الرئيسية / المقالات / آدم آدم أينَ أنتَ؟

آدم آدم أينَ أنتَ؟

الأب سالم ساكا

أوَّلُ زَوجَين في التاريخ:
غريبةٌ قصةِ أوَّلُ زَوجَين في تاريخِ البشرية. يومها لم يكن بَعدُ في الأرض سواهما، "آدم وحوّاء". فبعدَ أنْ جاءَ الربُّ الله بــ "حوّاء" هديَّةً من عندِه، وأعطاها لآدم، لتكونَ زوجةً وعوناً له، ولئلاّ يبقى وحده، تهلَّل آدم فرحاً وسعادةً وهو يُغنّي: "هذه الآن هي عظمٌ من عظامي ولحمٌ من لحمي، هذه تُسمّى إمرأة لأنَّها مِنْ إمرِىءٍ أُخِذَتْ". ولكن ما إنْ عصى كلاهما أمرَ الربّ وتمرَّدا عليه، حتى إنقلبتْ سعادتهما شقاءً، ووئامهما خصاماً ونزاعاً. فراحَ آدم يشكو زوجتَه حوّاء ليُبرِّىء نفسه، وراحتْ حوّاء تشكو الحيَّة لتُبرِّىء نفسها. تماماً كما يحدث اليوم، إذ في حالةِ نشوب خلافاتٍ بين طرفين أو أكثر، يحاول كلُّ طرفٍ أنْ يبحثَ عن طرقٍ وأساليب، ليجد فيها مبرِّرات أفعاله، ملقياً اللوم كلّه على الطرف الآخر. مع ذلك، لقد إختبأ كلاهما، آدم وحواء، من وجهِ الربِّ، وظنّا بأنَّ أوراقَ شجرِ التّين تسترهما وتحميهما عن نظرِه، ولكنَّ الربّ الإله يُنادي آدم قائلاً له: "آدم آدم، أينَ أنتَ؟" (تكوين 2/18-3/24).

 

سؤال الله وجواب الإنسان:
"أينَ أنتَ؟". هذا هو أوَّل سؤال في تاريخ البشرية وأهمّها. وهو السؤال الذي طرحه الله لآدم، ولا يزال يطرحه اليوم، الآن على الإنسان، على كلِّ إنسان، وعليكَ أنتَ أيضاً. فبعدَ أنْ إنفتحت عينا آدم (الإنسان) على شقائِه بالعصيان والتمرُّد والإنفصال عن الله ونكرانه، ماذا تراه يورِّث ذرّيته مَنْ بُلِيَ بشقاءِ الشرّ والخطيئة؟ دون شكّ، سيورِّثها التّعاسة، الشقاء، الحزن، الفراغ، الكآبة، الألم، الخراب والتدمير، الظلم والقتل، الفوضى وعدم الإستقرار، الحقد والكراهيَّة، التَّسلّط والأنانية.
"أينَ أنتَ؟"، نادى الربُّ الله لآدم الذي أجابه: سمعتُ صوتَك في الجنَّة، فخفتُ لأنّي عريان، فأختبأتُ. فقال له الربُّ الله: ومَنْ أَعْلَمَكَ بأنَّك عريان؟ هل أكلتَ من الشجرةِ التي أَمَرْتُكَ أنْ لا تأكلَ منها؟
يلقي يسوع السؤال عينه، لكن بشكلٍ معكوس، على مسمعِ تلاميذِه في قيصرية فيليبس: "مَنْ هو ابن الإنسان في رأي الناس؟" (متى16/13-20). ولا زال يلقيه باستمرارٍ واليوم أيضاً على البشرية جمعاء وعلى كلِّ إنسان بمفرده. فماذا يكون جوابك له؟ مَن هو المسيح بالنسبة لك؟ هل هو أحكم الحكماء؟ هل هو المثال الأعلى والمعلّم الكبير؟ هل هو الثائر الأكبر؟ أم جوابك يتطابق مع جواب بطرس: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ"، "إلى مَنْ نذهب ياربّ وكلام الحياة الأبدية عندك" (يوحنا 6/68).

 

أَنَا أَبٌ، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟
"آدم آدم أينَ أنتَ؟"، على صورتي ومثالي خَلقتُكَ، وبالعقلِ والإرادةِ زَيّنتُكَ، وبالمجدِ والكرامةِ كلَّلتُكَ، وعلى أعمالِ يديَّ سلَّطتُّكَ، وجعلتُ كلَّ شيءٍ تحتَ قدميكَ، وفي النهايةِ، بالبنوّة كرَّمتُكَ، فماذا فعلتَ أنتَ؟ ماذا فعلتَ بهويَّتك؟ ماذا فعلتَ بشخصيَّتك؟ وماذا فعلتَ ببنوَّتك لي؟ ماذا فعلتَ بما خلقت وسلَّمته لك؟ لقد حطَّمتَ كرامتَكَ وشوَّهْتَها بيديك، ومعها شوَّهتَ صورةَ جميعِ خلائقي؛ تَركتَني أنا ينبوع المياه الحيَّة ونقرتَ لنفسِكَ آباراً مُشقَّقة لا تضبط ماءً؛ بحثتَ عنْ مجدِكَ وَنسيتَ تمجيد إسمي الحيّ؛ أسألك، أيُّ سوءٍ وجدتَّ فيَّ حتى تبتعدَ عني وتنكرني؟ أيُّ سوءٍ وجدتَّ فيَّ حتى تعبدَ آلهةً باطلة، شهوة الجسد "المال وحبّ الذات إلى حدّ نكران حقوق الآخر وكرامته"، وشهوة العين "الجنس واللّذات الوقتية" ومجد الحياة "السلطة، الكبرياء وإستعباد الآخر"؟ أنت تعرف جيِّداً بأنَّ الابْنُ يُكْرِمُ أَبَاهُ، وَالْعَبْدُ يُكْرِمُ سَيِّدَهُ. فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟ وَإِنْ كُنْتُ سَيِّدًا، فَأَيْنَ هَيْبَتِي؟ لقد هدّمتَ الثقةَ والمودَّة بيننا، فسقطتَّ من المحبَّة إلى العداوة، ومن الأمانةِ إلى الخيانةِ والنكران. فملعونةٌ الأرض بسببِك… شوكاً وحسكاً تُنبت لك… بعرقِ جبينك تأكل خبزك… أنت تراب، وإلى التراب تعود.


دون الله الإنسان عاري، مع الله كلّ شيء جديد:
أينَ أنت؟ أين عقلك؟ أين كرامتك بعد إنفصالك عني؟ هل إكتشفتَ عريَكَ؟ هل إكتشفتَ بؤسَكَ وتعاسَتَكَ؟ هل عرفتَ أخيراً بأنَّني أنا مقياس الخيرِ والشرِّ ولستَ أنتَ وحساباتِكَ؟ هل إقتنعتَ أنَّ بدوني لا تستطيع أنْ تعملَ شيئاً؟ هل إقتنعتَ أخيراً أنَّ لله وحده يجب السجود، وله وحده تليق العبادة؟ وهل إقتنعتَ بأنَّ أولى الوصايا وأعظمها هي: "تُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ" (لوقا 10/27)، وأنَّك بدون هذه المحبَّة وهذه العلاقة مع ربِّك وإلهِك، لستَ سوى إنسان شقيّ، بائس، مسكين، أعمى، وعريان "ولأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبائِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ. أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ تُبْصِرَ. إِنِّي كُلُّ مَنْ أُحِبُّهُ أُوَبِّخُهُ وَأُؤَدِّبُهُ. فَكُنْ غَيُورًا وَتُبْ" (رؤيا 3/16-19)؟؛ "فأغتسلوا وتطهَّروا وأَزيلوا شرَّ أعمالِكم من أمامِ عينيَّ وكُفّوا عن الإساءة. تَعلَّموا الإحسانَ وأطلبوا العدلَ" (إشعيا 1/16-17). وإنْ أنتَ لمْ ترجع إليَّ بالتّوبة، لنُعيدَ معاً بناءَ جسورِ الصداقة والمحبَّة بيننا، في هذا البُعد العمودي، فأنتَ الخاسر، فأينَ أنتَ؟ عليك أنْ تعلمَ أنّي في إنتظارك دائماً، ومتلهِّف إليك. تعال، أسرع، لا تخاف، لا تنظر الى الوراء، سر إلى الأمام، افتحْ بابَ قلبِكَ ولا تُقسّيه، اصغِ إليَّ واسمع صوتي، فأنا الذي يناديك، أنا الربّ الإله الحيّ على الدوام "ها أنا واقِفٌ على بابِك أدُقّهُ، فإنْ سَمِعتَ صوتي وفَتَحتَ لي البابَ دَخَلتُ إلَيكَ وتَعَشّيتُ مَعَكَ وأنتَ تَتَعَشّى مَعي" (رؤيا 3/20). وإنْ كانتْ خطاياك بلونِ القرمز، فهي تبيَضُّ كالثلجِ. وإنْ كانتْ حمراء غامقة، فهي تصير بيضاء كالصوف (إشعيا 1/18). تذكَّر عهدي معك، وتعالَ تائباً، فسوف أمسح كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عينَيكَ، ولا يبقى موتٌ ولا حزنٌ ولا صراخٌ ولا وجعٌ، لأنَّ الأشياءَ القديمة سأزيلُها كلّها (رؤيا 21/4). بل، سأجعل كلَّ ما فيك جديداً، إنساناً جديداً، خليقةً جديدة، وأنا أكون لكَ إلهاً وأنتَ تكون لي إبناً.

 

 

 

شاهد أيضاً

الأحد الثالث لتقديس الكنيسة: تطهير الهيكل: الكنيسة والمال!

القراءات الأولى من سفر العدد (7: 1-11) تنقل مراسيم تدشين خيمة العهد وتقديم القرابين. والثانية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*