الرئيسية / المقالات / كنيسة المشرق ليست نسطورية

كنيسة المشرق ليست نسطورية

البطريرك لويس روفائيل ساكو

بحث القاه غبطته في مؤتمر حول كريستولوجيا الكنائس الشرقية، وذلك في جامعة سانت جورج فرانكفورت-المانيا في 22 أيلول 2017


1.    المقدمة
علينا أن نقرأ الأمور وان نفهمها كما كانت في زمانها، وليس بحسب عقليتنا اليوم؟ وينبغي وضعها في سياقها التاريخي والثقافي والاجتماعي والكنسي والسياسي. كما ينبغي أن نميز بين المضمون والشكل-الكلام. فالتعابير القديمة متكلفة. لذا لابدَّ من تجديد مصطلحاتنا اللاهوتية الحالية، بكون معظمها قديم أتى من أفكار فلسفية يونانية، أو هو حصيلة جدالات لاهوتية شتى، أو هو تعابير مجردة. فثمة حاجة لإيجاد كلمات معروفة ومفهومة لشرح الإيمان لمعاصرينا.
نسطوريوس لم يولد في بلاد ما بين النهرين، في بيت كرماي (كركوك الحالية) كما زعم البعض، ولم يكن بطريرك كنيسة المشرق
(1)، بل كان بطريرك القسطنطينية-اليونانية (428 – 431)، ولم يكن نسطوريًّا بالمعنى الهرطوقي العقائديًّ! فما كتبه قد تم حرقه ما عدا كتاب Liber Heraclidis (2) الذي ألفّه في منفاه، والذي لا نجد فيه شيئاً مخالفًا للإيمان القويم. هذه المزاعم روَّجها الخصوم، فلا نسطوريوس ولا كنيسة المشرق اعترفا قط بوجود شخصين في المسيح. ولهذا أجد أن النسطورية "بدعة خيالية"، وان الاختلاف هو في اللغة والمصطلحات كما سنرى. وان الحالة نفسها تنطبق على السريان الأرثوذكس.
     إذا كانت كنيسة المشرق قد لزمت الصمت إزاء مجمعي افسس (سنة 431) وخلقيدونيا (سنة 451)، إنما لأنها لم تشترك فيهما، ولم تعرف الكثير عنهما، لعدم وجود علاقات بين الكنيسة في بلاد فارس والكنائس في المملكة الرومانية بسبب النزاعات الدائمة بين الإمبراطوريتين. وفي القرن الخامس لم يكن هناك أنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة الأخبار في ثوانٍ.
كنيسة المشرق ولدت في بيئة ساميّة بين جاليات يهودية مستوطنة في بلاد ما بين النهرين بسبب خلفياتها الثقافية والدينية وتأثرت بها، وخير دليل ليتورجيتها وريازة – هندسة كنائسها القديمة، فهي صورة لهيكل اورشليم أو المجمع synagogue، لكن هذا لا يعني ان قسماً كبيراً من كلدان وأشوريي ما بين النهرين، لم ينضم إليها، فضلاً عن أقوام أخرى..
 كنيسة المشرق، بالرغم من الصعوبات والاضطهادات والتحديّات التي واجهتها، عدّت نفسها جزءًا من الكنيسة الجامعة ، لكن بكونها خارج المملكة الرومانية وخاضعة للمملكة الفارسية، لم يسمح لها بإقامة علاقات مع الكنيسة الغربية، ولم تشارك في المجامع الموسومة بالمسكونية التي كانت تخصُّ العالم الروماني Orbis Romanus
(3). في هذه المجامع تداخل الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي، وغاب الحوار الصادق والمنفتح من اجل الوصول إلى الحقيقة. وعموما ساد فيها جوٌّ من السجالات والجدالات كما يحصل اليوم بين المحافظين والمحدثين. لذا قامت كنيسة المشرق بتأطير وضعها من خلال مجامعها المنعقدة في عام 410 و420 و424 و486(4).
 لقد أظهرت كنيسة المشرق نفسها في هذه المجامع منظَّمة تمامًا. أما ما يقال عن تدخّل الآباء الغربيين (كنيسة انطاكيا) في شؤونها الإدارية، فهو ادعاء آخر يفتقر إلى أدلة علميّة، وما رسالة “الآباء الغربيين" إلى المشارقة إلا القوانين التي جلبها ماروثا أسقف ميافرقين عام 410 وتبناها مجمع اسحق في السنة نفسها
(5). كنيسة المشرق لبثت كنيسـة خارج الأسوار، ومعزولة عن كنائس الإمبراطورية الرومانية بسبب ظروفها الجغرافية والسياسية والثقافية واللغة. وإن التأثير “اليوناني- الغربي" عليها محدود، ولم يحصل إلا في زمن لاحق، عندما تمت ترجمات كتب آباء مدرسة أنطاكيا العظام إلى السريانية (اللغة المكتوبة)، وخصوصا كتب ثيودورس أسقف مصيصة وهو اللاهوتي البارز وقد تأثرت به وعدته ملفانها الأعظم – ، وليس بنسطوريوس.

2.    لاهوت كنيسة المشرق
اللاهوت جُهدٌ بشريٌّ يسعى لفهم الإيمان، والتعبير عنه بلغة مفهومة ومعروفة بحسب الناس والزمان والمكان. وتختلف هذه اللغة من جيل إلى جيل، ومن حضارة إلى أخرى. ومنذ بداية المسيحية، كانت اتجاهات مختلفة في التعبير اللاهوتي بين الكنائس، شرقاً وغرباً، مثلما نجد رُتَباً وممارسات ليترجية – طقسية، نابعة من حاجات الناس، والأسئلة التي يطرحها الإيمان على ضميرهم. فالتعدديَّة اللاهوتيَّة حقٌّ مشروع، وظاهرة حضاريَّة. من هنا نستنتج أن الإيمان ثابت ومطلق، واللاهوت نسبي ومتجدد، وكعلم يستفيد اللاهوت من المدارس الفكرية التي يتحرك فيها البشر، فيختلف التعبير والنهج، بحسب الإطار التاريخي والحضاري والثقافي والاجتماعي للشعوب.
ليس لدى كنيسة المشرق لاهوت نظري منهجي كما نجده في الكنيسة الغربية، بل لاهوتها حياتي وروحي، تعبِّر عنه ليتورجيتها ومواعظ آبائها. وانطلق من نظرة تاريخية، تهتم بمعنى الأحداث والأشخاص لحملهم على تحقيق نداءات الله في ظروف حياتهم اليومية، مشدداً على الجانب الإنساني من دون أن يُهمل الجانب الإلهي، ومنطلقاً من شعار ها القيامة والحياة والتجدد: فالصليب المشرقي ممجد ومن دون المصلوب كالقبر الفارغ. والمسيحيون المشرقيون كانوا عادة فلاحين أو رعاةً أو رهبانًا، وقلما تبوأوا مراكز القوة أو السلطة، لذا جاء لاهوتهم مفعمًا بالإيمان والعفوية والعاطفة والحماسة.


سماتــه (6)
1. لاهوت كتابي، يتركّز على الوحي الإلهي، ويقوم ببناء تفسير منهجي على خط ربَّاني متهوَّد، مستعملا الفنون الأدبية، بهدف تقديم تعليم عقائدي مفهوم من خلال إيجاد صورٍ ورموز ٍبأسلوب "الأغادا" واستخلاص تعليمٍ عمليٍّ بنفس نهج "الهلاغا". ويستعمل بغزارة المنهجيّة التطبيقية typology والرمزيّة allegory.
2. لاهوت آبائي، أي أن الذين رسموا خطوطه وروحانيته، هم آباء القرون السبعة الأولى. وما نجده في الفترات اللاحقة ليس إلا إعادة أو توضيحاً.
3. لاهوت ليترجى لا ينفصل عن نصوص صلوات الكنيسة ورتبها، لان ليترجيا الكنيسة هي إيمانها المتجسّد في الواقع الذي يتغلغل في كيان المؤمنين ويتجذّر فيهم على قاعدة: lex orendi lex credendi، أي ما يُصلى يؤمن به.
4- لاهــوت تعــليمي catechetic، كاريكماتي، أي همّه التعـــليم وليس التــنظير، لذا جاءت أطروحاته على شكل إرشادات لتنشئة الناس على الإيمان وعيش متــطلبات الإنجيل. ويتـــنوع بحسب تنــوع الحالات والمناســبات الكنســـية. ونادراً ما نجد بحثاً منهجياً ومنسقاً systematic.
5- لاهوت تدبيري، أي ينطلق من تدبير الخلاص وهو ركيزة اللاهوت المشرقي. والتدبير يعني العمل الإلهي كاملاً، بدءاً بالخلق وحتى نهاية الأزمنة، والإنسان محوره. والتدبير مسيرة اليمانية تاريخية، من الألف إلى الياء، مجسداً ملء سرّ الله وحضوره في يسوع المسيح الذي يُسمّيه “شخص التدبـــير-
6- لاهوت صوفي mystic، لأن معظم كُتَّابِه من الرهبان، وهو يدعو إلى روحانيّة صوفيّة، تغدو بموجبها حياة المؤمن "خروجاً exodus" متواصلاً، بحثاً عن معرفة سرّ الله، ومحبته، والاتحاد به. ويُشدّد على القلب لأنه موقع الفهم وحصن الإنسان وفقاً للأدبيات الصوفية.
7- لاهوت النفي، أي يعتمد أسلوب النفي apophatic لتبيان صفات الله، ويميل بوضوح إلى التنزيه. فالله غير منظور، غير مُدرَك، غير مائت إلخ. ويقلل من ذكر اسم الجلالة كما الحال عند اليهود والمسلمين: “ذاك الذي باركنا، الشكر للصالح…”. هذا الأسلوب يعبرّ عن عجز الإنسان في فهم كيان الله فائق الإدراك: “كنز نحمله في إناء من خزف" (2 قور 4-7).
8- لاهوت دفاعي، وهو محدود الوجود في تراث كنيسة المشرق، أي يتسم بطابع الدفاع ودحض اعتراضات الآخرين. وبدل القيام بعرض الإيمان بلغة سلسة، يستخدم أسلوب المنطق وقرع الحجّة بالحجّة.

 

3.    كريستولوجيا كنيسة المشرق (7)

الكريستولوجيا Christology (الكلام اللاهوتي عن المسيح) مرتبطة أساسا بالإيمان بالمسيح" الألف والياء، والبداية والنهاية" (رؤيا 22/13). وعندما نقول المسيح نعني شخصه الكامل الذي فيه تتحقق وحدة الجنس البشري والخلاص.
كريستولوجيا كنيسة المشرق كتابيَّة معبرة ومفهومة، وليس فيها مغالاة، وتشجع المؤمن على تحقيقها، وبإمكانها أن تغدو معاصرة إذا اجري عليها بعض ترتيبات، وادخل إليها بعض مصطلحات حديثة ملائمة. إنها كرستولوجيا الأناجيل الإزائية (متى ومرقس ولوقا) ذات الاتجاه التصاعدي: من الإنسان إلى الله على عكس الاتجاه الإسكندري التنازلي من الإله إلى الإنسان، نسبة إلى الكلمة logos كما جاء في مقدمة إنجيل يوحنا. هذه الكريستولوجيا تبناها مجمعا بيث لافاط (484) وساليق- قطيسفون (486). هذه الكنيسة وجدت قبل نسطوريوس بزمن طويل، ولم تبنِ عقيدتها على كتاباته.
كنيسة المشرق (ونسطوريوس) تؤمن بشخص واحد في المسيح، هو ابن الله الوحيد، ولا تؤمن بشخصين منفصلين. وإسناد مذهب ازدواجية الشخص إلى كنيسة الشرق خاطئ ومضحك! فذكر "طبيعتين" أو "اقنومين" إلهية وإنسانية في المسيح مقرون دوما بذكر “الشخص الواحد- يسوع المسيح-، وهو نفسه موضوع العبادة والسجود. اذاً مشكلة الكريستولوجية المشرقية تكمن في اللغة والمصطلحات، التي ترجمت كمرادفات للمصطلحات اليونانية واللاتينية. وهذا خطأ مبين!

 ينظر الآباء المشرقيون الى المسيح، ابن الله، نظرة خلاصية- التدبير-، نابعة من واقع خبرتهم الشخصية وليس من نظرة فلسفية ما ورائية. هذا الخلاص أساسي وهو تصميم الهيٌّ. ونقطة الانطلاق والركز فيه هو المسيح، إلى حدٍّ سمّوه شخص التدبير (باباي الكبير).

افراهاط الحكيم 370-34: "نسجد للمسيح لأننا نؤمن بان الله حاضر فيه" (البينة 17/6). والتجسد لا يعني تقمصاً، "انما يصير الله إنساناً ليرتقي به اليه" (البينة 23(/50).
مار افرام 306-373: شارحًا نص الرسالة الى فيليبي (1/15) يقول: "إنه صورة حقيقية للآب، ومساو له ومولود منه، وليس له من إرادة سوى إرادة الآب" (الكنيسة 27/9) " ولبس جسداً ليضمنا إلى ما هو له " (الميلاد 21/12).
اللاهوتي باباي الكبير (550-628): لقد قدم باباي الكبير رسميا كريستولوجيا كنيسة المشرق في كتابه (الاتحاد)
(8). يقول: “ثمة طبيعتان إلهية وإنسانية متحدتان في المسيح. ولذلك لا يوجد سوى ابن واحد وشخص واحد في الاتحاد.. كلمة الله متساو مع الآب، وبسبب الاتحاد تسمى مريم الطوباوية أم الله وأم الإنسان، أم الإنسان وفقًا لطبيعة خاصة بها، وأم الله بسبب الاتحاد الذي كان لديه مع إنسانيته… ولأن اسم "المسيح" يشير إلى طبيعتيه في حالة الاتحاد [أي الله كلمة] بالوهيته وإنسانيته، والكتاب المقدس يقول أن مريم الطوباوية ولدت "المسيح"، وليس ابن الله بطريقة متفرقة، وهو ليس مجرد إنسان مفصول عن الله الكلمة"(9).
 في الواقع ان الخلاف هو في سوء فهم تبادل الصفات idiomatum Communicatio أي تعيين كل فعل لأي طبيعة يتصل: أن يقال ان "الله تألم وصلب" فالصلب والألم لا يتماشيان تعبيريا الا مع الطبيعة البشرية فقط، وصعوبة تسمية Théotokos العذراء (والدة الله) لأنها والدة الإنسان يسوع المسيح ابن الله.

 

شهادة لاهوتيين سريانيين ارثوذكسيين:

علي بن داود الارفادي وهو من القرن الحادي عشر:" فلما وجدت هذا الاختلاف حول اتحاد لاهوت المسيح سيدنا بناسوته، الذي فرق بينهم_ النساطرة واليعاقبة والملكية – وهو الذي ميز بعضهم من بعض.. نظرت في ذلك بحقيقة النظر دون الهوى والعصبية. فلم أجد في ذلك فرقاً بينهم في حال من الأحوال. وذلك انهم اجتمعوا على تصحيح لاهوت المسيح سيدنا، وأقروا باتحاده وانه لا انفصال بين اللاهوت والناسوت (10).
ابن العبري اللاهوتي الكبير، مفريان كنيسة السريان الأرثوذكس في القرن الثالث عشر: "ان النساطرة، واليعاقبة والخلقدونيين يتقاتلون فقط لتسمية "الاتحاد" ولكن تعليمهم عن الثالوث والحفاظ على الطبيعتين للمسيح من دون خلط واحد"
(11). ثمة نحو عشرين مقالة تقول الشيء نفسه (12).

 

مجامع كنيسة المشرق
مجمع اسحق سنة 410: “نؤمن بالربّ يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب، أي من نفس جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق… من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا صار إنسانًا"
(13).
ومجمع أقاق سنة 486: "إذا لم يصن أحد شخص مخلصنا الواحد بالاعتراف بأنه إله كامل وإنسان كامل، فليكن محروما"
(14).
ومجمع يوسف (554) يؤكد وحدة الشخص:" كل من يعتقد بوجود مسيحين، أو إبنين، لأيّ سببٍ كان، أو يدخل بأي شكل من الأشكال رباعية الأشخاص في (الثالوث)، فليكن محرومًا"
(15).

واجتماع سنة 612 الذي دار بين لاهوتيين من كنيسة المشرق ولاهوتيين من كنيسة السريان الارثوذكس امام كسرى انوشروان. عبًّرَ المشارقة عن عقيدتهم بهذه الكلمات: "لهذا نحن نؤمن بقلبنا ونعترف على شفاهنا أن الرب يسوع المسيح ابن الله الذي لا تختلط الوهيته ولا تزول انسانيته، بل هو الله كامل وإنسان كامل"(16)..
ويشرح ايشوعياب الجدالي (توفي 646) ما يسمّى في اللاهوت بتبادل الصفات Communicatio idiomatum))، أي أننا ننسب إلى شخص المسيح ما هو خاص بإحدى طبيعتيه، وإن كانت هذه النسبة لا تقوم على المستوى نفسه، لكن الفاعل – الأنا هو واحد: " أما المسيح فمنذ الحبل به، اتحد لاهوته بناسوته، واستقبل الناسوت اللاهوت من دونما انتقال.. واتحدت الطبيعتان اتحاداً وثيقاً في الشخص، وكل الآلام التي تخص البشرية طبيعيا تنسب إلى الشخص الواحد، ومنذ ذلك الوقت والى الأبد تظهر الطبيعة الواحدة في الثانية من دون تحول. وكلما شاهدنا بشرية ربنا، إن كان في الرحم أو في المغارة، أو في نهر الأردن.. في القبر أو ناهضا وسط التلاميذ، نفهم انه واحد، وان لاهوته معه. كذلك عندما نتكلم عن لاهوته فنقول في حضن الاب، او جاء الى العالم.. اننا نجد ناسوته معه. وعموما كل الالام التي تخص البشرية طبيعيا – من دون ان يحصل تغيير في الالوهية- كيف يمكن نسبها الى الالوهية من دون ان يصير انسانا؟ كذلك الصفات السامية التي تخص الالوهية كيف يمكن نسبها الى البشرية لو لم يتجسد الشخص الإلهي "
(17).
 كذلك ثمة ترتيلة جميلة في الحوذرا(الصلاة الطقسية- ) لعيد ميلاد المسيح تفسر تماما تبادل الصفات: "من كان من البداية في حضن الآب، هو الله الحقيقي الذي جاء إلينا في ملء الزمن وتجسد وصار إنسانا كاملا.. "
(18).
وقد أظهر الحوار المسكوني بين كنيسة المشرق الأشورية والكنيسة الكاثوليكية أن الايمان مشترك فيما يتعلق بالمسيح، ابن الله الوحيد، وان وجه الخلاف هو لغوي- تعبيري فلسفي.. شخص المسيح (– شخص التدبير- كما قال باباي الكبير) هو الأساس.
ومن منطلق هذا اللاهوت التدبيري الكريستولوجي يغدو المسيح، بالنسبة للمؤمن المشرقي قدوة، في طريق الألم والموت والانبعاث في جو من المجد والنور والفرح. هذا اللاهوت قد ساعد الكنيسة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الآشورية في الشرق على إصدار البيان الكريستولوجي المشترك الذي وقعه البابا يوحنا بولس الثاني والبطريرك مار دنحا الرابع في روما بتاريخ 22 تشرين الثاني 1994.
 "إن كلمة الله" الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس، تجسد بقوة الروح القدس، متخذاً من مريم العذراء القديسة، جسدا حيا بنفس ناطقة، متحدا معه بنوع غير قابل الانفصام منذ لحظة الحبل به. لهذا فان سيدنا يسوع المسيح، هو اله حق وانسان حق كامل، في لاهوته، وكامل في ناسوته، واحد في الجوهر مع الاب، وواحد معنا في كل شيء، عدا الخطيئة. ان لاهوته وناسوته متحدان في شخص واحد، بلا بلبلة ولا تغيير، دون انقسام ولا انفصال. حفظ التمايز فيه بين الطبيعتين الالهية والبشرية. مع كل خواصهما وقواهما وافعالهما، دون ان يكون ((واحدا أو أخر)) فان اللاهوت والناسوت هما متحدان في ذات شخص ابن الله الوحيد، والرب يسوع المسيح، الذي هو موضوع سجود واحد. لذا فان المسيح ليس انسانا اعتياديا، تبناه الله ليحل فيه ويلهمه، كما في الابرار والانبياء. لكن الله نفسه، الكلمة المولود من ابيه قبل كل الدهور، دون بداية حسب لاهوته، ولد من ام بلا اب، في الازمنة الاخيرة حسب ناسوته. ان البشرية التي ولدتها العذراء المباركة مريم، ((كأم المسيح الهنا ومخلصنا)). وعلى ضوء الإيمان نفسه، يصلي التقليد الكاثوليكي الى العذراء مريم ((كأم الله)) وأيضا كأم المسيح"
(19)    
وعلى وجه الدقة بعد ألف وخمسمائة سنة، اعترفت الكنيسة الكاثوليكية في شخص البابا بصحة مصطلح "كريستوتوكوس- ام المسيح"، والذي استخدمته كنيسة المشرق على مدى قرون وكان مجمع أفسس 431 قد رفضه!


4. تحديد المصطلحات اللاهوتية (20)
 انصب اهتمام الآباء على شرح لرعاياهم، الوحدة التامة بين الإلهي والإنساني، بين الكلمة والإنسان يسوع، والتمييز بينهما، لذلك ابتكروا أسلوبا system تقنيًّا يصون وحدة الحقيقتين ويميزهما في آن معا.
 1 – كيان، هو فكرة مجردة عائمة، أي السمات المشتركة التي نصف بها طبيعة ما، مثلا الطبيعة البشرية. وهي واحدة مشتركة بين بطرس وبولس، ولهذا السبب يسمونها: اي الجوهر العام.
 2 – اقنوم، هو المفهوم الخاص بالكائن في ذاتيِّته الفرديّة، أي في كيانه العميق، فاقنوم بولس يختلف عن اقنوم بطرس، لذا سموه أي الجوهر الفرد. وفي السياق المسيحاني المشرقي يكون الاقنوم اقرب الى الطبيعة منه الى الشخص، تماما عكس السياق الغربي حيث يرادف الأقنوم الشخص. وفي هذا الصدد يقول البطريرك ايشوعياب الثالث الحديابي (توفي 659) في رسالته الى سهدونا:" كيف تجرو على خلط لفظة " شخص – بلفطة اقنوم.. ان الشخص هو الذي يبلور الاقنوم. وان الاقنوم لا يحتوي على معنى آخر غير الطبيعة"
(21).
 3 – Prosopon لفظة يونانية متسرينة، تعني القناع الذي يلبسه الممثل المسرحي كي يظهر فيه الدلائل الخاصة المتميزة للشخص الذي يمثله. الشخص أو الوجه- لا يعني الهيئة الظاهرة فحسب، بل الصفات الأساسية "الجوهر غير المنظور" التي بها يظهر الفرد "الانا" للخارج واليه تنسب كل الأفعال. كما استعملوا لفظة ، – الوجه، اي المظهر الخارجي الذي يميزه عن غيره، ولفظة (Schema – الشكل) أي ما تراه العين للدلالة على لحم وجسد المسيح الواحد.
 وفقًا لهذا المنهج، يكون للمسيح طبيعتان واقنومان وشخص واحد، يتم من خلاله تبادل خواص الطبيعتين: البشرية والإلهية معًا. والوحدة فيه ليست كونفدرالية ولا أدبية، بل جوهرية، ويحتفظ كل أقنوم بخواصه الطبيعية ، يتم تبادلها من خلال الشخص الواحد: شخص الابن -الكلمة، في حين إستعمل اللاهوتيون السريان الأرثوذكس مصطلح: طبيعة وأقنوم hypostasis بالمعنى الواحد نفسه
(22)، بينما استعمل الغربيون الكاثوليك أقنوم hypostasis وشخصprosopon كمرادفين.
وبخصوص الثالوث الأقدس استخدم المشرقيون مصطلح "الاقنوم" بدل "الشخص" لملاءمته.


4.    الخاتمة
 الروحانية المشرقية
(23) مبنية على تدبير الخلاص "oikonomia الذي رأسه يسوع المسيح، ويتحقق في الكنيسة(الجماعة) ومن ثمّ في نفس الإنسان المؤمن. ويتم هذه التطابق خصوصا من خلال السنة الطقسية، حيث تعرض علينا مراحل تاريخ الخلاص المختلفة من البشارة إلى تقديس الكنيسة بشكل واقعي وعملـي (المعنى اللاهوتي والأخلاقي) ويتكلل تدريجيا بتقديس الكنيسة (البعد الأواخري)، ومن خلال التأمّل المستمر، شخصيًا وجماعيًا، في سرّ المسيح، يسعى المؤمن المشرقي ان يأخذ شيئا من المسيح ويضعه عليه حتى يندمج فيه. إنه برنامج تنشئة على التفكير والتأمل في المواضيع الأساسية والمصيرية المكوِّنة للجماعة المسيحية ووعيها لسرّ دعوتها، وتوجّه صلاتها ومسيرتها.
 مسيحية من دون خبرة صوفية – روحية لا طعم فيها. كل مسيحي يلزم أن يكون له شيء من الخبرة الصوفية التي ليست حالة إستثنائية، بل على الكلّ ان يختبروها. من هذا المنطلق يضع طقسنا المشرقي قنديلاً مشتعلاً في وسط الهيكل ليسلّط الضوء على مائدتي الافخارستيا والكتاب المقدس، اي على المسيح لنكرمه ونقتدي به.

 

الهوامش
________

1 Audisho of Nisibis, the Book of the Pearl. Arabic translation by Louis Sako, 2 edition, Baghdad 2013, p. 43. The term “Nestorian”: It is not common that the term “Nestorian” is officially used by valid Church of the East authorities. It first appears with the Catholicos-Patriarch Mar Aba the Great (525-533) travels to Constantinople and brings with him an anaphora named after Nestorius, which means that this anaphora was still used there! See Albert Abouna, Adab Al-Lugha Al-Aramia, 2e edition, Dar Al Mashriq (Beirut) 1996, pp. 132-140.     Later, the term “Nestorian” appears during a debate that took place between two theological groups in 612.
لم يكن شائعاً استخدام مصطلح "النسطورية" رسميا من قبل سلطات كنيسة المشرق. ويبدو انه استعمل لأول مرة ا مع البطريرك مار أبا الكبير (525-533) الذي سافر إلى القسطنطينية وجلب معه أنافورا لنسطوريوس، مما يعني أن هذه الأنافورا كانت لا تزال مستخدمة هناك! وصراحة هذه الانافورا مشابهة الى حد بعيد بانافورا ثيودوس المصيصي في وقت لاحق، يظهر مصطلح "النسطورية" خلال نقاش جرى بين مجموعتين لاهوتيتين:المشرقي والسرياني الأرثوذكسي، أمام الشاه كسرى الثاني عام 612

2 Nestorius, Le livre d'Héraclide de Damas, intro. et trad. F. Nau, Paris 1910, p. 2. Also see Luise Abramowski, The History of Research into Nestorius, in: Syriac Dialogue I, Pro Oriente 1994, p. 54-68 ; Niklòs Maroth, La Philosophie comme moyen d’interprétation de l’Écriture (Nestorios était-il nestorien ?), in Studia Arabica XXVI, dirigée par Marie-Thérèse Urvoy, Edition de Paris, 2016, 55-79.

3 CAMELOT, Th., Éphèse et Chalcédoine, histoire des conciles, Paris 1962. See also, Brock, Sebastian, The Church of the East in the Sasanian Empire up to the Sixth Century and its Absence from the Councils in the Roman Empire, Syriac Dialogue I, Pro Oriente 1994, p. 69-86

4 CHABOT, J.B., Synodicon Orientale ou le recueil des synodes nestoriens, Paris 1902, pp. 254-307.

5 See my study in Arabic about “The Letter of the Western Fathers to the Easterners,” published in Beth-Nahrain Magazine, No. 36 (1981) p. 341-356. طالع دراستنا عن رسالة الاباء الغربيين إلى المشارقة، مجلة بين النهرين، عدد36، سنة 1981 ص341-356.

6 Sako, Louis; Our Syriac Fathers, Dar Al Mashriq (Beirut) 2012, p. 29-34.
ساكو، أباؤنا السريان، دار المشرق بيروت 2012 ص 29-34

7 Sako, Louis, Lettre christologique du Patriarche syro-oriental Īšō‘yahb II de Gdālā (628-646). Étude, traduction et édition critique, Rome 1983, pp. 101-134.

8 Babai the Great, Liber de Unione, ed. Vaschalde, A., CSCO 79/80, Louvain 1915.

9 ibid., pp. 105, 264-265.

10 Troupeau, Gérard, Le livre de l’unanimité de la foi de ʿAlī ibn Dāwud al-Arfādī, Melto 5 (1969), p. 211; Ammar Al Basri, Apologie et Controverses, ed. Michel Hayek, Beyrouth Dar al-Machriq, 1977, pp. 179-180.

11 Quoted by François Nau in the introduction of Liber Heraclidis, p. XXIII.

12 See in Samir Khalil, "Introduction to the Old Christian Arab Heritage", Massara 67 (March 1981), Nos. 663-664, 178-179.

13 SO, p. 262.

14 SO, p. 302.

15 SO, p. 355.

16 SO, p. 583.

17 Sako, “Isoyahb”, No 104-107,111,pp.153. لويس ساكو، البطريرك ايشوعياب الجدالي، حياته ورسالته اللاهوتية، بغداد 2014 رقم 104-111 ص 36-38

18 Chaldean Breviary, 3 edition Rome 2002, p. 334.

19 The “Common Christological Declaration Between the Catholic Church and the Assyrian Church of the East” no. 3-5. (www.vatican.va/roman…/rc_pc_chrstuni_doc_11111994_assyrian-church_en.html).
(ترجمة مجلة نجم المشرق، عدد الأول 1995 ص 42-44),

20 Sako, Louis, “Isoyahb II de Gdala, la terminologie et sa signification”, pp. 101-109. See also Soro, Bawai & Birnie, MJ, “Is the theology of the Church of the East Nestorian?”, in Syriac Dialogue I, Pro Oriente 1994, p. 116-134.
21 Isoyahb III, liber Epistolarum, (éd è tr0 Duval,R. (CSCO 11/12) Louvain 1904-1905, epistle 6 p. 97. ايشوعياب الثالث الرسائل، رقم 6 ص 97

22 السريان الأرثوذكس حقا ارثوذكس، أي مستقيمو الايمان، مجلة الفكر المسيحي عدد 226 لسنة 1987 ص 218-222

23 Concerning the [Eastern] Spirituality refer to the work of the Carmelite Father Robert Beulay, L’enseignement spirituel de Jean de Dalyatha, mystique Syro-Oriental du VIII siècle, Paris 1990 (Théologie Historique 83).

شاهد أيضاً

الاحد السابع لايليا: الطفل المعلم

البطريرك لويس روفائيل ساكو القراءات الأولى: من سفر إشعيا (33: 1-6) تندد بأشكال الكذب والسرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*