الرئيسية / المقالات / ثقافة السلام والحوار والتسامح

ثقافة السلام والحوار والتسامح

 
د. عمانوئيل سليم حنا

 اكد غبطة ابينا البطريرك عند لقاءه مع فخامة رئيس الجمهورية بتاريخ 18/9/2017 على أهمية العمل على تشجيع ثقافة السلام والحوار والتسامح، سيما وان المرحلة الراهنة تتطلب خطاباً وطنياً هادئاً، والابتعاد عن التصريحات المتشنجة التي لا تخدم ايجاد الحل ولا تساهم في الاستقرار والوئام في البلاد.

هذا هو البطريرك الانسان المحب لأرضه ووطنه وكرامته، صفحات خالدة سطرتها مواقف ومشاعر وحكمة البطريرك ساكو ترجمت فى جوهرها معانى الوطن والانسانية والسلام والمحبة
 كان دائما يرد على العنف بالصلاة وبرسائل المحبة والسلام، لان حمامة السلام أقوى من العنف وإن هزيمة التطرف تبدأ بإنتصار الإنسانية بداخلنا، فهذا الرجل هو أباً روحياً ليس لكل المسيحيين فحسب وانما لكل العراقيين بكافة اطيافه فهو يعمل من أجل كل العراقيين، فهذه هي الكلمات والعبارات التي تأتي في سياق حديثه دائما في كل المناسبات واللقاءات:
(الاستقرار، المصالحة، الاخوة، التعاون ، العيش المشترك ، الاحترام المتبادل، أحترام الحقوق، نبذ الاقتتال والدمار، أشاعة ثقافة السلام والعدالة والمساواة، نبذ التطرف والعنف، الحوار، أحترام الرأي وتقبل النقد البناء ، الانفتاح الديني)
إن التفاعل والتواصل بين الثقافات ظاهرة إنسانية متأصلة في التاريخ الإنساني، والعولمة بقدر ما ساهمت في التقارب بين الشعوب وانفتاح وتفاعل الثقافات على بعضها البعض، بقدر ما أدت إلى بروز التعصب الديني والانغلاق على الذات.
ويبدو أن تجاوز المسافة بين خطاب حوار الثقافات والأديان والسلام والتسامح وبين الواقع المؤلم المكرس للعنف والتطرف والأحقاد وانسداد الآفاق ادى الى خلق حالة من الفوضى والتشنج في العراق ولهذا من المهم ان يتم ترسيخ قيم الحوار والتسامح والسلام داخل مختلف التقاليد الثقافية والدينية ، ان الحوار الثقافي والديني عملية متعددة الأبعاد، مسار للبناء المستمر، يتطلب المثابرة والنفس الطويل لارساء ثقافة السلام و البحث عن أفضل السبل لكيفية التصرف بحكمة وتوازن أثناء التوترات والأزمات وبشكل يؤدي إلى امتصاص العنف والحد من نزعات التطرف و البحث عن إستراتيجيات جديدة لتحويل دياناتنا وثقافاتنا
إلى منابع للحب، إن الإنسانية اليوم تتطور في ظل حضارة عالمية واحدة تتميز بالتعدد الثقافي ولا يمكن الحديث عن صراع بين الحضارات فالعالم يتجه لكي يصبح موحد الحضارة في ظل ثقافات متعددة تتفاعل وتتجاور فيما بينها بشكل يومي. بينما عراقنا اليوم يعيش على وتيرة من التمازجات والتشابكات، ولا توجد فيه ثقافات موحدة منسجمة تعيش في فضاءات ثقافية متمايزة في العالم المعاصر.
 
وقد ذكر في مصادر متعددة بان الحوار الحقيقي الذي يجري بين الاطياف المتنازعة يفترض الإيمان بمجموعة مبادئ أساسية:
1- التواضع: إن التكبر واعتقاد امتلاك الحقيقة المطلقة وتمثيل الخير المطلق لا يساهم في تشجيع الحوار بل يؤجج الحقد والعداء، ومنطق "الأنا ضد الباقي" منطق شوفيني إقصائي يرفض الاعتراف بحقيقة التكامل والاعتماد المتبادل بين كل شعوب العالم. وسياسة استعمال القوة لحل مختلف الأزمات، سياسية لا أفق لها ولا تنتج إلا مزيدا من الصراعات والتوترات. لهذا ينبغي أن يتعلم الأفراد والشعوب قيم التواضع والتسامح واللجوء للحلول السياسية للتمكن من التواصل والتفاهم والتعايش.
2- الرأفة: أي الإحساس بآلام ومآسي الآخرين والتعاطف معها، ولهذا يجب ان نمتلك القوة الأخلاقية والقدرة النفسية لكي نضع أنفسنا في مكان الأفراد والشعوب التي تعاني من عدة مآسي، وذلك لنحس بما يشعرونه ونفهم معاناتهم وإحباطا تهم من الداخل وبشكل يجعلنا نعي بأن معاناتهم تعنينا بشكل مباشر وتهدد إنسانيتنا.
3-التعايش والتسامح: واقع العولمة وتزايد الاحتكاكات والتفاعلات الثقافية بين مختلف الأفراد والشعوب بفعل ثورة الاتصالات وتزايد حركات الهجرة خلق ديناميات اجتماعية دولية جديدة أساسها تراجع الأحادية الثقافية لصالح تصاعد واقع التنوع الاجتماعي والتعدد الثقافي. وهذا ما أصبح يفرض على مختلف المجتمعات الإنسانية تعلم التسامح والتعايش السلمي على المستوى الثقافي والديني بين مختلف الأفراد، الجماعات والشعوب

4- البحث عن الحقيقة: السعي لمعرفة الحقيقة شرط أساسي للحوار، فالحوار هو اكتشاف الغير واحترامه كما هو وكما يريد أن يكون، ومعرفة الاختلافات والقيم المشتركة للتمكن من التبادل والتفاهم

وقد أكد جياندو مينيكو بيكو Giandominico Picco الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة لسنة الأمم المتحدة لحوار الحضارات في 2001 أنه:" ليس التاريخ هو ما يقتل، ليست الديانات هي التي تغتصب النساء، وليس نقاء الدم هو الذي يهدم البيوت… فقط الأفراد هم من يفعلون ذلك".
يوجد في العراق ثقافات متنوعه فالعربي والكردي والمسيحي واليزيدي… والتي يجب ان تعتمد على فكرة الاحترام والتسامح بين الأعراق الثقافية المكونة لهذا البلد فهي تدفعنا إلى الأخذ بفكرة التوفيق بين الثقافات التي عاشها العراق من قبل.
إننا نعيش اليوم في ظل لاتوازن حاد بين الكيانات والطوائف العراقية، ولم يسبق للتهميش الاجتماعي أن كان بالحجم الذي هو عليه اليوم، فالفقراء يزدادون فقرا والأغنياء يزدادون غنى. وأي حوار ديني أو حضاري او سياسي سيبقى حوارا بلا أفق بدون ثقافة التسامح والسلام والمحبة.


ولهذا فاننا اليوم بامس الحاجة الى:
1-السلام
وقد لخص بيان يموسكرو حول "السلام في عقول البشر" بشكل جيد وأهم مرتكزات ثقافة السلام:
– السلام هو أساسا احترام الحياة،
– السلام هو أغلى ما يوجد لدى الإنسانية،
– السلام هو أكثر من مجرد نهاية الحروب المسلحة،
– السلام هو سلوك،
– السلام هو اندماج عميق للكائن الإنساني في مبادئ الحرية، العدالة، المساواة، والتضامن بين كل البشر،
ولأهمية ثقافة السلام خاضت منظمات عالمية وانسانية وحقوقية حربا ضروسا من أجل وعي الشعوب العالمية والتعايش والاندماج من خلالها، لذلك لا يمكن أن يحدث السلام إلا عندما يفهم مواطنوا العراق بكافة اطيافهم مشاكلهم بتحقيق المساواة بين الجنسين، وباحترام التنوع الأيدولوجي، من خلال تربية متواصلة ومنتظمة ومقصودة من أجل السلام.
السلام هو صفة لله، له قيمة روحية وأخلاقية هامة في حياة كل فرد ومجتمع، وما أحوجنا الى السلام في عالم اليوم الذي تسوده الكراهية والخصومات والحروب والنزاعات.
وبدلا" من السعي إلى المصالحة مع الله والناس والنفس والتمتع بالسلام نرى الناس يسرعون الى حل المشكلات بالقوة والعنف مما يجعل دائرة العنف والبغضاء والحروب تزداد وتتسع.
عندما ولد السيد المسيح تهللت الملائكة بالتسبيح{لقد ظهر مع الملائكة جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين؛ المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة} لو13:2-14

لقد قال السيد المسيح {سلاما، اترك لكم سلامي، أعطيكم ليس كما يعطي العالم، أعطيكم أنا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب{ (يو14: 27)
 وقد ذكر في القران الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (البقرة: 208) وقوله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (الأنفال:61)
حتى أن الفيلسوف الألماني "ايمانويل كانط"، دوّن في كتابه "مشروع للسلام الدائم" أن إنشاء حلف بين الشعوب هو السبيل الوحيد للقضاء على شرور الحرب وويلاتها.


2- الحوار
 ان الحديث عن ثقافة الحوار وعن الحوار بين الأديان والتقارب بين الثقافات لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو رهان جديد للعصر المتحضر والمستنير، من هذا المنطلق الفكري يجب أن لا يكون الآخر كابوسا مريعا نهابه، بل بالعكس يجب أن يصبح حافزاً للحوار والتفاهم، لأن الفكر الديمقراطي يفترض الحوار والتفتح ونبذ الفكر الأوحد.


3- التسامح
 التسامح لغة / مشتق من السماحة، أي: الجود. فالمتسامح (يعني الاعتراف بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير فالتسامح لا يعني أن نتخلى عن معتقداتنا، وإنما التسامح أن نمتنع عن غصب الآخرين لاعتناق آرائنا، أو قهرهم للتخلي عن آرائهم، أو الاستهزاء بوجهة نظرهم. وأن نهجوهم حقا أو باطلا. ويوجب التسامح احترام آرائهم، وضمان حريتهم في التعبير، والاعتقاد، والإجماع. وفي التسامح إقرار بأن الحقيقة ليست حكراً لطرف من دون سائر الأطراف، وإنها نسبية. ان التسامح والغفران علاج للتعصب والكراهية.. وسط عالم يسوده الكراهية والعنف والحقد ومحاولات الايذاء أو السيطرة على الغير أو استغلالهم أو اذلالهم، ومع ما نشاهده من انتشار الحروب والقلاقل وقتل الابرياء تحت مختلف الحجج فان مجتمعاتنا المعاصرة فى حاجة الى روح التسامح والمغفرة ،ان دائرة العنف والكراهية لن يوقفها الفعل العنيف ورده فالنار لا تطفأ بالزيت بل بالماء هكذا العنف والكراهية تحتاج الى المحبة والاخاء الانسانى والحكمة والايجابية وروح المساواة وسيادة القانون لكى ما يعود من أعمتهم الكراهية الى رشدهم وضميرهم ويتقدم المجتمع ويسير فى طريق السلام والمصالحة من أجل هذا علمنا السيد المسيح قائلا { سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم باركوا لاعنيكم احسنوا الى مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم.لكي تكونوا ابناء ابيكم الذي في السماوات فانه يشرق شمسه على الاشرار والصالحين ويمطر على الابرار والظالمين } مت 38:5-48.
وعلى ضوء ماورد اعلاه العمل وفق اسس مهنية لتعزيز نشر وترسيخ ثقافة السلام والحوار والتسامح بين اطياف العراقيين، بات من الضروري البحث عن السبل الكفيلة لتعزيز هذه الجهد، ومن هنا تأتي الدعوة للعمل مع الكفاءات والمثقفين المسيحيين ومع مختلف التجمعات الشبابية المسيحية لتوحيد الرؤى وتعزيز الفكر المسكوني ودعم البرامج الدينية والاجتماعية والثقافية المحلية بالاستناد للمبادئ المسيحية والإنسانية والوطنية عامة لتعزيز الدور المسيحي الوطني في خدمة البيت الكلداني وبالتالي لخدمة العراق.

شاهد أيضاً

الاحد السابع لايليا: الطفل المعلم

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى: من سفر إشعيا (33: 1-6) تندد بأشكال الكذب والسرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*