الرئيسية / المقالات / ظاهرة الذات وما عداها

ظاهرة الذات وما عداها

من كتاب كيف نتكلم عن الانسان اليوم
للاب لوسيان جميل
وهو كتاب غير مطبوع انتهى مؤلف هذا المقال من تأليفه
في بداية شهر ايلول 2017

مقدمة المقال: عندما يقرأ احدنا اي مقال فلسفي عن الوجودية، سوف يجد هذا القارئ كيف يوجه كاتب المقال قراءه الى ان خلاصة الفلسفة الوجودية تقول: بأن الوجود يسبق الماهية، اي ان وجود الكائن البشري، يسبق تعريف هذا الكائن، على اساس ان التعريف (الماهية) او يأتي بعد الوجود وليس قبله. ومن جهة اخرى يلفت الكاتب نظر القارئ الى ان الانسان يبني نفسه، اي (يبني وجوده) بحرية، او بالأحرى من خلال سلسلة من الخيارات الحرة، دون الرجوع الى اية مرجعية سابقة لوجوده ولخياراته الحياتية، حيث يقول الوجوديون: لا يسبق الحرية غير الحرية، سواء كانت هذه المرجعية ايديولوجية مطلقة، او سلطة مدنية او دينية او غيرها. هذا، وإذا كانت البنيوية تعني البناء او البنيان، فالوجودية لا تنبذ وجود هذا البنيان، لكنها ترى ان هذا البنيان ليس غير حصيلة خيارات حرة يضعها الانسان، لبناء ذاته بحرية. ولذلك ساد القول في الوجودية، بأن الانسان " مشروع " يبنيه الانسان بحريته التي تسبق اي عمل آخر.

البنيوية تحسم الجدل: غير ان البنيوية Structuralisme تحسم الجدل الفلسفي الدائر بين الوجوديين وبين الفلاسفة الذين لا يؤيدون فلسفتهم، ومنهم البنيويون. فالوجودية تعد الانسان مشروعا يبنيه الانسان بنفسه، من خلال اعمال حرة يقوم بها، في حين ترى البنيوية ان الانسان مشروع ايضا، لكن هذا المشروع لا يأتي من الصفر، وإنما يأتي على شكل هيكل ينتظر صاحبه ان يكمل بناءه على ثلاثة اسس رئيسية، منها ما يكون صاحبه قد استلمه من جينات وراثية تحتاج الى ان تتطور وتكتمل. كما يعتمد بناء المشروع على تربية البيئة والمجتمع، لتساهم في اكمال هذا الهيكل. وأخيرا يأتي مجهود الانسان الشخصي، الذي يستغل كل ما وصلت اليه حالة الهيكل، فيضع لمساته، لا اقول الأخيرة، بل المتواصلة، وحتى الممات، في جعل ذلك الهيكل بالصورة التي استطاع صاحبه ان يصل اليها.

رأينا الشخصي: اما رأينا الشخصي، فليس ضد الوجودية Existentialismeبشكل كامل، بل نرى فقط ان الوجودية تبالغ كثيرا عندما تحسب ان الانسان يبني نفسه بنفسه، من خلال اعمال وخيارات حرة يقوم بها. وعليه نقول: افما تقول الوجودية والبنيوية وغيرهما بأن الانسان ظاهرة؟ فكيف يمكن ان يكون الانسان ظاهرة غير معلومة المعاني، ثم يقال انه يختار بناءه بحريته، بشكل كامل؟ ونقول اليست المعرفة اساس اي اختيار، فكيف يختار الانسان افعاله وهو لا يعرف من هو الانسان وكيف يجب ان يكون؟

الانسان ليس لوحا اجرد: فنحن نؤمن بحرية الانسان فعلا، مثلما تؤمن بها الوجودية، وذلك لأن الحرية مصاحبة لكل قوى المعرفة الأخرى. لكننا نعرف ايضا، من خلال علم الحياة La biologie ان الانسان لا يولد لوحا اجرد Tabula Rasa كما يقول بعض الفلاسفة. فعلم الأحياء والبنيوية المبنية على هذا العلم، وعلى غيره، ترينا ان الطفل الذي يولد، ليس مجرد لحم وعظم لكي يضيف اليه الانسان ما يريده بحريته. فالطفل حسب مفهوم البنيوية السائد في كل مناحي حياة الانسان وأبعادها، يأتي وهو مزود بكل القوى والقوانين التي ستعمل على تنمية هذا الطفل، ومنها قوى المعرفة وقوى الارادة. وعليه نقول ان تقدم اي طفل جسديا وروحيا: عقلا وإرادة وحرية وغير ذلك، لا يأتي بشكل عشوائي، بل استنادا الى امكانيات كامنة في هذا الطفل، يعمل المجتمع على اظهارها ومجيئها الى الوجود الفعلي Etre en acte في حين كان هذا الوجود وجودا بالقدرة او بالإمكانية Etre en puissance، كما تقول الفلسفة الأرسطية. ولهذا نقول: ترى الا تدل هذه الحقائق التي تم سردها على وجود الماهية قبل الوجود، وليس عكس ذلك؟

بلغة اخرى: اما بلغة أخرى، تمزج بين الفلسفة وعلم الحياة، فنقول ان الانسان، منذ ان يصير جنينا في بطن امه، يكون هذا الجنين انسانا كاملا بالقدرة En puissance، اي يكون الانسان الكامل " كامنا " في هذا الجنين. وهنا يسرني ان اذكر، اني في يوم من الأيام، ومنذ زمن بعيد جدا، راقبت تطور جنين الدجاجة داخل البيضة، عن طريق مصباح كهربائي موضوع داخل صندوق كارتوني، فيه فتحة صغير في اعلاه، لكي توضع البيضة المراد مراقبتها وفحصها، فوق الثقب الذي منه يأتي ضوء المصباح الى البيضة مباشرة، فيتمكن المراقب من ان يفحص البيضة يوميا وبسهولة، من ثاني يوم وضع البيضة في المفرخة، حتى بضعة ايام ما قبل النقف وخروج صوصي الدجاجة الى الحياة الطبيعية.

ماذا وجدت بعد تلك المعاينة: فماذا وجدت جراء تلك المعاينة يا ترى؟ ان ما وجدته في اليوم الثاني من تاريخ وضع تلك البيضة في المفرخة، هو بقعة صغيرة حمراء، تدل على ان عملية تطور الجنين كانت قد ابتدأت فعلا. اما في اليوم الثالث فرأيت بعض التشعبات الخيطية الحمراء، مما يدل على ان الجنين كان بصحة جيدة وهو يخرج امكانياته الى الوجود الفعلي بالتدريج. ثم ما بعد ذلك كانت قد بدأت الخيوط الحمراء تتشعب حتى ملأت البيضة تقريبا. ثم ازدادت التشعبات يوما بعد آخر، حتى بدأت البيضة تكون اقل شفافية مما كانت في السابق. وأخيرا كانت البيضة قد صارت معتمة تماما، مما يدل على ان الصوصي داخل البيضة كان قد اكتسى باللحم والعظام وبالريش ايضا، مما كان قد جعل البيضة معتمة. ثم بدأ النقف في نهاية اليوم العشرين، واستمر يوما كاملا حتى خرجت جميع افراخ المفرخة، الى الحياة الطبيعية، تأكـل وتشرب، وتنموا يومـا بعد آخر، من حيث حجمها وتطورها نحو الدجاجة الكاملة، وحيث منها ما تكون اناثا ومنها ما تكون ذكورا، يشبه كل صوصي اباه وأمه بنِسَبٍ يعرفها علماء الحياة، ومنهم من يتبع العالم الراهب مندل.

هذا التطور يحدث للإنسان ايضا: غير أن ما حصل لجنين الدجاجة، يحصل بشكل تماثلي لجنين الانسان ايضا، منذ ايام تكوينه الجنيني الأولى وحتى خروجه للحياة انسانا صغيرا، ذكرا كان ام انثى، تكمن فيه كل القوى التي تجعل منه يوما بعد آخر، انسانا اكمل، كونه يوما بعد يوم يخرج قواه الكامنة En puissance الى الوجود الفعلي، حسب البرمجة الجينية التي يستلمها الطفل من والديه، والتي يأتي قسم منها الى الوجود الفعلي، في مرحلة وجوده في الرحم، حتى يخرج من الرحم انسانا سويا، يستطيع ان يُخرج الى الوجود الفعلي، سائر امكاناته الأخرى الكامنة، وعلى جميع المستويات الجسدية (البيولوجية) والروحية والنفسية والتي تتعلق بأشكال المعرفة الانسانية المتنوعة.

بعد مراحل الولادة: من المعروف ان علماء الحياة وعلماء النفس و الأنثروبولوجيون، يقسمون مراحل اكتمال الانسان منذ ولادته وحتى وفاته الى حقب عمرية، بحسب وجهة النظر المراد الكلام عنها. غير اننا في مقالنا هذا، لا نحتاج كثيرا الى ذكر تفاصيل المراحل العمرية والحياتية التي يمر بها الانسان، ولذلك سنكتفي بذكر بعض هذه المراحل المهمة فقط، مع علمنا بأن تطور الأحياء لا يأتي على شكل مراحل وقفزات، وإنما يأتي وفق حركة بطيئة ومستمرة، لإخراج امكانيات الانسان الكثيرة الى حيز الفعل، اي الى حيز التحقيق. اما مسألة المراحل فقد وضعها العلماء، من اجل دراساتهم للإنسان حسب، ولاسيما نحن نعرف ان تسنين الأطفال ليس بعمر واحد لجميع الأطفال، وكذلك سيرهم (مشيتهم)، وبداية تكلمهم، وفيما بعد، حصول فترة المراهقة عندهم، وانتهاء هذه الفترة ودخول الانسان مرحلة الشباب والكهولة والشيخوخة والوفاة. فكل هذه التطورات تسير بحسب قانون عام، ولكن يأتي قانون آخر يخلص فعل التطور من حالة المحدودية، وذلك بتدخل قانون الاحتمـالات الذي يضع نوعـا من الحرية والتنوع في فعل التطور، هذا التطور الذي لا يصل الى الحالة العشوائية ابدا.

سيادة قانون الاحتمالات: ففي الحقيقة ان ما يسود في هذه المسألة هو قانون الاحتمالات العددي، الذي لا يعمل كالقوانين الفيزيائية والكيمائية، وإنما يعمل، في جميع المسائل الثانوية، وفق قانون الصدف والاحتمالات. ففي الحقيقة ليست كل اعمـال الحرية واحدة، وليست كل اعمال العدالة واحدة، ولا كل اعمال المحبة واحدة، الخ.. وإنما هي اعمال تماثلية، Analogiqueفيها ما هو مشترك (روح الأعمال المشار اليها)، وفيها ما هو متعدد ومختلف، لأنه رهن الصدف، ورهن قانون الاحتمالات، الذي يعمل، اكثر ما يعمل، في المجتمعات.

قوانين ثابتة وقوانين متحركة: ومع ذلك فان وجود قوانين ثابتة لقوى الانسان الأنثروبولوجية المشتركة بين كل الناس، زائدا الصدف التي ليست صدف عشوائية، بل صدفا منظمة، فان الطبيعة (العلة الثانية ـ الكون) تحقق ما هو مطلوب منها، ومن القوانين التي تزخر بها. فكل شيء اذن خاضع لبرمجة قانون الاحتمالات الذي لا يخيب ابدا، كما يحدث في صالونات القمار في لاس فيغاس، حيث تكون اجهزة القمار مبرمجة مركزيا، لتعطي النتيجة المطلوبة، دون ان تستطيع ان تقول من يربـح ومن يخسر، الأمر الذي يحدث مع الانسان ايضا، بشكل تماثلي Analogique. علما اننا نادرا ما نجد في الطبيعة برنامجا يؤدي عملا قاطعا، لأن اي عمل قاطع يعني الحتمية التي هي غير مرغوب فيها، ولأنها تناقض حرية الانسان.

الانسان له مركز برمجة ايضا: فالإنسان له مركز برمجة ايضا، اما هذا المركز فليس جهازا اضافيا يعمل البرمجة، لكنه قدرة Faculté تعطى للإنسان، لكي يستطيع ان يخدم حياته الانسانية بالشكل المطلوب، كما ان قدرات اخرى تعطى لكل حيوان، حسب حاجته الحيوانية. اما تفاصيل هذه البرمجة فتقول انها برمجة انثروبولوجية، اتت للإنسان، عندما حصل عنده التحول من حيوان شبيه بالقرد الى انسان، مع وجوب ذكر ان ما حصل عليه الانسان يصاحب حياته، وهو عرضة للتطور، مع تطور عقل الانسان وقدراته الأخرى معه، ومنها قدرة البرمجة المركزية التي تشرف على حياة الانسان المركزية، اي الذات التي توحد كل قوى الانسان، وكل نشاطه الجسدي والروحي، حيث تُشعر الذات انسانها بأنه سيد عالمه وسيد نشاطه، حتى وهو نائم.

للإنسان مركز يوحده: اذن نعم الانسان منظومة انثروبولوجيـة، لها ابعادهـا الكثيرة، والتي لا تحصى، هذا في حين ان الذات هي البعد الروحي، بمعناه الانساني، الذي نسميه ايضا البعد ما وراء المحسوس، او البعد الميتافيزيقي، بحسب المصطلح الفلسفي القادم الينا من فلسفة ارسطو، ومن غيرها من الفلسفات. فهذا البعد الذي يسمى بعد الذات، هو مسئول عن النشاط الجسدي والروحي، اي انه مسئول عن النشاط المعرفي بكل تفاصيله، فضلا عن النشاط الجسدي البيولوجي.

الانسان منظومة متعددة الأبعاد: فالإنسان منظومة متعددة الأبعاد والأنشطة، لكن كل هذه الأبعاد والأنشطة المتعددة تجتمع في الأنا او الذات، حيث تصير الذات خدمة للإنسان، وحيث ان هذه الخدمة تعمل على توحيد جميع انشطة الانسان الجسدية والعقلية والروحية، او تلك الأنشطة التي تعود الى الأمور المقدسة والإلهية. اما عندما نتكلم عن المجتمع فإننا نرى ان للمجتمع ذاته الانسانية ايضا، هذه الذات المماثلة لذات الفرد الانساني، والتي تستمد وجودها ومعناها من الفرد الانساني ومن طبيعته الانسانية. اما ذات الحيوان، فهي ايضا مماثلة لذات الانسان، غير انها ليست ذاتا واعية، الا قليلا جدا. ويقينا ان قوة الذات، مثل كل قوى الانسان، تتعلق بما يستمده الانسان من الجينات، وبما تعمل البيئة على تحقيقه وتقويته، وكذلك بما يعمل الانسان من مجهود في مضمار قواه الروحية، ومنها قوة الذات. فالإنسان انسان، ويملك كثيرا من الحرية، وكثيرا من الخيارات، وليس هو ماكينة محدودة ومحددة النشاط.

اذن من هنا نبدأ كلامنا: اذن من هنا نبدأ كلامنا لكي نتكلم عن ظاهرة " الذات " في الانسان. فما هي الذات اذن؟ وهنا لربما يسأل سائل ويقول: انت تريد ان تكلمنا عن الذات، فلماذا تكلمت بإسهاب عن تطور الانسان البيولوجي، حتى كدنا نفهم ان الانسان هو في حالة سير Marche ou progression وفي حالة تحول وتطور Devenir دائمة. اما جوابي فسيكون على الشكل التالي، حيث اقول: نعم نحن سنتكلم عن الذات وما عداها، وهذا مـا يَعِدُ به عنواننا، لكننا سنحاول ان نتكلم عن موضوع الذات كلاما انثروبولوجيا، قريبا من العلم كثيرا، وقريبا من الفلسفة ايضا، وخاصة فيما يخص علم الحياة، وعلم النفس Psychologieالذي بدأ يغادر المنهجية السلوكية التي هي علم السلوك الانساني، ليتبنى المنهجية البنيوية.

علم النفس وعلم الحياة: اما العلوم التي سنوظفها فهي علم النفس وعلم الحياة، بشكل اخص، حيث سنجد تشابكا وتماثلا بين علم النفس وعلم الحياة. غير اننا سنجد ايضا، نوعا من الاختلاف، ولا نقول التناقض، بين المدرسة السلوكية والمدرسة البنيوية التي تضع ذات الانسان في صدارة حياته، لكي توحد الانسان في جميع نشاطاته. فتركيبة الانسان، مثل كل تركيبة الوجود المادي، هي تركيبة " ذريرية " اي هي تركيبة تصل قريبا جدا ما يمكن ان يسمى مادة الكون الأولى البسيطة التي لا تقبل القسمة مطلقا، حتى وان كانت تقبل الاتحاد مع بعضها، كما يقول الفيلسوف اليوناني القديم برمنيدس. وإذا كانت الشمس منظومة تدور حولها كل كواكبها، فهذا يعني في النهاية وجوب ان يكون لمنظومة الانسان مركز يوحده، تدور وتتعلق به كل ابعاد منظوماته الأخرى، ومنها ابعاد المعرفة، وعلى رأسها جميعا العقل المتخصص بالأمور الموضوعية، والعقل المتخصص بالمشاعر، والوجدان والضمير والعقل الباطن وغيرها. وهكذا نجمع بين وجود مادي وقوانينه، والوجود النفسي وقوانينه، والحقائق الروحية وقوانينها، كما ذكرنا اعلاه حيث نقصد بالحقائق الروحية ابعاد المادة المعروفة، اي الأبعاد المادية الخاصة بالوجود المادي كله، فضلا عن الوجود الروحي، بصفته بعدا من ابعاد الانسان، كما ان الوجود القدسي الالهي ليس سوى وجود انثروبولوجي في اعلى مستوياته، والتي يحتاجها الانسان بشكل انثروبولوجي مطلق.

خدمة الجمع والتوحيد: فالذات اذن هـي الأنا ال Ego التي تدور حولها كـل المجموعة التي تخدم نشاط الانسان وحركته الأساسية، الجسدية والروحية والإلهية. وهكذا يمكن ان تقول ذات الانسان، او الأنا: هذا جسدي، وإذا كانت امرأة تقول: هذا زوجي، ويقول الاثنان: هذا بيتنا وهذه ارضنا، وتقول الجماعة، اي مجموعة من البشر: هذا عالمنا وكوننا، وهذه هي فلسفتنا وهذه هي افكارنا، وهذه هي مشاعرنا الخ… كما يمكن ان يقول الانسان: هذا هو الهي، من وجهة نظر الأنثروبولوجيا، وليس من وجهة نظر الانطولوجيا (الكينونة). علما ان الأنا، والتي تسمى لغويا بـ/ ضمير المتكلم، تصح قاعدته على المفرد وعلى الجمع، وعلى الغائب في حالة ان يكون المتكلم مفردا او جمعا.

تشبيه خاص بنا شخصيا: اما اذا اردنا ان نشبه ذات الانسان فنشبههـا بـ " كرة "، حيث ان كل نقطة فيها تتصل بجميع النقاط الأخرى. حينئذ يمكن ان تمثل الكرة مجتمع البشر، عندما نعرف ان كل ذات فيها تلتقـي مع الذوات الأخرى. اما من ناحية اخرى، فإننـا نرى ان الانسان، لم يجد لحد هذا اليوم، النقطة الموحدة التي تدور في فلكها كل النقاط الأخـرى، مما يعني ان عالم الانسان، لم يعد عالما موحدا بعد، توحدا يكون في مصلحة جميع الذوات الأخرى، في حين اننا قد نجد مجتمعات متعددة قد نجحت في ان تعمل لها نقطة مركزية، تدور في فلكها كل ابعاد ذلك المجتمع.

ادعاء فارغ: ففي الحقيقة، ربما حسب الغرب، والغرب الأمريكي تحديدا، انه يستطيع ان يصنع مثل هذه النقطة المركزية والجامعة لكل المجتمعات، بشكل تعسفي وعدواني، غير انه قد ثبت بالملموس،بأن الغرب، والغرب الأمريكـي تحديدا، لم يستطـع سوى خلق الكراهيـة والفرقة بين الشعوب، حيث صارت الشعوب الضعيفة تكره الشعوب القوية، مما يثبت ان نيات الذين ارادوا ان يصيروا مركزا لكل شعوب العالم، لم تكن نيات سليمة وإنسانية، ولم يبرهن الأقوياء للضعفاء بأن مركزية العالم هي في صالح الشعوب كلها، مما يدل على ان مسئولي الدول العظمى، في زماننا، ليسوا مؤهلين اخلاقيا لقيادة العالم، من اجل ان يأتي الى العالم النظام العالمي الجديد والحقيقي، حيث ان هذا النظام العالمي الجديد، بلغة ايمانية دينية، يسمى ملكوت الله، هذا الملكوت الذي يمكن ان يسمى ملكوت العدل والإخاء البشري، والذي سيأتي الى العالم، عندما سيحل الزمان، شاء اعداء هذا الملكوت ام ابوا.

الذات الفردية والذات الاجتماعية: عندما يتكلم احدنا عن الذات، فان اول ما يأتي على خاطره، هو الكلام عن ذات الفرد، وعن الحالات المتعددة التي توجد فيهـا هذه الذات. وهنا يكون علينا ان لا نخلط بين ذات الانسان وبين شخصه. فالذات والشخص قوتان معرفيتان تخدمان الفرد وسيطرته على عالمه، بقدر الامكان، في حين ان الشخص يعمل على اعطاء فكرة عن الانسان، وعن الذات التي يحملها الانسان. غير اننا قد نفرد مقالا عن الشخص، ان شاء الله. اما الآن فإننا نرى ان نتكلم عن الفرد الانساني، الذي يحمل ذات الانسان، كما يحمل شخصه، عندما يكون الشخص على قيد الحياة، في حين يحمل شخص الانسان انسان آخر بعد وفاة الانسان الأول الذي كان يحمل كل قواه الذاتية.

سيطرة الذات على ابعادها: هنا نسأل سؤالا يقول: ترى هل استطاع الانسان ان يسيطر على جميع الأبعاد التي تشمل ذاته العارفة؟ نقول كلا، لا يوجد انسان يستطيع ان يسيطر على كل ابعاد ذاته حتى لو كان قديسا، وإنما نرى ما نراه في واقعنا الانسان، ان الانسان قد يتقدم كثيرا في مجال معين، ويتأخر في مجالات اخرى. مع زيادة او نقص في المجالات التي يبرع بها الانسان، اضافة الى تخصصه الأصلي.

تناقص قوة الاختصاص: ويقينا ان هذا التخصص الذي يبرع به الانسان اكثـر مـن غيره، يمكن ان يكون هو الآخر معرضا للزيادة والنقصان، لا بل يكون معرضا للنقصـان اكثـر من الزيادة، في احيان كثيرة، وذلك لأسباب كثيرة، ومنها التعب والملل و الروتين والتعود على العمل الواحد Routineحتى داخل الاختصاص. كما ان نوعا من الملل يأتـي للإنسان عندما لا يبصر في الأفق نتيجة عمله الملموسة، وان عمله يذهب ادراج الرياح، او لا احد يحتاج الى عمله او لا يبالي به احد.

المجال القدسي يمكن ان يتأثر ايضا: فالجدير بالذكر ان مثل الحالة المذكورة اعلاه، يمكن ان تستولي على الانسان وتوصلـه الى نوع من التخلي Abdication عن عمله التخصصي، كما يمكن ان يتخلى عن سيطرة ذاته على ابعاد الجسد وعلى ابعاد الروح، وحتى على ابعاد الايمان والتدين عنده، هذه الأبعاد المعرضة للزوال اكثر من غيرها. علما ان ابعاد التدين لا تفنى بشكل كامل وبشكل مفاجئ، وإنما يتناقص بالتدريج. اما اذا بقي شيء منه فلن يكون هذا الشيء ايمانا حقيقيا، وإنما سيكون مجرد انتماء خال من الروح.

كيف تتكون ذات الانسان: اذا كنا متابعين هذا المقال من اوله، وكذلك مقالات اخرى في مواضيع متقاربة، كنا سنفهم ان الذات هي احدى قوى الانسان التي تميز الانسان عن الحيوان. وان الذات كقدرة Faculté تأتي مع تكوين الانسان الجنيني، ثم تبدأ بعد الولادة بالتكون الفعلي شيئا فشيئا، عندما يبدأ الانسان بالتمييز بين نفسه والآخرين، وعندما نلاحظ الطفل كيف انه يحاول جذب الأنظار اليه، فيما يقوله او يعمله. هذا ولربما يبدأ طفل الانسان بالاهتمام بذاته اكثر من خلال اسمه، وأيضا من خلال رؤية صورته في المرآة، ويقول: هذا انا.

اما عملية تكوين الذات نفسها، فتعود الى معرفة، حيث يصير العارف والمعروف هو الفرد الانساني نفسه، وهنا اجد نفسي قريبا من فلسفة سقراط: يا انسان اعرف نفسك بنفسك، ولكن اجد نفسي اقرب الى فلسفة الفيلسوف الفرنسي ديكارت Descartes، الذي ارفض ان يسمى من قبل الماركسيين، فيلسوفا مثاليا، في حين انه فيلسوف يعتمد الأنثروبولوجيا، وهو بالتالي فيلسوف محدث، تبدأ فلسفته كفلسفة ذاتية وجدانية، تعتمد في بدايتها على المشاعر وعلى البديهيات، لتفضي بالتالي الى فلسفة تخرج الفيلسوف من فلسفته الوجدانية، لتصير فلسفة موضوعية، في كل ما يخص ابعاد الأشياء الواقعية (الماهية وإعراض الأشياء).

في فترة المراهقـة: فإذا وثقنا بعلمـاء النفس والتربيـة، فقد نرى معهم ان فترة المراهقة هي فترة مهمة جدا، فيها يؤكد المراهق على ذاته، بكون الذات هي مركز حياة كل انسان فعلا. كما ان المراهق يحاول ان يبقى بعيدا عن اية سلطة وأية سيطرة، حتى وان كانت هذه السلطة هي سلطة الله، وسلطة الوالدين، او سلطة المجتمع. وعليه نرى المراهقين والمراهقات، منطوين على ذواتهم، ويعيشون حياة فيها كثير من الاستبطـان ومركزية الأنا، اي مركزية الذات، مما يسبب عند المراهقين حالة من التحسس المقاوم لأي اختراق لذات المراهق، مما يجعل المراهقين كتومين، ولا يحبون ان يبوحوا بأسرارهم لأحد، حتى اذا كان من اقرب المقربين الى هؤلاء المراهقين، ربمـا باستثناء من يماثلهم في المراهقـة الخاصة بعمر معين.

الذات يمكن ان تعني الأنا: فالذات اذن تعني الأنا، حيث نعتقد نحن اننا امام مصطلحين، مماثلين: مصطلح الذات ومصطلح الأنا، حيث نعرف ان مصطلح الأنا يأتي من عالم علم النفس، في حين يأتي مصطلح الذات من عالم الفلسفة. لذلـك يكـون الانسان، صغيرا كـان ام كبيرا، حريصا علـى ذاته، من اي اقتحام غير مرغوب فيه، كما يكونون حساسين تجاه اي نقد وأي توبيخ، وأية اهانة او قصاص او انتكاسة في الحياة، ولاسيما في الجانب الانساني منها. وهكذا فان ما يحدث عند الانسان يدل بوضوح على ان ما يملكه الانسان، من حرص علـى ذاته، يأتي نتيجة درجة محبة الذات التي يملكها اي انسان لذاتــه، ودرجــة وقوة تلك المحبة، مع درجة آمال وطموحات الانسان في الحاضر والمستقبل.

تفاوت شدة قوى الذات: غير ان الانسان يختلف عن اي انسان آخر، من حيث غيرته على ذاته، وهذا الاختلاف يمكن ان يأتي من الجينات الوراثية نفسها، كما يمكن ان يأتي من البيئة والتربية الاجتماعية، وكذلك من مجهود الانسان الشخصي. ولهذا لا نستغرب اذا كان الانسان يشعر بالاستلاب والضياع وبنوع من العدوان تجاهـه، عندما يهمل من قبل الآخرين. ومن هنا، لا نستغرب اذا كان الانسان يوحد بينه وبين بلاده، او بينه وبين عائلته، ويعد الاعتداء على المفردات المذكورة اعتداءا على ذاته ايضا. علما بأن هناك مجالا لكثير من الوهم والتحايل في هذه المسألة، بحيث يجعل المختصون الشخص المستهدف يشعر ان الجماعة الفلانية تعتدي على ذاته، الى الدرجة التي فيها يصبح الشخص المستهدف، وكأنه يعاني من نوع من الكآبة، مثلما يحدث في المجال السياسي.

ماذا نستفيد من تحليل هذا المقال: جوابا على تساؤل هذه الفقرة نقول: ان ما نستفيد من تحليل هذا المقال هو ان نعرف من هو الانسان، وما هي هذه البنية او هذه الظاهرة التي نحاول ان نعرف صفاتها، كما نفعل مع سائر الظواهر والبنى السابقة واللاحقة، الأمر الذي يتطلب معرفة كل انسان على حدا، لأن التعامل مع الانسان في المجال الذاتي، لا يمكن ان ينجح، الا عندما يعرف المعالِج والمعالَج أن هذه المعرفة ليست معرفة عبثية ونظرية فقط، ولكنها معرفة يمكن ان نستفيد منها كثيرا، كل واحد منا من اجل حياته الخاصة، وكذلك من اجل حياة الآخرين. فالإنسان، قد يستطيع ان يعيش بدون ان يعرف مثل هذه النظريات والفلسفات ونتائج العلوم، لكن معرفته بنفسه وبالآخرين تكون معرفة ضحلة وسطحية، لا بل خاطئـة ومظللة، في اغلب الأوقات. من اجل ذلك نلاحظ خلال التاريخ، وجود من يهتم بمعرفة حقيقة الانسان، سواء كان من يهتم بهذه المعرفة، رجل دين او فيلسوف او صاحب حكمة، كما نجد ذلك خاصة عند كثير من الجماعات في الشرق الأقصى.

اهمية معرفة الذات: هذا، ومن الجدير بالذكـر هنا، هو انه سوف يكون دائمـا بين البشر، من يحب ان تكون معرفته بذاته وبعالمه، اعمق ما يمكن ان تكون. ولهذا مثلا، قرر مؤلف هذا المقال، ان يؤلف الكتاب الذي هو الآن بيد القارئ العزيز، والذي هو بعنوان: كيف نتكلم عن الانسان اليوم، بعد ان كان قد الف كتابه المنهجي: كيف نتكلم عن الله اليوم. هذا، وبناء على ما جاء اعلاه، نؤكد للقارئ بأن من يعرف نفسه والهة بشكل جيد، فان هذه المعرفة تمنحه السعادة وراحة البال. كما يمكن ان تمنحه الصحة الجيدة، عندما يبعد هذا الانسان من حياته، القلق الذي يسبب امراضا كثيرة، سواء كانت امراضا نفسية ام امراضا عضوية جسدية، نظرا لوجود الظاهرة النفسية الجسدية Psycho Somatique في حياة الانسان.

لا توجد معرفة كاملة بالذات: غير ان معرفة الانسان بذاته لا يمكن ان تكون معرفة كاملة، حتى لو استخدم البشر كل علوم الانسان من اجل الحصول على هذه المعرفة، او استخدموا كل الفلسفات الموجودة عند البشر، للغاية ذاتها، مثل فلسفة سقراط الذي يطلب من الانسان ان يعرف ذاته بنفسه، بالطريقة التي سماها التوليد، اي توليد الحقيقة الأخلاقية في نفس الأخر، لكي يكتشف الانسان هذه الحقيقة بنفسه، ولا تفرض عليه من الخارج. اما عملية توليد الحقيقة عند الآخرين، بحسب سقراط، فتتم عن طريق اسئلة متعاقبة يوجهها الحكيم لمن يسعى الى ان يعرف ذاته بالطريقة السقراطية. هذا مع معرفتنا بوجود حكماء نفسيين مختصين بالأمور النفسية المعقدة، مثلما نجد اطباء نفسيين يعالجون الجسد لكي تشفى النفس، ويعالجون النفس لكي يشفى الجسد، من خلال ظاهرة انثروبولوجية يسمونها الظاهرة النفسية الجسدية Psycho somatique.

السلوكية ـ الوجودية ـ البنيوية: ان السلوكية والوجودية والبنيوية ثلاث فلسفات تهمنا من اجل الكلام عن الذات. وفي الحقيقة نحن كنا شخصيا نضع نوعا من التناقض بين هذه الفلسفات: السلوكية Béhaviorisme والوجودية Existentialisme والبنيوية Structuralisme، لكننا نجد اليوم بين هذه الفلسفات المذكورة، فضلا عن الفلسفة الرومانسية التي تعتمد خاصة على التاريخ في مختلف حقبه، وعلى الروايات Romans التي تعوض الفيلسوف عن التاريخ الحقيقي، من اجل معرفة حقيقية بالإنسان، حيث ان التاريخ والروايات التي تعطينا لقطات شبيهة بالتاريخ Para historique تبين لنا لقطات من حقيقة الانسان، ومن ذاته، هذا الانسان الذي لا يمكن حصره بمدة معينة، من اجل معرفته معرفة كاملة او شبه كاملة.

كفاءة الفلسفات المذكورة: اذا ما عدنا الى الفلسفات مرة اخرى، سنعرف ان كل الفلسفات والعلوم الانسانية تصلح للكلام عن الانسان وعن ذاته. فإذا لم تستطع هذه الفلسفات ان تعطينا حقائق ثابتة وكاملة عن الانسان، فهي على الأقل تساعدنا على الاقتراب من هذه الحقيقة، وتعاوننا على معرفة وجود مثل هذه الحقيقة، وتقييم هذه الحقيقة وما تملكه من قدرة على معرفة حقيقة الانسان. علما بأن هذا الكلام يساعدنا ايضا على ان نعرف بأن معارف الانسان، مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا بنيويا، ماديا وروحيا، طالما ان الروح بعد من ابعاد المادة، وذلك لأن عالمنا هو عالم بنيوي في مجمله، وان كل ابعاده وبناه مرتبطة بعضها ببعض. علما بأن لهذا الارتباط فائدة معينة، لأي باحث عن حقيقة الانسان، ومنها ان الانسان يستفيد من الارتباط المذكور في التقرب من حقيقة الانسان، سواء كان الانسان الذي نقترب من معرفته فردا او مجتمعا، من حيث جسده ام من حيث روحه، الموازي مع جسده، والمرتبط معه.

الجدير بالذكر: هذا ومن الجدير بالذكر هو ان سر لجوئنا الى الفلسفات وعلوم الانسان، كما عملنا في تأليف كتابنا هذا وفي مقالنا هذا، يعود الى ان كل فلسفة وكل علم وكل حس عام، يقدم لنا شيئا اضافيا، عن حقيقة الانسان الواسعة والعميقة كالبحر. غير ان الفلسفة تبقى دائما خادمة اللاهوت Ancella والإيمان ايضا، كما يقول لنا توما الاكويني، كما تكون في خدمة العلوم ايضا. علما بأننا نقول ذلك ونحن نعرف بأن كل الفلسفات، من التي استخدمناها، ومـن التي لم نستخدمهـا، لا يمكـن ان تكون متساوية من حيث كفاءتها وقوتها، هذه الكفاءة والقوة التي يحصل عليهما الانسان عن طريق الجينات الوراثية، وعن طريق البيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية، وأيضا عن طريق المجهود الشخصي، وكذلك عن طريق ما يسمى بالحس العام Sens commun، المشترك بين جميع البشر، وان كان الحس العام هذا يتفاوت من انسان الى آخر، من حيث قوته وأداء وظيفته.

ما هو الفرق اذن: اما الفرق بين فلسفة وأخرى، فهو فرق بالاتجاه العام لكل فلسفة. فبعض هذه الفلسفات يتجه نحو تأكيد خيارات الانسان الحرة، كما في الوجودية، والبعض الآخر يتجه نحو معرفة الانسان من خلال تاريخ خياراته، كما يحصل في الفلسفة الرومانسية، بحيث تكون معرفة الانسان مفتوحة دائما، ولا تغلق ابدا. اما البنيوية فهي فلسفة قريبة من علم الظاهرة، وحتى من الظاهراتية La phénoménologie الأمر الذي يعني ان كل منظومة، ومنها منظومة الانسان، تقدم للإنسان وجهها الظاهر للعيان، وهو ما نسميه مبنى المنظومة، لكي يكشف الانسان من خلال هذا المبنى، المعنى الخفي والسري للإنسان، على غرار ما يقال عن الكلمة التي يجد فيها بعض الفلاسفة مبنى الكلمة الظاهري، كما يجدون فيها معنى هذه الكلمة السري الذي يخفيه مبنى الكلمة الظاهري. علما بأن ما يقال عن الكلمة ينطبق على نصوص اي مؤلف، وان كان مؤلفا دينيا، وينطبق على كل ظاهرة وعلى كل رمز من الرموز التي تعطي لنا وجهها المنظور، وتخفي وجهها الرمزي الروحي، غير المنظور.

المدرسة السلوكية: اما المدرسة السلوكية Behaviorisme فترى انه بالإمكان معرفة حقيقة الانسان من سلوكه، في كافة ابعاد الحياة، حيث يقول بعض علماء هذه المدرسة: اعطوني طفلا وأنا اصنع منه ما اشاء. ونحن نقول لمثل هؤلاء العلماء والفلاسفة: كلا انتم لا تستطيعون ان تعملوا من اي طفل ما تشاءون، وإنما تستطيعون مساعدة هذا الطفل على تنمية الامكانيات التي فيه على النمو والاكتمال، وليس غير ذلك. اما تغيير الجينات فتلك مسألة اخرى لسنا بصددها.

قدرة الانسان: فقدرة اي انسان اذن، تأتيه من ثلاثة مصادر: اولها هو مصدر الجينات الوراثية التي يستلمها من ابويه، والتي تحدد امكانيات الانسان من البداية. اما ثاني هذه المصادر فهو البيئة والمجتمع، هذه البيئة التي لا تستطيع ان تتجاوز مائة بالمائة قدرات تعلم الطفل الوراثية. ثم يأتي ثالثا، المجهود الشخصي، حيث يحاول اي فرد تطوير امكانياته والوصول الى نتائج انسانية مهمة، الأمر الذي يعني ان هناك ابعادا انسانية هي ابعاد موجودة اصلا في حياة البشر، ومنها الفضائل الانسانية الثابتة، التي تكاد تكون ثوابت انثروبولوجية معيارية Normatives، حتى لو لم تكن هذه الأبعاد، متساوية من حيث قوتها وزخمها وتأثيرها على ذات الانسان وعلى الآخرين.

السلوكية والحقيقة: ومن هنا نستطيع ان نقول ان المدرسة السلوكية ليست محقة بشكل كامل وشامل في ادعاءاتها، وان فكرة " الذات " كما تكلمنا عنها اعلاه تأتي قبل اي خيار انساني، مهما كان حرا. اما الحقيقة فهي تجمع بين كل هذه القوى التي تكلمنا عنها، ولا تقتصر على اية واحدة منها، شرط ان يكون الجمع بيـن هذه الفلسفات، جمعا ذكيا، يعرف اين يقع العامل الجامـع بين هذه الفلسفات جميعها، وحتى بينها وبين غيرها من الفلسفات. وهنا يأتي سؤالنا المهم الذي يقول: ترى هل اذا جمعنا بين كل هذه الفلسفات والعلوم، ومنها علم النفس وعلوم الحياة وعلم الاجتماع، وغيرها من الفلسفات والعلوم، مما اتينا الى ذكره، ومما لم نأت الى ذكـره، نكون قد اتينا الى معرفة حقيقة الانسان، معرفة كاملـة وشاملة؟ اما جوابنا فيقول: كلا! اننا لن نأتي ابدا الى المعرفة الكاملة للإنسان، ولكـن فقط نقترب من هذه المعرفـة، حيث يتناسب هذا الاقتراب، مع حاجاتنا الانسانية العامة والحقيقية، اما تعريف التقليد الكنسي للإنسان، فنقول عنه، انه ذهب في خبر كان، والحمد لله.

البحث عن الذات: بعد كل ما كتبناه عن الذات نستطيع الآن ان نقول بأن البحث عن الذات، هو البحث عن الانسان، كما ان البحت عن الانسان فينا، يتم ايضا عبر البحث عن الذات. ولكن، ولكي نكون اوضح نقول: من اراد ان يبحث عن الانسان في داخله، من باب فحص الضمير، او من اي باب آخر، عليه ان يفحص ذاته، من خلال اهم ابعادها، لكي يرى سلامة وصحة هذه الأبعاد، فيما يخص الجسد والروح، وما يخص البعد الروحي الذي يختص بالمشاعر المتنوعة، والبعد القدسي ايضا، او البعد الالهي، هذا البعد الذي لا نتكلم عنه بذاته، لأننا لا نعرف حقيقة الذات الالهية، حتى ولا ايمانيا، ولكننا يمكن ان نعرف الذات الالهية المقدسة كبعد بنيوي وأنثروبولوجي. علما ان هذا البعد، حاله حال البعد الروحي، يعود الى المشاعر، بصورة عامة اكثر مما يعود الى العقل.

فحص الذات البنيوي: ويقينا ان فحص الذات الناجح، لا يمكن ان يكون غير فحص بنيوي، اي يكون فحصا يشمل كل ابعاد ذات الانسان، هذه الذات التي هي في نهاية الأمر، حالها حال ظاهرة الشخص، ذاتا متميزة ومختلفة عن كل ما عداها. فالذات في الحقيقة تشترك مع ذوات الانسان الأخرى، في الأمور الانسانية العامة، في مسألة الثوابت الانسانية، التي هي فضائل عامة، كالعدالة والمحبة وغيرها الكثير. ففي الحقيقة، ان كل ما هو ثابت في الانسان هو مشترك بينه وبين البشر الآخرين، على المستوى النظري وعلى المستوى العملي التطبيقي ايضا. اما الأمور الثانوية المنوعة والمتعددة، فهـي الأمـور التفصيليـة، اي فحص الذات في امـر محدد ينتمي الى فضيلة انسانية محددة، بحيث تصبح هذه الفضيلة المرجع الرئيسي لمن يريد ان يسلك سلوكا انسانيا مقبولا، من الله والبشر. غير اننا هنا نضيف معلومة جديدة تقول، بأن هناك ارتباطا Connexion وثيقا بين الفضائل، بحيث لا يمكننا الاستغناء عن هذا الارتباط، اذا اردنا فهم حقيقة اي عمل انساني. غير ان العودة الى اية فضيلة يكون ايضا بالعودة الى نقيضها، والى قطبها الآخر (رذيلة محددة)، للتخلص من سلبيته المعروفة.

اضافة الى الفحص البنيوي: اما فحص الذات المطلوب من الانسان، فلا يقتصر على الفحص البنيوي من خلال الانتباه الى حالة كل بنية (كل بعد) بمفردها، ومن خلال علاقاتها مع البنى الأخرى، لكنه يشمل ايضا الحالة الجدلية التي يجد الانسان نفسه ضمن فاعليتها القوية، هذه الفاعلية التي ليست موجودة في حياة الانسان الاجتماعية والسياسية فقط، لكنها موجودة ايضا، في حياة الانسان الفردية او العائلية، وفي علاقة كل انسان بعمله، كما انها تشمل الحياة الروحية المقدسة، والحياة الروحية العادية. اما ظاهرة التماثل Analogie فتشبه كثيرا ظاهرة البنيوية، بمعنى ان البنى المتماثلة بحاجة لأن تكون بنى سليمة، لكي تخدم الانسان خدمة مناسبة وجيدة. هذا ولربما يكون الانسان بحاجة الى الاهتمام بحياته الفائقة الطبيعة Surnaturelle، وبالأبعاد الكثيرة التي ترتبط بحياة الانسان فائقة الطبيعة، شرط ان يعرف ان الحياة فائقة الطبيعة موجودة اصلا ضمن الحياة الطبيعية والأنثروبولوجية، وليس خارجها.

حذار من حالة الاستلاب: عندما يغامر الانسان ويدخل في معمعة معرفة ذاته الخفية، ويحاول اصلاح الخلل فيها، فانه، وفي اغلب الأحيان، يصطدم بمعوقات داخليةـ ذاتية، او معوقات خارجية، تضاد اتجاهات ذلك الانسان، وتعوق توجهاته، ولاسيما اذا كانت تلك التوجهـات غير مكتملة شروط النجاح بعد. فالحياة فائقة الطبيعة والحياة الروحية المقدسة، هي حياة صعبة جدا، ولذلك فان نجاح الانسان في الوصول الى شيء من هذا النجاح غير مضمون بشكل ميكانيكي. فالحياة فائقة الطبيعة تتطلب عقلا جيدا يقود الى فهم الحياة الروحية فائقة الطبيعة وقواعدها الانسانية الأنثروبولوجية، كما تتطلب ان تكون مجموعة، او حزمة، من مشاعر الانسان، مشاعر سليمة، ومدربة على الشعور والتأثر بحالات انسانية وبمطالب الفضائل المتعددة.
يحكى عن احد السكيرين انه اتفق مع اخيه في البيت ان يمتنعا عن شرب المسكر في ايام الصوم الخمسيني المسيحي. فجاء الاثنين الذي به يبدأ الصوم المذكور، وذهب الأخوان الى الكنيسة للمشاركة في القداس، وفي العصر ذهبا ايضا الى الكنيسة ليصليا الصلاة المخصصة بالصوم، وعادا فرحين الى البيت. ولما بدأ الظلام يخيم على البلدة، دخل اهل البلدة الى بيوتهم، ودخل الأخوان الى البيت ايضا. وبعد مدة ليست طويلة شعر الأخوان انهما اضاعا شيئا كانا في الأيام الاعتيادية يقضيان فيه فراغ الأمسية. وبدأ الادمان عمله في الأخوين الذين شعرا بحاجتهما الى المسكر. وضل الأخوان صامتين لا يعرفان بماذا يتكلم واحدهما مع الآخر. وأخيرا قال الأخ الأكبر لأخيه: اسألك يا اخي: هل من الضروري ان نصوم الصوم كله عن المشروب؟ الا يكفـي مثلا ان نصوم عن المشروب الاسبوع الأخير من الصوم؟ فقال له اخوه الأصغر الذي كان متعلقا بالشرب مثل اخيه الأكبر: يمكن ان نصوم الاسبوع الأخير من الصوم، وسيقبله الله منا بالتأكيد. فقال الأخ الأكبر لأخيه الأصغر: اذن قم وات بالقنينة.
وراحت ايام وجاءت ايام، ووصل الأخوان الى الاسبوع الأخير من الصوم. ودخل الجميع الى البيت، وجلس الأخوان ينظران احدهما الى الآخر، وكأنهما شعرا بالندم على قرارهما ذاك. فقال الأخ الأكبر: يا اخي! هل من الضروري ان نصوم الأسبوع كله؟ الا يكفي ان نصوم في يوم الجمعة العظيمة فقط اكراما لصلب المسيح؟ قال له اخوه الأصغر: بلى يكفي ذلك. فقال الأخ الأكبر للأخ الأصغر: اذن قم وات بالقنينة. فجاء بالقنينة، وجلسا وقضيا امسيتهما بالشرب.
ثم جاءت الجمعة العظيمة ايضا، وفي المساء ذهب الناس الى الكنيسة للاحتفال بيوم صلب يسوع واستشهاده البطولي. وكان ان ذهب الأخوان ايضا الى الكنيسة. وفي فقرة من فقرات الجمعة العظيمة صعد الواعظ الى منبر الوعظ، وجذب انظار الحاضرين بالخطبة التي القاها على المؤمنين، وحرك مشاعرهم جميعا، ومن بينهم الأخوان اللذان تدور حولهم قصتنا ذات المغزى الروحي الذي يتكلم عن طبيعة الانسان المترددة وغير الصامدة تجاه مقاصد الانسان الحسنة، وما يسمى النيات الحسنة، التي يقول المثل عنها ان جهنم مملوءة بالنيات الحسنة. ونزل الواعظ من منبر الوعظ، وختم الاحتفال ببعض الصلوات، وعاد الجميع الى البيت، وعاد الأخوان ايضا الى بيتهما. ولما خيم الظلام على البلدة دخل الأخوان الى غرفة الجلوس بقي الأخوان ينظر احدهما الى الآخر بصمت. ولكن بعد فترة وجه الأخ الأكبر كلامه الى اخيه الأصغر قائلا له: افما رأيت ما عملوه بيسوع: قال اخوه الأصغر: ارأيت؟ ثم قال الأخ الأكبر: اني يا اخي لم اعد احتمل، لقد اشتعل قلبي على يسوع. وقال الأخ الأصغر: وانأ ايضا. فقم يا أخي وهاتي القنينة، لأني لم اعد اتحمل. وقام الأخ الأصغر مسرعا واتى بالقنينة وبدآ يشربان من المسكر، الذي يدل في نهاية المطاف انه كان اقوى من رغبة الأخوين بالامتناع عن المسكر طيلة ايام الصوم.
في الحقيقة ترينا هذه اللوحة حقيقة الانسان، في قوته وفي ضعفه: ضعفه امام الآخرين احيانا كثيرة، وضعفه امام نفسه، وأمام العادات التـي تمكنت منه، ولا يستطيـع التخلص منها، الا من خلال اسلوب تعويضي قد يستطيع الالتفات على العادات القديمة والتخلص منها، الأمر الذي يجب ان يجعل الانسان يتواضع ولا يتبجح ببعض الانتصارات على الذات التي يحققها من وقت لآخر. هذا هو الانسان اذن في احد جوانبه.

القس لوسيان جميل
دهوك حتى الآن

 

شاهد أيضاً

الاحد السابع لايليا: الطفل المعلم

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى: من سفر إشعيا (33: 1-6) تندد بأشكال الكذب والسرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*