختص به". نرى ان الأسلوب الذي أتبعه يسوع ليكشف سر قيامته المجيدة الى تلميذي عماوص لأعادة الرجاء اليهما يشير الى اهمية العودة الى كلام الله والتعمق فيه للتغلب على تجربة اليأس والكآبة والأحباط والتي ممكن ان تقود الى الأنتحار. الرجاء الذي يستقي من كلام الله ويرتوي منه يعطي للحياة معناها الحقيقي والصحيح ويتحول الى مصدر فرح وسلام لا تستطيع اية قوة في العالم ان تحرمنا منه. الرجاء المسيحي يجعلنا ان نبني بيتنا على صخرة الأيمان بكلام الله وهكذا نستطيع ان نصمد امام كل الأخطار التي من شأنها ان تهدد حياتنا بالأنحراف والضياع في عالم تخيم عليه الثقافة العلمانية المادية الخالية من القيم الروحية والأخلاقية والتي تجعل من الأنسان عبدا لشهوات جسده وأسير رغباته الدنيوية. لنسمع الى ما يقوله لنا يسوع:" من يسمع كلامي ويعمل به يشبه رجلا عاقلا بنى بيته على الصخرة فنزل المطر وسالت الأودية و عصفت الرياح فثارت على ذلك البيت فلم يسقط لأن اساسه كان على الصخرة. ومن يسمع كلامي ولا يعمل به يشبه رجلا جاهلا بنى بيته على الرمل. فنزل المطر وسالت الأودية وعصفت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه شديدا". )أنجيل متى 7 / 24-26(. نستنتج مما سبق بأن فضيلة الرجاء التي هي احدى مواهب الروح القدس الأساسية بحاجة ماسة الى أن تتجذر في كلام الله الحي لكي لا تفقد حيويتها وطراوتها وتكون دائما جاهزة للأجابة على الذين يسألونها عن سر نجاحها وموفقيتها.
أما الينبوع الثاني الذي استقى منه يسوع ليهدي التلميذين الكئيبين الى فرح الرجاء فنجده في العمل الذي قام به حينما دخل بيتهما وجلس على مائدتهما. لنستمر في قراءة الأنجيل المقدس: " ولما اقتربوا من القرية التي يقصدانها، تظاهر أنه ماض ألى مكان أبعد، فألحا عليه قالا: أمكث معنا، فقد حان المساء ومال النهار. فدخل ليمكث معهما، ولما جلس معهما للطعام، أخذ الخبز وبارك ثم كسره وناولهما. فأنفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما. فقال أحدهما للآخر: أما كان قلبنا متقدا في صدرنا حين كان يحدثنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟ و قاما في تلك الساعة نفسها ورجعا الى اورشليم. فوجدا الأحد عشر والذين معهم مجتمعين، وكانوا يقولون أن الرب قام حقا و تراءى لسمعان، فرويا ما حدث في الطريق و كيف عرفاه عند كسر الخبز". )لوقا 24/ 13ـ 35(.
عبارة " كسر الخبز" التي جاءت في هذا النص تذكرنا بما فعله ربنا ومخلصنا يسوع المسيح يوم خميس الفصح في الليلة التي أسلم فيها حينما احتفل بالعشاء السري مع تلاميذه. لنستمع الى ما يقوله الأنجيل بهذا الخصوص: " وبينما هم يأكلون أخذ يسوع خبزا وبارك ثم كسره وناوله تلاميذه وقال: خذوا فکلوا هذا هو جسدي. ثم اخذ كأسا وشكر وناولهم اياها قائلا: أشربوا منها كلكم فهذا هو دمي، دم العهد الجديد يراق من أجل جماعة الناس لغفران الخطايا". )متى 26/26-28(.
امنا ومعلمتنا الكنيسة المقدسة تعلمنا بأن سيدنا يسوع المسيح هو الذي أسس سر القربان المقدس يوم خميس الفصح اي سر جسده و دمه المقدسين للتأكيد على حضوره الحقيقي بيننا ليرافقنا خلال مسيرتنا الأرضية الى أن نلقاه في مجد الأب السماوي كما وعدنا بذلك. من المفيد ان نذكر بأن أسرار الكنيسة السبعة هي عبارة عن سبعة علامات حية، حسية ومرئية تشهد على حضور يسوع الحي فينا لكي يقوي رجاءنا ويصوننا من السقوط في تجربة اليأس وقطع الأمل، ولهذا بقدر ما نشترك في هذه الأسرار بأيمان عميق وحب كبير بقدر ذلك نتجذر في الرجاء المسيحاني الذي يجعلنا ان نختبر منذالأن فرح الحياة مع الله الذي نتوق اليه. هذا ما اختبره تلميذي عماوص اذ انفتحت اعينهما حينما كسر يسوع الخبز لهما وناولهما. بهذا العمل الرمزي الذي يشير الى ذبيحة القفربان المقدس ملأ الفرح والرجاء قلبهما ورجعا فورا الى اورشليم ليشهدا أمام بقية الرسل كيف عرفا القائم من بين الأموات حين كسر لهم الخبز.
نستخلص مما سبق بأن لوقا الأنجيلي الذي انفرد بسرد هذه الرواية بصورة مفصلة يريد أن يقول لنا بأن الينبوعين الأساسيين اللذين يرتكز عليهما الرجاء المسيحي هما:
1ـ الأستماع الى كلام الله من خلال قراءة معمقة للكتاب المقدس تلازمها الصلاة
الفردية والجماعية اي الليتورجية والتي تستمد اصالتها ومحتواها من تعاليم الكتاب المقدس وحياة قديسي وشهداء كنيستنا المشرقية الذين شهدوا ليسوع المسيح خلال حياتهم الزمنية وماتوا على رجاء القيامة ونذكرهم يوميا في صلاة الصباح والمساء.
2- المشاركة الفعالة في الأسرار المقدسة خاصة سر القربان المقدس الذي من خلاله نحيي ونعيش تدبير الله الخلاصي الذي تم وتحقق بموت وقيامة ربنا والهنا يسوع المسيح الذي قال: "لا تخافوا اني معكم الى نهاية العالم".
نعم اخوتي واخواتي القراء الأعزاء ان حضور يسوع بيننا الى نهاية العالم يجب ان يكون مصدرا أكيدا لتقوية رجاءنا ولكي نكتشف يوما بعد يوم جمال دعوتنا المسيحية وأهمية رسالتنا في عالم خيمت عليه الحروب واعمال العنف والتي راح ضحيتها العديد من الناس وذلك بسبب ابتعاده عن الله واتباعه لأهوائه ورغباته التي تقوده الى الضياع وفقدان الرجاء، يجب علينا نحن المسيحيين ان نكون كملح الأرض وخميرة في العجين لكي نساهم في انقاذ عالمنا من المأساة التي يعيشها.
مريم العذراء أيقونة الرجاء المسيحي: كمسك الختام أدعوكم أيها الأحبة الى النظر الى امنا القديسة مريم التي أثمرت فيها نعمة فضيلة الرجاء ثمرا جيدا. ان أهم ميزة تميزت بها حياة العذراء مريم هي: ثقتها التامة والمطلقة بقدرة الله على عمل المستحيل لكي يظهر محبته للبشر. نقرأ في أنجيل لوقا ما يلي: " فأجابها الملاك: ان الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تضللك، لذلك يكون المولود قدوسا وابن الله يدعى. وها ان نسيبتك أليصابات قد حبلت هي أيضا بأبن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك التي كانت تدعى عاقرا فما من مستحيل لدى الله. فقالت مريم: أنا أمة للرب فليكن لي بحسب قولك وانصرف الملاك من عندها". ) لوقا 1/35-38(.
جواب مريم للملاك الذي يعبر عن رجاءها وثقتها بكلام الله الحي جعل منها شريكة في عمل الفداء الذي تم بواسطة موت وقيامة ربنا يسوع المسيح. رجاء مريم هو ثمرة ايمانها بقدرة الله على الأيفاء بوعده وأيضا علامة محبتها له. يعرف الأنجيل مريم بالتي كانت تسمع كلام الله وتحفظه في قلبها، بهذه الطريقة كانت مريم تنمو في فضائل الأيمان والرجاء والمحبة. ولهذا تدعونا أمنا الكنيسة الى أن نقتدي بمريم ونتعلم منها الأصغاء الى كلام الله والتغذي به بتواضع كبير لكيما نكون علامة رجاء في عالم فقد الرجاء لأنه يريد أن يعيش من دون الله الذي هو واهب الحياة وهدفها الأخير. أنهي هذه التأمل بسرد جزءا مما يقوله المجمع الفاتيكاني الثاني في دستور عقائدي في الكنيسة تحت عنوان: العذراء مريم أم الله في سر المسيح والكنيسة: " العذراء مريم القديسة هي مثال الكنيسة وصورة لها في نطاق الأيمان والمحبة والأتحاد التام بالمسيح. فالكنيسة هي أيضا أم وبتول. أم تحفظ كلمة الله حفظا أمينا وتضع بواسطة الكرازة والعماد أبناء مولودين من الله بفضل الروح القدس. وبتول تحفظ عهد الزواج وبقوة الروح تحافظ على اكمال الأيمان وتوطيد الرجاء وخلوص المحبة".
ارجو من كافة الذين يقرأون هذه الاسطر ان يصلوا من اجلي لكي اقضي ما تبقى لي من الحياة الزمنية والارضية بالايمان والرجاء والمحبة واعطاء الشهادة حتى النهاية’ مع الشكر.

صلاة: يا مريم أم يسوع أبن الله الحي وأمنا، صلي من أجلنا لكي تثمر فينا نعمة الرجاء ثمرا جيدا كما اثمرت في حياتك، وأن لا نستسلم أبدا لليأس والكآبة والأحباط بل أن نعيش حياتنا الارضية بأتحاد عميق مع يسوع الذي يرافقنا على درب الحياة كما رافق تلميذي عماوص، لكي يجعل منا شهودا يعيدون الفرح والرجاء الى كل الذين لا يعرفونه والمعرضين للسقوط في تجربة قطع الأمل واليأس من الحياة بسبب المصاعب والتحديات التي لا يستطيعون مجابهتها. آمين.

+ أخوكم رمزي گرمو – طهران – 1/7/2017

 

شاهد أيضاً

ثقافة السلام والحوار والتسامح

  د. عمانوئيل سليم حنا  اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية …

تعليق واحد

  1. Dear Bishop Ramzi Garmo,
    Thank you so much for sharing these thoughts with the readers. Yes, indeed Hope is essential virtue in the life of faithful Christian and without this virtue he/she will be lost in this world that is full of uncertainties and ambiguities. I pray to our Lord Jesus Christ and the Holy Mother of God Virgin Mary to grant you all happiness and strength to continue the teaching of the Lord as a bishop and father

    الشماس
    وميض شمعون ادم
    تورنتو ـ كندا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*