الرئيسية / المقالات / التنشئة الكهنوتيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثاني

التنشئة الكهنوتيَّة حسب مجموعة قوانين الكنائس الشرقية – الجزء الثاني

الاب سالم ساكا

4- التنشئة الرعويَّة للرعاة:
تتضمّن تنشئة أو تكوين رعاة مستقبل الكنيسة وخدّام رسالتها من الناحية الرعويَّة، تدريبهم على أساليب القيام بالأنشطة الرعوية والفعاليّات الأخرى ذات العلاقة بالجانب الرعوي، حتى يصيروا رعاة وخدّام مثاليين في رعاية المؤمنين، على مثال الربّ يسوع المعلّم والكاهن والراعي الصالح. لذا يجب أنْ يأخذوا هذا الجانب من التنشئة، الجانب الرعوي، وغاية العمل الرعوي، والأهداف المنشودة منه، وكيفيَّة إستمرار حيويَّة الكنيسة في عين الاعتبار: "العمل الرعوي غايته الطبيعيَّة إنعاش الكنيسة التي هي، في جوهرها "سرّ" و"شركة" ورسالة. ومن ثمّ فالتنشئة الرعوية عليها أنْ تراعي هذه الاعتبارات في ممارسة الخدمة" (أعطيكم رعاة، العدد/59).
مع ذلك، يجب أنْ تشملَ التنشئة الرعويَّة أيضاً دراسة العلوم النظرية، اللاهوتيَّة والإنسانيَّة. لكن خاصّة تلك التي تتعلّق باللاهوت الرعوي، بهدف أنْ يكونَ رعاة الغد أكثر كفاءةً وقدرةً ومهارةً، ويزداد وعيهم، وينضج فكرهم، ويتعمَّقوا في فهم سرّ التدبير الإلهيّ للخلاص، وسرّ الكنيسة وعملها. بجانب هذه الدراسة، لا يمكن إهمال التدريب العملي والممارسة الفعليَّة للعمل الرعوي، وذلك من خلال المشاركة في الأنشطة الرسوليَّة والخدمات الكنسيّة بالرعيَّة، حتى يكتسب رعاة وخدّام المستقبل الخبرة والمهارة العملية في الميدان الرعوي.
لكي لا تبقى إذن التنشئة الرعوية لرعاة الغد أو خدّام المستقبل، تعليماً نظرياً وحسب، بل أنْ تتجاوزَ الى الممارسة الفعليَّة، يفرض المشرِّع الأعلى للكنيسة الكاثوليكية، أنْ تُجرى أيضاً تدريبات على أساليبِ العمل والخدمة الرعوية، وإلى تمارين وإختبارات لتقوية هذا الجانب من التنشئة الكهنوتيَّة. ومن بين هذه التمارين يؤكِّد المشرِّع الأعلى للكنيسة الكاثوليكية في مجموعة قوانين الكنسية الشرقية الكاثوليكية على الخدمة الإجتماعيّة، الخدمة الخيرية، التعليم الديني، وذلك أثناء السنة الدراسيَّة وفي أثناء العطل أيضاً. لكن وبنوعٍ خاصّ يُحرّض المشرِّع في المجموعة القانونية على التمرين الرعوي أثناء سنوات الدراسة الفلسفيَّة واللاهوتيَّة وأيضاً على تمرين الشمّاسيَّة الإنجيليَّة قبل الرسامة الكهنوتيَّة: "يجب أنْ تُنظَّمَ، وفقاً للشرع الخاصّ، تمارين وإختبارات تُساعد على توطيدِ التكوين لا سيما الرعوي، كالخدمة الاجتماعيَّة أو الخيريَّة والتعليم المسيحي، وبنوعٍ خاصّ دورة رعويَّة في أثناء التكوين الفلسفي- اللاهوتي، ودورة شمّاسيَّة قبل الرسامة الكهنوتية" (القانون/353). أمّا لائحة المواد التي ينبغي أنْ يتضمَّنها برنامج التنشئة الرعوية فهي: فنّ التعليم الديني والوعظ، الاحتفالات الليترجيَّة، إدارة الرعيَّة، التبشير، العمل الرسولي- الاجتماعي، وسائل الاعلام، علم النفس وعلم الاجتماع الرعوي (القانون/352 –البند2).

5- التنشئة الإنسانيَّة للرعاة:
تُعتبر التنشئة الإنسانيَّة والتكوين الثقافي لرعاةِ المستقبل ذو أهميَّة قصوى وبالغة في عصرنا الحديث، فهذه التنشئة، بجانب التنشئة الروحيّة واللاهوتيّة والرعويَّة، تعمل على إكتمالِ نضج الرعاة الديني والثقافي والفكري، وهذا يقودهم إلى الاتّزان النفسي والعاطفي، كما تُساعدهم على التفكيرِ السليم والحكم الراجح، وتُمكّنهم من أخذِ القرارات الحكيمة والصحيحة في الظروف المختلفة والمواقف الصعبة: "يجب التمسُّك بكلِّ دقة بأسُس التربية المسيحيَّة، وتكميلها كما ينبغي بالاكتشافات الحديثة التي يوفّرها علم النفس وعلم التربية السليمين. يجب إذن، بواسطة التربية المنظَّمة بحكمةٍ، تنمية النضج الإنساني اللازم للطلبة، هذا النضج الذي يُبرهن عليه الاستقرار النفسي والقدرة على اتخاذ القرارات المتزنة، والحكم الصائب على الأحداث والناس" (مرسوم في التنشئة الكهنوتية، العدد/11). وهذا ما يشير إليه فعلاً نصّ القانون/344 –البند2، الذي جاء فيه: "عـلى الطـلبة أنْ يَألـفوا، عن طريـق إرشاد روحي مـلائـم، اتّـخـاذ القرارات الشخصيّة والمسؤولة على ضوءِ الإنجيل، ويُهذّبوا ملَكاتهم المختلفة بلا كلَل، من غيرِ إهمال أيّ فضيلة ملائمة للطبيعة الإنسانيّة".
يتضمَّن برنامج التنشئة الإنسانية، دراسة العلوم الإنسانيَّة، والأبحاث الفلسفيَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة، والآداب العامّة، وتاريخ الإنسانيَّة، واللّغات الأجنبية، والموسيقى، والفنّ، ووسائل التعبير الاجتماعي، وعلوم الاقتصاد والتنمية، كما يتضمَّن أيضاً الاطلاع على الأجهزة والأدوات الحديثة، ومعرفة كيفية استعمالها لصالح أعمال الخدمة والرسالة. ولا يخفى على أحدٍ الفوائد الجليلة والكثيرة التي تكتسبها الخدمة الرعوية من دراسةِ وتطبيق هذه العلوم الإنسانيَّة والأدبيَّة، وخاصّة في مجالات الموسيقى والفنّ ووسائل التعبير الاجتماعي والتنمية الفكرية والاقتصادية.
يتحدَّث البابا القديس يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي عن ضرورة التنشئة الإنسانيَّة لرعاة وخدّام المستقبل، وأهميَّتها في إكتساب الصفات الإنسانيَّة اللازمة لتكوين وتحقيق الشخصيَّة المتّزنة، والقوية والحرّة، والقادرة على إتمامِ ما يُطلب منها من خدمات رعويَّة، وأنشطة رسوليَّة، إذ قال قداسته: "على كهنةِ الغد إذن أنْ لا يكتفوا بتحصيلِ ما هو ضروري لتفتح مواهبهم وتحقُق شخصيَّتهم بل عليهم أنْ ينظروا إلى نوعيَّة خدمتهم المستقبلة، فيُقبلوا على اقتناء مجموعة صفات بشرية لابدّ منها لبناء شخصيّات متوازنة قوية وحرّة، قادرة على الاضطلاع بأعباء المسؤوليّات الرعوية. من هنا ضرورة التربية على حبِّ الحقيقة والنـزاهة واحترام كلّ إنسان، وعلى العدالة والوفاء بالوعد والشفقة على الغير، وإمتلاك النفس، وخصوصاً على إتّزان الرأي والتصرّف" (أعطيكم رعاة، العدد/43). ويواصل البابا القديس حديثه، داعياً إلى ضرورة دراسة العلوم الإنسانية والتربوية، لمنفعتها بالنسبة لتكوين الراعي أو الخادم، ودورها في نجاح رسالته الرعوية: "العلوم المعروفة "بالعلوم الإنسانية" لها منفعة أكيدة لفهم الإنسان فهماً أعمق، وللاضطلاع بالمسؤوليّات الرعوية بطريقة واقعيَّة قدر الإمكان. هذه العلوم هي علم الاجتماع وعلم النفس والتربية والعلوم الاقتصادية والسياسيَّة ووسائل الاتصال الاجتماعيَّة. هذه العلوم الإنسانية، في إطار العلوم الموضوعيَّة والوصفية تُساعد كاهن الغد في مواصلة عمل المسيح الذي صار معاصراً لأهل زمانه" (أعطيكم رعاة، العدد/52).

الاكليريكيّات أو المعاهد الخاصّة بتنشئة الرعاة:
إنَّ الواسطة المثلى لبلوغ تنشئة خدّام الكنيسة أو رُعاتها على أكملٍ وجه، هي إنشاء المدارس أو المعاهد الاكليركية ذات الاختصاص ورعايتها. لذلك، من حقّ الكنيسة الخاصّ والواجب عليها أنْ تنشيء مثل هذه المؤسَّسات الخاصّة، مدارس، معاهد أو إكليريكيّات، تعني بتنشئة رعاتها وخدّامها، سواء كانوا في الدرجات الكبرى أو الصغرى. ويجب أنْ يكونَ لهذه المدارس الاكليريكية منهاج خاصّ، وأيضاً نظامها الخاصّ الذي يُحدِّد أولاً غاية الاكليريكية، وصلاحيّاتها السلطات فيها. كما يجب أن تُحدَّد فضلاً عن ذلك، طريقة التعيين أو الانتخاب، مدّة الوظيفة، والحقوق والواجبات والأجر العادل بالنسبة إلى المرشدين والموظّفين والمعلّمين والمستشارين وأسلوب مشاركتهم هم والطلاّب في مهمّة المدير خصوصاً المحافظة على نظام الاكليريكية. كما يجب أنْ يكونَ للاكليريكية دليلٌ خاصّ بها، بحيث يـُنفـّذ به منهج تنشئة الإكليروس وقواعدها، متّفقةً مع الظروف الخاصّة، وكذلك تُحدّد فيه بالمزيد من الدقّة أهمّ نقاط نظام الإكليريكيّة، في ما يخصّ تنشئة الطلبة والحياة اليوميّة وتنظيم الإكليريكية بأسرها. كما يجب أنْ يكونَ في كلِّ إكليريكية مدير ومعاونيه (على الأقلّ معاون واحد) ومدير مالي (مدبِّر) وموظفون آخرون ومنهم:
1- أبٌ روحي واحد على الأقلّ مختلف عن المدير. مع الحفاظ على حقّ الطلاّب الكامل في طلبِ أيّ مُعرِّف آخر حتى لو كان من خارج الاكليريكية، مع مراعاة نظام الاكليريكية (القانون/339 –البند1)؛
2- في حالة أنْ يكونَ منهاج المواد الدراسيَّة يُتبع في الاكليريكية نفسها، يجب أنْ يكونَ عدد مناسب من المعلّمين المختارين جيداً، وأن يكونوا من الحائزين على درجات أكاديميَّة مناسبة (القانون/340 –البند1)؛
3- أخيراً، ومن أجلِ ثبات الاكليريكية وإستقرارها، والاستمرار في تحقيق الهدف التي من أجله أنشِئتْ، ألا وهو تنشئة رعاة الكنيسة وخدّامها، لذلك وإستناداً على ما ورد في نصّ القانون/341 –البند1، على السلطة التي أنشأت الاكليركية أنْ تُعنى بتأمين مصاريفها سواء كان ذلك بالضرائب أو بالتّقادم (القانون/1012 و1014).

يتبع…

 

شاهد أيضاً

رسالة محبة ونخوة إلى إخوتي وأخواتي الأحبة أبناء كنيستنا الكلدانية

  الأب نويل فرمان السناطي   أكتب هذه أول رسالة موجّهة إليكم شخصيا، في ظل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*