الرئيسية / المقالات / قائين قائين أينَ أنتَ؟

قائين قائين أينَ أنتَ؟

الاب سالم ساكا

قائين وهابيل، كانا الأخَوَين الوَحيدين في العالم، والأرض كلّها لهما عربون فرحٍ وسعادة. ولكن فيروس الشرّ وجراثيمه كانت قد تسرَّبت إليهما من والدَيْهما (آدم وحوّاء).
قالَ قائين، وهو الأخ الأكبر، قال لأخيه هابيل وهو الأصغر: "لنخرجَ إلى الحقلِ"، كلُ واحدٍ منهما إلى عمله. خرج قائين لأعمالِه في الفلاحة، كونه فلاّح، وخرج هابيل لرعاية قطعانه، كونه راعي ماشية. وهناك في الحقولِ البعيدة والواسعة، وبعيداً عن كلِّ ناظرٍ ورقيب، وَثَبَ قائين على أخيه هابيل فقتله، تماماً كما يثب الأسد على فريستِه. فقال الربّ الإله لقائين: أينَ أخوكَ هابيل؟ قال: لا أعلم، وهل أنا حارس لأخي؟ (تكوين 4/1-12).
أينَ أخوكَ؟ هو السؤال الثاني الذي يوجِّهه الله للإنسان، وقيمته لا تقلّ عن قيمة السؤال الأول: "آدم آدم، أينَ أنتَ؟. فالسؤالان، الأوَّل: آدم آدم، أينَ أنتَ؟ والثاني، قائين قائين، أينَ أخوك؟ هما أوّل سؤالَين وجَّههما الربُّ الإله للإنسانِ منذ فجر الخليقة، ولا زال يوجِّههما اليوم لأبناء عصرنا، وإلى لكلِّ واحد منّا.

 

أحارسٌ أنا لأخي؟
    "أينَ أخوك؟" قالَ الربُّ الإله لقائين. وكانَ الجواب: لا أعلم. أحارسٌ أنا لأخي؟ فقالَ له الربّ الإله: ماذا فعلتَ؟ ماذا فعلتَ يا قائين؟ أخوك هابيل، أخوك من دمِكَ ولحمِكَ، بيدِكَ تغتاله، بيدِكَ تقتله وتسفك دمه؟ ماذا فعلتَ به يا قائين؟ أينَ قلبك؟ أينَ شعورك الأخويّ؟ أينَ ضميرك؟ هل أنتَ إنسانٌ أم وحش؟ هل أنت إنسانٌ أم حيوان مفترس؟؟ ومع ذلك، تنكر، تتبرّأ، وتكذب؟ وتقول: لا أعلم!!! ها إنَّ دمَ أخيك هابيل يصرخ إليَّ من الأرضِ وأنتَ تقول لا أعلم! وتضيف بكلِّ وقاحةٍ: "أحارسٌ أنا لأخي؟". إنَّها جريمةٌ عظمى يا قائين، ولا توازيها جريمة أخرى في بشاعتها ووقاحتها. يا ليتَ كان لأخيكَ هابيل حرسٌ يحميه منك، يحميه من شراستِكَ وعنجهيَّتك يا قائين. يا ليتَ كان لأخيكَ هابيل مُنقذٌ يُنجّيه من قساوةِ قلبِكَ يا قائين قبل أنْ ترتكبَ جريمتَكَ النكراء.

قائين قائين، ماذا فعلتَ بأخيكَ هابيل؟
فالآن ملعونٌ أنتَ من الأرض التي فتحَتْ فاها لتقبلَ دمَ أخيكَ من يدِكَ. ألا تعلم يا قائين أنَّ "الله محبَّة" (1يوحنا 4/8)، وأنَّ وصيَّته الأولى والأكبر هي: "أَحْبِبْ الربَّ إلهك بكلِّ قلبك… وقريبَك كنفسِكَ" (لوقا 10/27)؟ ألا تعلم يا قائين، أنَّ محبَّة الله ومحبَّة القريب وصيَّة واحدة، وبالأهميَّة نفسها: الأولى، العمودية، تعانق الثانية، الأفقية، لتُعبِّر عن أروعِ تجسُّد للمحبّة في الصليب.

 

وأنتَ أينَ أخوك؟
أينَ أخوكَ؟ هذا السؤال موجَّه اليوم إلى كلِّ إنسان، إلى كلِّ واحد منّا، وإليك شخصيّاً. وهل تجيب كما كان جواب قائين: "لا أعلم"؟ نعم، قد لا تكونَ قتلتَ أخاك بسفكِ دمِه، علماً أنَّ هناك مَنْ يسفكون دمَ أخوتِهم كلّ يوم بالعشرات، بالمئات، بالآلافات. ولكن بكَم رصاصة نار، خنجر، سكين، ومسمار قد تكون طعنتَ نفسه، قلبه ومشاعره، كرامته، حريَّته وسمعته. وليس أقلّها إيلاماً: إهمال أخيك، تهميشه، إزدراؤه وإحتقاره، اللإصغاء إليه، واللاتحسُّس لمشاعره… هل تعرف قصة الرجل الغني ولعازر الفقير (لوقا 16/19-31)؟ أتمنى أن تقرأها، لكن بتمهّل وتمعّن. وقد تسأل مثل عالم الشريعة: ومَنْ هو قريبي؟ ومَنْ هو أخي؟ وللأجابة، أحيلك مرة أخرى وأدعوكَ الى قراءة نصّ إنجيل (لوقا 10/30-37)، مثل السامريّ الصالح. تأمَّل جيداً في هذا المثل، ستعرف مَن هو قريبك، ومَنْ هو أخاك.

 

أخٌّ لكلِّ إنسان:
مَن هو أخي؟ مَنْ هو قريبي؟ دون شكّ هو كلّ إنسان، بلا إستثناء أيّ أحد، وفي كلّ مكان، وبلا حدود: "سمعتم أنَّه قيل: أحبب قريبَك وابغض عدوّك". أمّا أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم، أحسِنوا إلى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم، صلّوا لأجلِ الذين يضطهدونكم… كونوا كاملين… كونوا رحماء كما أنَّ أباكم السماوي هو رحيم" (لوقا 6/27-36). إنَّها دعوة الله لنا إلى التشبُّه في كماله ورحمته وليس التشبُّه بقائين قاتل أخيه. لذا فكلّ إستثناء أو إستبعاد، أو إقصاء، أو تهميش من شموليَّة القربة والأخوَّة، على إعتبارٍ عرقي أو قومي، ديني أو مذهبي أو طائفي، فكري أو عقائدي، سياسي أو أيّ إنتماء آخر، كلّ إستبعاد لأيِّ إنسان من هذه الشموليَّة، هو سقوط من الإنسانية وفشلها، لأنَّ كلّ إنسان، مهما كان هو قريبي وأخي.
عالمنا اليوم، عصرنا اليوم تتصارع فيه العنصريات على أنواعِها، السياسية والقومية، ولا سيما الدينيَّة منها والمذهبية، ومع شديد الأسف، أنَّ كلّها تدّعي الغيرة لله والدفاع عن إسمه، وبإسمه يَقتُل الإنسان، يَضطهِدْ، يُهمِّش، يُكفِّر، يُقصي، يسرق، يظلم، يحتقر، يزدري، يُهجِّر، يغتصب، ويستعبد أخاه، تماماً مثل ما فعل قائين بأخيه هابيل. هذا وإنَّ أساليب وأشكال التعرّض للكرامة الإنسانية اليوم، لا حصر لها ولا عدّ. ماديَّة ومعنويَّة. ولعلَّ أقساها وأخطرها على الإنسان، هذه الأخيرة، كنبذِه، وتهميشِه، والإستخفاف بكرامتِه، والإستعلاء عليه، وإذلالِه.
ما أحوجنا اليوم أنْ نسمعَ كلام الله: "إنْ قالَ أحدٌ إنّي أحبّ الله، وهو يبغض، يحتقر، يضطهد، يسرق، ويقتل أخاه فهو كاذب، لأنَّ مَنْ لا يحبّ أخاه، الذي يراه، كيف يستطيع أنْ يحبَّ الله، الذي لا يراه" (1يوحنا 4/20).
في نهايةِ الحوار، أجابَ يسوع لسائلِه الذي كان عالماً من علماء الشريعة، والحائر الباحث عن الطريق الذي يؤدّي إلى الحياةِ الأبدية، أجابَه قائلاً: "إذهبْ أنتَ أيضاً وإفعل كذلك" (لوقا 10/37). يومها أعلن الربّ يسوع له ومن خلاله للعالم كلّه، ولا زال يعلنها اليوم لنا أيضاً: أنَّ كلّ إنسان هو قريبي وأخي، ولا يجب أنْ نحسبَ أحداً ما عدواً، أو غريباً، أو  كافراً، أو فائضاً ولا حاجة لنا به.

 

 

شاهد أيضاً

الجزء الثاني: لقاء يسوع واتباعه

الجزء الثاني: لقاء يسوع واتباعه الشماس سمير يوسف كاكوز يسوع التقى الكثير من عامة الناس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*