الرئيسية / المقالات / انتشار البروتستانتية في العراق مابعد 2003 – الحلقة الثالثة

انتشار البروتستانتية في العراق مابعد 2003 – الحلقة الثالثة

عزمي البير

تناولت في الحلقتين السابقتين بدايات وتاسيس البروتستانتية والاسباب التي تاسست بسببها، وبداية التبشير والانتشار في شمال العراق ولواء الموصل، وفي هذه الحلقة ساتناول التبشير والانتشار في وسط وجنوب العراق. في اواخر القرن التاسع عشر كانت ارساليات المبشرين البروتستانت العاملة في شمال العراق والموصل امريكية تتبع النظام أو الاسلوب المشيخاني، وبدأت تنمو تارة وتنتكس تارة أخرى بشكل بطيء جدا، بينما في بغداد بدأ عمل مغاير لما في الشمال كون الارساليات التبشيرية ارسلت إلى بغداد من قبل الكنيسة الانكلكانية، حيث ابتدأ العمل الانجيلي في بغداد في نهاية عام 1829 بوصول المبشر ((انتوني كروفز))، حيث حقق هذا المبشر نجاح ملحوضا إذ قام بافتتاح مدرسة للارمن مستهدفا تلك الطائفة وقام أيضا بعلاجهم من أمراض الاسنان والعيون دون ان يتعرض إلى أي مقاومة من قبل السلطات الرسمية، ولكن مثلما حقق نجاح ملحوضا، انتكس وانقلب الدهر عليه وذهب ماعمل ادراج الريح بسبب تعرض سكان مدينة بغداد إلى مرض الطاعون عام 1831 بشكل رهيب وقضى على ثلثي سكان مدينة بغداد ومن ضمن الذين اصيبوا بهذا الوباء زوجة كروفر وابنه وعدد من المبشرين ولهذه الاسباب تم غلق مركز التبشير ومغادرة بغداد. ولفترة ليست بالقليلة وحتى عام 1844 خلت بغداد من المبشرين البروتستانت، وبعد هذا التاريخ تحديدا وصل إلى بغداد أحد المبشرين المرسل من قبل جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود، حيث افتتح معهدا في بغداد لتلقين اليهود مبادئ المذهب البروتستانتي، حيث انشأت مكتبة ومطبعة ومصلى ولكن على الرغم من العمل المتواصل لمدة العقدين من الزمن فان الذين تم تحويلهم إلى البروتستانتية لم يتجاوز عدد اصابع اليد. استمرت العديد من الارساليات التبشيرية، تقصد مدينة بغداد، وتقوم بفتح العديد من المدارس والمستشفيات والمكتبات ومن أشهر تلك المدارس ((المكتب البروتستانتي)) درست الانكليزية والعربية والعلوم الاخرى، وخرجت العديد من الشخصيات المرموقة في ذلك الوقت وبلغ عدد طلابها إلى 120 طالبا حتى اغلاقها عام 1915 وجميعهم من البروتستانت. لقد واجه عمل العمل التبشيري في العراق مشاكل اقتصادية وسياسية جسيمة وتغييرات اجتماعية وثقافية اثر على عملها من خلال خططها وفعالياتها وخصوصا بين عامي (1929 – 1933) التي ادت إلى انخفاض الدعم المادي كانما اليوم اشبه بالامس حين تعرض العمل التبشيري إلى هزة قوية بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، وتاثرت برامجها بتاثير بالغ، وفي عام 1933 قام الاثوريين بعصيان، والذي وضع أعضاء اللجان التبشيرية في وضع حرج واضافة إلى ذلك تنامى الشعور القومي للاثوريين بعد اندلاع الحرب الكونية الثانية وقيام ثورة مايس 1941، وتموز 1958، وتموز 1968 حيث اتجهت الادلجة إلى اتجاه مغاير وهو القومي والثوري وخصوصا الماركسي وضعف في الفكر الروحي والديني ولوحظ فتور العراقيين تجاه المبشرين. كانوا البروتستانت يؤدون الفرائض الدينية في بغداد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث اسسوا كنيسة سانت جورج الانكلكانية في الباب الشرقي ولاسباب عمرانية، قامت الطائفة باداء الصلاة امام دور سكناهم أو في جميعية الشبان المسيحيين إلى ان تسنى لهم بناء كنيسة في السنك في عام 1930، وبسبب تهديم تلك الكنيسة لاسباب تنظيم شوارع بغداد قامت الحكومة باهداء قطعة ارض في بارك السعدون حيث شيد عليها كنيسة ضخمة جدا وملحق معها مركز صحي وثقافي ومرفقات أخرى وقد تم افتتاحها عام 1954 وتسلم شؤون الطائفة القس المصري حليم توفيق إلى عام 1995 وباشراف مجلس الطائفة المنتخب. اما في البصرة فقد بدأ التبشير تحديدا عام 1891 حيث أسس المبشرون البروتستانت مركزا للتبشير ومنه انطلقوا إلى المدن الاخرى، حيث اسسوا مراكزا للتبشير في كل من العمارة والناصرية وامتدت أيضا إلى الكويت والبحرين ومسقط وقطر، واستطاعت ان تعمل هذه المراكز حتى عام 1962 تحت اسم ((الارسالية العربية))، وكل المعتاد لم يستطيع هؤلاء العمل بسهولة حيث لاقوا مقاومة وصد شديد من قبل الاهالي، بل مقاومة عنيفة من قبل السلطات التركية ولكن عند تغيير السلطة عام 1908 تحسنت أوضاع الجماعات التبشيرية واخذت نشاطاتهم تزدهر واعدادهم تتنامى، وفي نفس الاسلوب في التبشير من خلال بناء دور العبادة وتقديم الخدمات الطبية والتعليمية ببناء المدارس والمستشفيات والترويج الثقافي من خلال إقامة الندوات والمهرجانات الثقافية، وفي اواخر القرن التاسع عشر استخدم المبشرون عدد من الأشخاص الذين يجيدون العربية لمساعدتهم على القيام بمهامهم، للترويج وبيع الكتب وفتح المكتبات وأيضا الاستثمار في جميع القطاعات الاخرى وخصوصا الخدمية من البروتستانت النازحين إلى البصرة من الموصل ومديات وماردين وديار بكر، فبهؤلاء ومن كسبوا معهم تشكلت كنيسة البصرة الاولى، حيث شيدت كنيسة خاصة بها في سنة 1931 وتحديدا في منطقة العشار / العزيزية تحت اسم الكنيسة البروتستانتية الوطنية وعهدت إلى الاسقف كرمبيت بالخدمة واخر الذين خدموا في هذه الكنيسة القس المصري نصيف برهوم وعائلته حتى عام 1984 وكان يقدر عدد أبناء الطائفة 120 عائلة وبسبب الحرب العراقية الايرانية تعرضت هذه الكنيسة إلى القصف المدفعي عدة مرات ونزوح العوائل المسيحية من البصرة عموما إلى المحافظات الامنة، اندثرت هذه الكنيسة وبالتالي اصبحت المنطقة تجارية لايصلح موقعا ككنيسة هدمت وبيعت، وبنيت كنيسة أخرى في منطقة ذو اغلبية مسيحية لاستهدافهم لكسبهم في منطقة الخورة شارع 14 تموز إلى يومنا هذا، حيث كانت الكنيسة القديمة ملتصقة في الدار التي كنت ساكنا فيها. اما كنيسة الاندفنست للسبتيين فقد تاسست عام 1966 في منطقة المناوي باشا خلف بيت المحافظ المحاذي لشط العرب (الكورنيش)، على نفس طراز كنيسة السبتيين في بغداد ساحة الاندلس، وهنا استذكرمعكم قصة حدثت تحديدا عام 1969: بعد ثورة تموز 1968، بدأت معها حملات الاعتقالات والاعدامات على اختلاف القوى السياسية والتابعين للدول المناهضة لتلك الثورة ومن بين تلك الحملات، روج عناصر النظام آنذاك إلى الكشف عن شبكة تجسس في كنيسة السبتيين، وحسب ما اتذكر من القصة وكنت وقتها لم اتجاوز الخمسة سنوات. ان سفينة تجارية سوفيتية مارة من شط العرب ذاهبة إلى ميناء المعقل وعند مرورها من جانب الكنيسة أي مقابل بيت المحافظ اكتشفت رادارات السفينة اتصالًا لاسلكيا مع الجانب الإيراني، وتحديدا منطقة عبادان، وتم إبلاغ الحكومة العراقية بهذا الأمر وعلى اثره تم اكتشاف شبكة للتجسس تابعة لاسرائيل، وبعد التحقيق تم الكشف عن ملابسات المؤامرة حيث تم تاسيس معسكر في عبادان لارسال الشباب اليهودي كي يتدربوا، على أيدي عملاء إسرائيليين على استعمال الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية والمتفجرات بغرض القيام بعمليات تخريبية كنسف الجسور، والاتصال الاسلكي مع إسرائيل، وكان يترأس هذه الجماعة التاجر اليهودي عزرا ناجي زلخة، وبمساعدة البرت حبيب توماس، وصدر على اثرها احكام الإعدام بحق أكثر من 30 شخص ومن مختلف الديانات حيث اعدم اغلبهم في ساحة التحرير في بغداد واربعة منهم في ساحة أم البروم في البصرة واذكر الاربعة، عزرا ناجي زلخة وزكي زيتو كان أيضا تاجر أجهزة كهربائية وداؤد حسقيل دلال كان عمره 16 عام وداؤد غالي وجمال صبيح الحكيم من قبل محكمة الثورة، وعلى اثرها غلقت هذه الكنيسة إلى يومنا هذا.

 

شاهد أيضاً

التطويبة الثالثة “طوبى للحزانى فإنهم يُعزّون”

المطران بشار وردة نقرأ في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: "إن التطويبات هي في القلب من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*